إسرائيل

قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بتجنيد الحريديم .. الائتلاف إلى أين؟

جاء القرار بفرض التجنيد الإلزامي للحريديم (طلاب المدارس الدينية اليهودية المتطرفة) الصادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية في 25 يونيو 2024، ليفتح فصل جديد في سلسلة أزمات “تجنيد الحريديم” ويعيد للأذهان أول حلقة في هذه الأزمات في عام 2018، حينما بدأت الأزمة بحل الكنيست والحكومة للمرة الأولى على خلفية هذه المسألة حيث استقال وزير الدفاع (آنذاك) “أفغيدور ليبرمان” وانسحب حزبه من الائتلاف اعتراضًا على قانون إعفاء الحريديم من التجنيد. الجديد هذه المرة أن  القرار بإلزامية التجنيد يأتي خارج أسوار الكنيست وبعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة لقادة أحزاب الائتلاف وخاصة الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة (شاس، يهودت هتوراة).

تثير هذه التطورات بدورها التساؤل حول استقرار الائتلاف الحكومي ومستقبله خاصة وأن هذا القرار قد أضر بأحد الخطوط الحمراء التي رسمتها الأحزاب الأرثوذكسية عند انضمامها للائتلاف كما أنها تأتي في مقدمة التزاماتها الانتخابية تجاه جمهور ناخبيها من التيار الحريدي المتطرف، الذي سيخضع بموجب القرار الجديد للتجنيد الإلزامي.

دوافع وخلفيات القرار

يقف وراء صدور قرار المحكمة أمس الذي أقّر بأن أعضاء المدارس الدينية اليهودية المتطرفة ليسوا معفيين من التجنيد الإجباري، كما أكد بأن الطلاب التي ستتهرب من الخدمة العسكرية، لن تتمكن المؤسسة التي يدرسوا فيها من الحصول على ميزانيات لهم.عدد من العوامل والمحددات التي يمكن إجمالها كالتالي:

  1. غياب الأطر والترتيبات القانونية لتنظيم تجنيد الحريديم: أدى غياب أية إطار أو ترتيب قانوني يسمح بإعفاء الشباب الحريديم، خاصة في ظل انتهاء القانون الذي يسمح بالإعفاءات الشاملة من الخدمة العسكرية في يونيو 2023، إلى جانب انتهاء قرار حكومي لاحق يأمر الجيش الإسرائيلي بعدم فرض التجنيد الإلزامي للحريديم على الرغم من انتهاء الصلاحية في 1 أبريل 2024، كما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية أمراً مؤقتاً في 28 مارس 2024، يقضي بتجميد التمويل للمدارس الدينية الحريدية للطلاب الملزمين بالتجنيد، إلى نظر المحكمة العليا الإسرائيلية في 2 يونيو 2024، بعض الالتماسات المقدمة لفرض التجنيد ضد الشباب الحريديم، والذي جاء كتمهيد لحكم أمس.
  2. فعالية المحكمة العليا في النظام القانوني: هيأ السياق الراهن من ناحية غياب الإطار القانوني لعدم تجنيد الحريديم المؤهلين للخدمة العسكرية الإسرائيلية، زيادة فعالية المحكمة العليا الإسرائيلية في إصدار قرارها خاصة وأن العادة قد جرت في الماضي في أن تنظر في معيارية قوانين التجنيد التي يسنها الكنيست إلا أن هذه المرة جاء دورها لإيجاد الإطار القانوني في ظل فشل الكنيست في تمرير قانون للتجنيد في ظل الخلافات الناشئة في الوقت الراهن حول هذا القانون.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن دور المحكمة في الترتيبات القانونية المستقبلية المتوقع أن يتخذها الكنيست من ناحية تمرير قانون تجنيد يعفي الحريديم، أن تكون جزء من المشكلة وليس الحل، خاصة وأن قرارها في يناير الماضي (2024) بإلغاء تعديل “قانون المعقولية” أعاد إليها القدرة على الرقابة اللاحقة للقوانين التي يسنها الكنيست، كما جرت العادة في الماضي. ولعل ذلك يفسر جهود قادة الائتلاف خلال الفترة التي سبقت أحداث 7 أكتوبر فيما عُرف بـ “الاصلاحات القضائية” في محاول لتلافي حدوث مثل هذا الإجراء.

  • عدم فعالية الإجراءات الاستباقية للحكومة: استهدف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 10 يونيو الماضي، التحرك الاستباقي من خلال تسريع إجراءات تمرير مسودة “قانون التجنيد” التي وافقت عليها اللجنة الوزارية للتشريع في 15 مايو 2024، وقد طرح تطبيق قانون “الاستمرارية” على هذه المسودة لتجاوز القراءة الأولى باعتبارها قد مررت في الكنيست الماضي بالفعل بالقراءة الأولى، وقد حظى بموافقة غالبية أعضاء الائتلاف 63 عضو باستثناء وزير الدفاع الإسرائيلي “يوآف غالانت”. وقد استهدف نتنياهو من وراء هذا التحرك -من بين أمور أخرى- تعطيل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي صدر أمس، على أمل أن يُوجد هذا التحرك المبرر للطلب من المحكمة العليا تأجيل قرارها أو الحكم بإعادة الأمر للكنيست باعتبار أن المسودة ستكون محل نقاش داخل الكنيست بعد تمريرها.

التداعيات المحتملة

كان لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية أصداءه السلبية بطبيعة الحال في الأوساط الحريدية وخاصة الأحزاب السياسية الممثلة عنها، والتي تتوالى التقارير العبرية في الوقت الحالي للحديث تارة عن احتمالات انسحابها من الحكومة، وانهيار الائتلاف، وتارة أخرى، عن استمرارها بظروف معينة تضمن استقرار الائتلاف واستمراره. تفرض هذه المتغيرات أن تتحدد سيناريوهات الائتلاف وفقًا للمسارات التالية:

  1. بقاء الائتلاف واستمراره مع تراكم الأزمة: يعد هذا السيناريو هو الأرجح، فعلى الرغم مما أحدثه قرار المحكمة العليا من تأثير سلبي على خطوط دعم الأحزاب الأرثوذكسية (شاس ويهودت هتوراة) إلا أنها وبحسب ما يتداول من تقارير عبرية، غير مهتمة بحل الكنيست وإجراء الانتخابات في الأشهر المقبلة، ويرجع ذلك إلى الانطباع السائد لديهم بأنه لا توجد إمكانية حاليًا لحكومة أخرى لتمرير القوانين التي تهمهم.

وبالتالي من المتوقع أن تستمر هذه الأحزاب داخل الائتلاف الحكومي من أجل ضمان توفير إطار قانوني مضاد للقرار بشكل عاجل، وقد يتحقق ذلك من خلال تسريع إجراءات مسودة قانون التجنيد التي تم تمريرها بالقراءة الأولى من أجل تمريرها بالقراءة الثانية والثالثة والوصول إلى صيغة توافقية تكون أقل حدة من القرار الراهن بالتجنيد الإلزامي وفي نفس الوقت تراعي الاعتبارات التي أبداها بعض أعضاء الائتلاف بما يتوافق مع مقتضيات واقع ما بعد 7 أكتوبر، ووفقًا لعضو بارز في الأحزاب الحريدية بحسب تقرير لصحيفة معاريف الإسرائيلية منشور في 26 يونيو 2024، فإنه “إذا نجح الإئتلاف في تمرير قانون تجنيد بصيغته الحالية أو قريب من الصيغة الحالية، مع أهداف تجنيد لا تزيد عن 3000، من وجهة نظر القيادة الحاخامية فإنه سيفعل ذلك”. “سيكون قانونًا سيئًا لكنه لن يكون قانونًا يدمر عالم التوراة”. وهو ما يعني أن الأرثوذكس المتطرفون سوف ينتقدوا الحكومة، لكنهم لن يطيحوا بها من ناحية أخرى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن الوصول إلى هذا التوافق بشأن مسودة القانون لن تكون مهمة يسيرة والفشل فيها سيقود إلى انسحاب الأحزاب الأرثوذكسية من الائتلاف وانهياره، حتى لا تكون في مواجهة مع جمهورها من الناخبين بمسؤولية مباشرة عن هذا الإجراء التشريعي الذي تملك أن تصوت عليه بالموافقة أو الرفض على عكس القرار الذي أصدرته المحكمة، وبالتالي انسحابهم في هذه الحالة سيكون انتصارًا لالتزاماتهم تجاه ناخبيهم.

وفي هذا الإطار يمكن الإشارة أيضًا أن استمرار الأحزاب الأرثوذكسية في الائتلاف سيمكنها من التعامل مع قرار المحكمة العليا في الوقت الحالي، من خلال الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للضغط على المؤسسة العسكرية لتطبيق القرار على نطاق محدود، خاصة وأن المحكمة تركت لها السلطة التقديرية فيما يتعلق بالطريقة التي سيتم بها تطبيق القانون، ولم يحدد القضاة نطاق التجنيد الضروري، وهذا الإجراء بدوره إذا ما أبدت المؤسسة العسكرية مرونة في التعامل مع هذه التحفظات المتوقعة من جانب الأحزاب الدينية، سيجعلها في مرمى المحكمة خاصة إذا ما تم تقديم التماسات حول التطبيق المحدود للقرار.

  • انسحاب الأحزاب الأرثوذكسية من الحكومة والدعم من الخارج: أشارت بعض التقارير العبرية وتحديدًا تقرير للقناة 11 الإسرائيلية، إلى أن كل من حزب “شاس ويهودت هتوراة” يفكرا في ترك الحكومة، مع إمكانية دعم الحكومة من الخارج “حسب الحاجة”، وذلك في ضوء الإحباط الواسع النطاق من سلسلة التحركات الأخيرة لوقف وضع الميزانية للمدارس الدينية، إلا أن حزب “شاس” نفى التقرير مؤكدًا إنه “غير صحيح على الإطلاق”. ويضعف فرص هذا السيناريو افتقاد الحزبين مرونة التعامل مع القرار المحكمة إذا ما انسحبوا من الحكومة حيث لن يتمكنا من إلغاء القرار من ناحية، ومن ناحية أخرى، سيؤثر ذلك على إمكانية تمرير “تشريع تجنيد” يحد من نطاق التجنيد للحريديم ويعالج إشكالية التمويل التي يسببها القرار الأخير، كما أن استمرارهم في الائتلاف سيمكنهم من ممارسة الضغط على المؤسسة العسكرية لتطبيق القرار على نطاق محدود على النحو المشار إليه سلفًا.
  • انسحاب الأحزاب وانهيار الائتلاف: يعد هذا السيناريو أحد السيناريوهات المرجحة ليس كأثر لقرار المحكمة الأخير، وإنما في حال إذا ما فشلت المفاوضات الجارية حاليا بين أجنحة الائتلاف من أجل إحداث التوافق بشأن مشروع مسودة “قانون التجنيد” التي تم تمريرها مؤخرًا، واعتمادها كتشريع يبطل قرار المحكمة وكسب مساحة من الوقت، خاصة وإنه من المتوقع أن يتم الالتماس على أي تشريع سيتم تمريره في هذا الصدد إذا لم يراع مسألة تقاسم الأعباء وعدم المساواة، وهو ما سيعيد الكَرَّة من جديد للمحكمة.   

وفي هذا الصدد تعكس بعض المؤشرات مظاهر للتواتر والخلاف الحادث بين صفوف أعضاء الائتلاف على خلفية مسألة تجنيد الحريديم، ولعل من أبرزها، التوتر الناشئ في الوقت الراهن بين نتنياهو ورئيس لجنة الخارجية والأمن، و أحد أكثر أعضاء الكنيست شعبية في الليكود “يولي إدلشتين”، حيث أزال الأخير من جدول الأعمال قانون رفع سن الإعفاء من خدمة الاحتياط، ويعبر عن اتجاهه للتصويت على قانون التجنيد الذي يلبي احتياجات الجيش الإسرائيلي، ويأتي هذا في إطار على ما يبدو سعي إدلشتين لمنافسة نتنياهو على قيادة الليكود، على غرار ما قام به قبل عامين حينما أعلن خوضه الانتخابات التمهيدية ضده، وقد يراهن هذه المرة من خلال تحركاته الأخيرة أن يعزز الانطباع لدى أعضاء الليكود بأن ما أرشده في ذلك هو مصلحة الجيش والدولة، إلا أن نتنياهو بحيله المعهودة قد يعكس ذلك عبر المزايدة على موقفه بأنه تحالف مع اليسار.

ختامًا، تعكس هذه التطورات الواقع المأزوم الذي عليه الائتلاف الحكومي الإسرائيلي في الوقت الراهن، خاصة في ظل اتساع هوة الخلاف بين أعضاءه بشأن مسألة تجنيد الحريديم، وانعكس ذلك مؤخرًا في جلسة التصويت على مسودة القانون، وتنذر هذه المتغيرات أن تقود للحظة جمود تعصف بالائتلاف خاصة في ظل رهانات قادة الائتلاف وفي مقدمتهم نتنياهو ليس على حل الأزمة بل تأجيلها لكسب الوقت، عبر إجراءات المناورة التي يتخذها من وقت لأخر، ويساعد على ذلك جبهات القتال المفتوحة، إلا أن هذا من شأنه مراكمة تداعيات الأزمة واقتيادها للحظة الانفجار خلال الفترة القادمة.

مهاب عادل

باحث بوحدة الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى