آسياروسيا

قراءة في زيارة “بوتين” إلى كوريا الشمالية.. دوافع القلق الغربي

قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بزيارة مهمة ونادرة لكوريا الشمالية هي الأولى منذ 24 عامًا، وتأتي هذه الزيارة في سياق إقليمي ودولي متصاعد التوترات، لذا؛ تنبع أهميتها من دورها المهم في فتح آفاق جديدة لشراكة استراتيجية شاملة بين موسكو وبيونغ يانغ، والتي تعزز علاقاتهما على كافة المستويات، لاسيما مع تعهد كل طرف بمساعدة الآخر في مواجهة أي عدوان يتعرض له، بجانب تعزيز التعاون الاقتصادي، والأمني والعسكري التقني بين هاتين البلدين الخاضعتين لعقوبات دولية واسعة النطاق ويتشاركان خطابًا أيديولوجيًا يتمحور حول القوة في مواجهة الغرب، والعداء للغرب والنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

وهو ما أدى لإثارة المخاوف الغربية في ظل الادعاءات الغربية بإمداد كوريا الشمالية لروسيا بالصواريخ البالستية والصواريخ قصيرة المدى والذخائر في حربها ضد أوكرانيا على الرغم من نفي كل من روسيا وكوريا الشمالية لهذه الادعاءات، هذا إلى جانب المخاوف الغربية بشأن تقديم بوتين لتقنيات عسكرية متطورة وحساسة تدعم برنامج أسلحة الدمار الشامل لكوريا الشمالية، لاسيما وأن كل من أمريكا وكوريا الجنوبية تدعيان أن روسيا تدعم بالفعل كوريا الشمالية بمساعدات تكنولوجية وغذائية.

وهو ما يدعو للتساؤل بشأن أهمية زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكوريا الشمالية، وما هي اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغ يانغ، وما هي مخاوف الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من هذا التقارب بين موسكو وبيونج يانغ؟.

العلاقات الروسية مع كوريا الشمالية:

تجمع روسيا وكوريا الشمالية علاقات صداقة وحسن جوار وثيقة منذ أكثر من سبعة عقود، إذ كان الاتحاد السوفيتي أول من أعترف بجمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في العالم، وأقام علاقات دبلوماسية معها، وخلال الزيارة الأولى لموسكو التي قام بها مؤسس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية كيم إيل سونغ، في 17 مارس 1949، تم التوقيع على اتفاقية التعاون الاقتصادي والثقافي بين الاتحاد السوفيتي وكوريا الديمقراطية، والتي أرست الأساس القانوني لمزيد من تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين.

وقد ساعد الاتحاد السوفيتي الكوريين في بناء اقتصادهم الوطني، وإنشاء نظام الرعاية الصحية، وتطوير العلوم والتعليم، وتدريب الكوادر الإدارية والفنية المهنية، وخلال حرب التحرير الوطنية 1950-1953، مد الاتحاد السوفيتي يد العون لشعب جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية ودعمه في النضال من أجل الاستقلال. وبعد ذلك قدم مساعدة كبيرة في استعادة وتعزيز الاقتصاد الوطني للدولة الكورية، وإقامة حياة السلم والاستقرار، وحافظ على روابط عسكرية وتجارية وثيقة مع كوريا الشمالية.

وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، تقلصت الروابط العسكرية والتجارية بين الطرفين، لكن مع تولي بوتين للسلطة قام بزيارة كوريا الشمالية في يوليو عام 2000، بعد شهرين فقط من توليه منصبه، وتضمنت الزيارة بحث بوتين مع زعيم كوريا الشمالية وقتها كيم جونغ إيل؛ -“والد الزعيم الحالي”- في القضايا الثنائية والدولية، وفي عام 2001 قام كيم جونغ إيل بزيارة لروسيا، وشكلت هاتان الزيارتان علامة فارقة في علاقات البلدين، كما حددت الإعلانات الثنائية الموقعة بعدهما الأولويات والاتجاهات الرئيسية لعلاقات الشراكة بين البلدين. ومع انتعاش الاقتصاد الروسي ألغى بوتين عام 2014 معظم ديون كوريا الشمالية في الحقبة السوفيتية في بادرة لتوطيد العلاقات بين البلدين.

ونمت العلاقات بين الدولتين أكثر خلال السنوات الاخيرة، حيث قام الرئيس كيم جونغ أون بأول زيارة لروسيا عام 2019، والتي جاءت في أعقاب انهيار المحادثات النووية بين كوريا الشمالية وأمريكا، وتوطدت علاقات البلدين أكثر في أعقاب العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عام 2022، حيث دعم زعيم كوريا الشمالية روسيا في تحركها، لذا؛ أثارت الزيارة الرسمية الثانية التي قام بها زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون في سبتمبر الماضي لروسيا تلبيًة لدعوة الرئيس الروسي، قلق أمريكا وحلفائها الغربيين، لاسيما فيما يتعلق بمخاوفهم من تزويد كوريا الشمالية لروسيا بالأسلحة لدعم حربها في أوكرانيا، أو أن تزود روسيا كوريا الشمالية بالمقابل  بتكنولوجيا الاسلحة المتقدمة.

وبشكل عام، كانت هذه الزيارة هي أول زيارة خارجية يقوم بها زعيم كوريا الشمالية منذ بداية جائحة كوفيد-19. وخلالها، دعا بوتين لتعزيز التعاون مع كوريا الشمالية في جميع المجالات. واحتفل الزعيمان بالذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما. كما يحتفلان هذا العام بالذكرى الخامسة والسبعين لإبرام أول وثيقة مشتركة بين الدولتين، وهي اتفاقية التعاون الاقتصادي، التي وقع عليها الزعيم الأول لكوريا الشمالية كيم إيل سونغ خلال زيارته الأولى لموسكو.

والآن تأتي زيارة الرئيس الروسي لكوريا الشمالية بعد 24 عامًا من زيارته الأولى لتضع أسس ودعائم لتطوير شراكة استراتيجية شاملة متعددة الأوجه بين البلدين وتعاون استراتيجي يشمل الالتزام المتبادل بالدفاع المشترك، وتهدف لتعزيز العلاقات بين البلدين مستقبلًا، بجانب مساعدتهما على مواجهة الضغوط الغربية، وخاصة أمريكا وحلف الناتو، وكذلك العقوبات الأمريكية، إذ تعد كل من روسيا وكوريا الشمالية من أكبر الدول التي تعاني من فرض العقوبات.

توقيت الزيارة وأهميتها وما تحمله من رسائل:

“الدفاع المتبادل والتعاون المشترك في مواجهة الغرب وتشكيل نظام دولي أكثر عدلاً ومتعدد الأقطاب، وضمان الردع الاستراتيجي والحفاظ على توازن القوى في العالم”، قد يعد عنوانًا رئيسيًا ملائمًا لزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكوريا الشمالية، إذ تُعد هذه الزيارة مهمة نظرًا لتصاعد التوترات الإقليمية والدولية، كما يجمع البلدين العقوبات الدولية الواسعة المفروضة عليهما، وتشهد علاقتهما بأمريكا والغرب توترًا غير مسبوق، تزامنًا مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، والدعم الغربي لأوكرانيا، وكذلك الصراع الكوري الشمالي والجنوبي وتوتر العلاقات بين الكوريتين، واعتراض كوريا الشمالية على التعاون الأمني ​​المتزايد بين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها “كوريا الجنوبية واليابان”، وتنامي المخاوف الغربية من خطابها المتصاعد والاختبارات المستمرة لتعزيز برنامج كوريا الشمالية لأسلحة الدمار الشامل.

 كما يجمع البلدين خطاب أيديولوجي يتمحور حول القوة في مواجهة الغرب، قائمًا على سياسة خارجية مستقلة، والدعوة لنظام عالمي أكثر عدلًا ومتعدد الأقطاب يستند إلى القانون الدولي والتنوع الثقافي والحضاري للدول.

لذا؛ تنبع أهمية هذه الزيارة من تأثيراتها على ترقية العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية لمستوى التحالف الاستراتيجي الشامل، وتشكيل تحالف للتصدي لما وصفه الرئيس بوتين “بممارسات الخنق الغربية”، وتأكيده أن روسيا وكوريا الشمالية ترفضان الابتزاز السياسي والعقوبات غير الشرعية التي تزعزع الاستقرار العالمي”، وهو ما أثار قلق ومخاوف أمريكا وحلفائها.

وبتحليل تصريحات الرئيسين خلال هذه الزيارة؛ يمكن القول إن هذه الزيارة تحمل عددًا من الرسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ومن أبرزها:

  • يُرسل التعاون العسكري المتبادل الذي يتضمن الدفاع المشترك بين روسيا وكوريا الشمالية برسالة ردع استباقية وتحذير لأمريكا وحلفائها من الاستمرار في مد أوكرانيا بالمال والبيانات الاستخباراتية والأسلحة والمعدات الحديثة لضرب الأراضي الروسية والتهديد بإرسال وحداتهم العسكرية إلى أوكرانيا.
  • حيث أشار بوتين ردًا علي توريد الأسلحة الغربية لأوكرانيا، أن ” تطوير التعاون العسكري التقني مع كوريا الشمالية سيتم وفقًا للمعاهدة الموقعة بين البلدين”.. وفي سياق متصل أعلن بوتين أن” روسيا لا تستبعد توريد أسلحة إلى دول أخرى.. وتحتفظ بحق روسيا في توريد الأسلحة إلى جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية وربما مناطق أخرى”. كما أعلن أن “توريد كوريا الجنوبية للأسلحة الفتاكة إلى أوكرانيا سيكون خطأً كبيرًا جدًا، وأضاف “إذا حدث ذلك، فسنقوم باتخاذ القرارات المناسبة والتي من غير المرجح أن ترضي القيادة الكورية الجنوبية”.
  • ومن جانب آخر، تمتلك كوريا الشمالية صناعة عسكرية متطورة وتمتلك سلاحًا نوويًا، وتُعد الدولة الوحيدة التي أجرت اختبارًا للسلاح النووي في هذا القرن، كما لديها تطور هائل في صناعة الصواريخ بعيدة المدى والقادرة على حمل الرؤوس النووية وتُشكل تهديدًا كبيرًا ومباشرًا للدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.
  •  إرسال رسالة إلى العالم الغربي وخاصة أمريكا بأن كل محاولاتهم لاحتواء وعزل روسيا قد باءت بالفشل، وأن روسيا ستواصل تنويع محفظة تحالفاتها لتحقيق الموازنة الاستراتيجية في مواجهة أمريكا وحلفائها، حيث تسعى السياسة الخارجية الروسية لإظهار أن لديها العديد من الأصدقاء والشركاء حول العالم ” آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وغيرها”، والذين يشاطرونها توجهاتها وتجمعهم المصالح المشتركة والمتبادلة.
  • تشكيل جبهة موحدة ومنسقة ضد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ومواجهة طموح الغرب الجماعي.
  • تأكيد بوتين بأن العقوبات الغربية على الاقتصاد الروسي لم تُضعفه، بل ساعدته على العمل مع دول أخرى مثل الصين وكوريا الشمالية وكوبا ودول في الشرق الأوسط ودول بأمريكا اللاتينية، وغيرها، لذا؛ استطاع الاقتصاد الروسي مواجهة هذه العقوبات.

لذا، تحمل الزيارة عددًا من الرسائل الاقتصادية والسياسية والعسكرية للغرب، ولا سيما تجديد الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون دعمه للعملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، وأشار إلى أهمية دور روسيا في الحفاظ على التوازن الاستراتيجي العالمي، وأن بلاده تعتزم تعزيز التعاون الاستراتيجي مع روسيا وسط تدهور الوضع الأمني العالمي.

الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية، وأبرز بنودها:

وفقًا ليوري أوشاكوف- مساعد الرئيس الروسي- تحل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية محل الوثائق الأساسية التي تم التوقيع عليها بين البلدين سابقًا.، وهم: ” “معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة لعام 1961، ومعاهدة الصداقة والتعاون وحسن الجوار لعام 2000، وإعلاني موسكو وبيونغ يانغ لعامي 2000 و2001”.

وتجدر الإشارة هنا إلي أن معاهدة الصداقة والمساعدة المتبادلة التي وُقِّعت بين الاتحاد السوفيتي وكوريا الديمقراطية عام 1961 نصت على تقديم الدعم العسكري لكوريا الديمقراطية في حال نشوب صراع مع دولة ثالثة، ولكن عقب انهيار الاتحاد السوفيتي فقدت هذه المعاهدة أهميتها، في حين لم تتضمن معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون التي وُقِّعت في 9 فبراير عام 2000 أي نص بشأن المساعدة العسكرية. ولكنها تضمنت ضمانات أمنية أقل، لذا؛ تشكل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية نقلة نوعية في علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وتجدر الإشارة هنا لتأكيد بوتين أن هذه الاتفاقية دفاعية وليست هجومية، ولن تكون موجهة ضد أي دولة أخرى. وعلى الجانب الآخر، قال رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون أن “هذه المعاهدة القوية هي وثيقة ذات طبيعة بناءة وواعدة حقًا وسلمية ودفاعية، وهي مصممة لحماية المصالح الأساسية لشعبي البلدين والدفاع عنهما، وليس لديّ أدنى شك في أنها ستصبح قوة دافعة لتسريع إنشاء عالم جديد متعدد الأقطاب… هذا الاتفاق ينطوي على تطوير التعاون بين البلدين بما في ذلك في مجال الاقتصاد والسياسة والشؤون العسكرية.

لذا؛ وفقًا للمعلن بشأن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين روسيا وجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية فإنها تتضمن بندًا بشأن المساعدة العسكرية والاتصال الفوري وتنسيق إجراءات المساعدة العسكرية المتبادلة حال وجود تهديد فوري بالعدوان المسلح علي إحدى الدولتين، حيث يشير البند الثالث منها إلى أنه في حالة وجود “تهديد فوري” بالعدوان المسلح على أحد البلدين، فإن الجانب الآخر “عند الطلب” سيستخدم على الفور قنوات الاتصال الثنائية للتشاور من أجل تنسيق المواقف والاتفاق على الحلول الممكنة، واتخاذ “تدابير عملية” للمساعدة المتبادلة لتسهيل “القضاء على التهديد الناشئ”.

فيما يشير البند الرابع إلى أنه في حالة تعرض أحد الطرفين لهجوم مسلح من قبل أي دولة أو عدة دول، ووجد نفسه بالتالي في حالة حرب، يقدم الطرف الآخر على الفور المساعدة العسكرية وغيرها من المساعدات بكل الوسائل المتاحة له وفقًا لتشريعات جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية ولمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على حق الدول في الدفاع عن النفس فرديًا أو جماعيًا في حالة وقوع هجوم مسلح.

وفي سياق آخر، وفقًا لما تم الإعلان عنه من بنود اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية تهدف هذه الاتفاقية للتعاون السياسي والتجاري والاستثماري والأمني المشترك بين البلدين بجانب التعاون العسكري والتقني الذي كان له النصيب الأكبر من مناقشات الزعيمين، ووفقًا لمقال للرئيس بوتين نشرته صحيفة “نودونغ سينمون” الكورية الشمالية، وكذلك الموقع الرسمي للكرملين ، بعنوان “روسيا وكوريا الديمقراطية: تقاليد الصداقة والتعاون علي مر السنين”، سيتضمن التعاون المشترك بين البلدين مختلف المجالات ومن أبرزها:

  • تشكيل جبهة موحدة لمواجهة العالم الغربي والسياسات الغربية، إذ يتشارك الزعيمان الروسي والكوري الشمالي رؤيتهما للنظام الدولي ويرفضان طبيعة النظام الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية ويسعيان للذهاب إلى نظام متعدد الأقطاب، لذا؛ يسعيان في تحركاتهما الخارجية لتشكيل مع دول حليفة جبهة لمواجهة العالم الغربي والسياسات الغربية.
  • العمل معًا لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على العدالة والاحترام المتبادل للسيادة ومراعاة المصالح المشتركة، والتعاون المشترك لجعل العلاقات الدولية أكثر ديمقراطية واستقرارًا، من خلال العمل المشترك في مواجهة نهج الولايات المتحدة الأمريكية الذي وصفه بوتين بأن جوهره “ليس سوى دكتاتورية استعمارية عالمية جديدة تعتمد على المعايير المزدوجة”. وأضاف أن “البلدان الرافضة لهذا النهج الأمريكي وتتبنى سياسات مستقلة تواجه ضغوطًا خارجية متزايدة، حيث تعتبر القيادة الأمريكية مثل هذه الرغبة الطبيعية والمشروعة في الاستقلال والحكم الذاتي بمثابة تهديد لهيمنتها على العالم”.وأضاف بوتين أن “روسيا تكافح سياسة الهيمنة الإمبريالية التي تحاول واشنطن وتوابعها فرضها عليها منذ عقود.. وأن موسكو تُقدّر عاليًا الدعم المستمر والثابت الذي تُظهره كوريا الشمالية للسياسة الروسية بما في ذلك على المسار الأوكراني”.
  • التعاون لبناء هيكل للأمن العادل وغير القابل للتجزئة في أوراسيا.
  • تطوير آليات بديلة للتجارة والتسويات المتبادلة التي لا يسيطر عليها الغرب، حيث تم الاتفاق على التبادل التجاري بين البلدين بالعملات المحلية.
  • تطوير التعاون الإنساني بين البلدين، حيث تهدف الخطط بين البلدين إلى تكثيف التنقل الأكاديمي بين الجامعات الروسية والكورية، وزيادة الرحلات السياحية المتبادلة، والتبادل الثقافي والتعليمي والشبابي والرياضي، لتعزيز الثقة والتفاهم المتبادل بين البلدين.
  • تعميق العلاقات التجارية والاقتصادية، وتطوير الاتصالات في المجال الإنساني، والعمل على تحسين رفاهية مواطني الدولتين في نهاية المطاف.
  • التعاون في مجال النقل حيث توجد مشاريع واعدة روسية ستقدمها لكوريا الشمالية في قطاع السكك الحديدية والقطارات، وإعادة فتح خطوط جوية بين موسكو وكوريا الشمالية بشكل مباشر.

تصاعد المخاوف الغربية من توطيد العلاقات بين روسيا وكوريا الشمالية:

أثار الإعلان عن زيارة بوتين لكوريا الشمالية قلق العديد من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وكوريا الجنوبية. فعلى الرغم من نفي كل من روسيا وكوريا الشمالية ما يردده الغرب من مزاعم بشأن مد كوريا الشمالية لروسيا بالأسلحة والذخائر والصواريخ الباليستية لدعم حربها في أوكرانيا، فإن القلق الغربي يتصاعد من التقارب الروسي مع كوريا الشمالية. حيث تقلق أمريكا وحلفاؤها من مد كوريا الشمالية روسيا بالذخائر وأعمال البناء، وحتى متطوعين، بغية القتال في الجبهات الأمامية في أوكرانيا.

وعلى الجانب الآخر، يرون أنه في المقابل ستحصل كوريا الشمالية على تقنيات عسكرية متطورة من روسيا، مما يساعدها على تطوير برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، ولا سيما تطوير برنامجها النووي، وهو القلق الذي تصاعد بعد تصريحات بوتين بأن “تطوير التعاون العسكري التقني مع كوريا الشمالية سيتم وفقًا للمعاهدة الموقعة بين البلدين”، وفي هذا الإطار وصفت الناطقة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا ردود الفعل الغربية بشأن زيارة بوتين لكوريا الشمالية بأنها “هستيرية”، وأن “كل ما تفعل روسيا في منطقة آسيا والمحيط الهادئ يثير هستيريا لدي الغرب”.

ويتضح القلق الغربي المتصاعد في تصريحات العديد من المسؤولين الغربيين ومنهم علي سبيل المثال ما يلي:

تعليق جون كيربي منسق الاتصالات الاستراتيجية في البيت الأبيض قال قبل الزيارة بأن “السلطات الأمريكية ستراقب هذه الزيارة الرسمية عن كثب”، وأضاف “لسنا قلقين بشأن الزيارة، ما يقلقنا هو تعميق العلاقة بين روسيا وكوريا الشمالية ليس فقط بسبب التأثيرات التي تحدث على الشعب الأوكراني، لأننا نعلم أن الصواريخ البالستية الكورية الشمالية لا تزال تستخدم لضرب الأهداف الأوكرانية، ولكن لأنه قد يكون هناك بعض المعاملة بالمثل هنا، والتي يمكن أن تؤثر على الأمن في شبه الجزيرة الكورية”.

فيما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارين جان بيير أن “تعميق التعاون بين روسيا وكوريا الشمالية يجب أن يكون مصدر قلق للجميع”، فيما أشار  وزير الدفاع البريطاني غرانت شابس، بأن زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى كوريا الشمالية يجب أن تؤخذ على أنها “تحذير للغرب وأن المحور الجديد يعمل على تقويض حريتنا.. من أجل ردع موسكو وبيونغ يانغ يتعين على لندن تعزيز قواتها العسكرية”. بينما أشار الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ إلى أن زيارة بوتين لكوريا الشمالية تؤكد أهمية الشراكة مع الدول الآسيوية بالنسبة لحلف الناتو. كما دعا وزير الخارجية الأوكراني، دميترو كوليبا، المجتمع الدولي إلى مواجهة العلاقة الوثيقة التي تربط بوتين وكيم عبر زيادة إمدادات الأسلحة إلى كييف.

فيما قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن ونظيره الكوري الجنوبي، إن المعاهدة بين روسيا وكوريا الشمالية تشكل “تهديدًا خطيرًا” للسلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية، كما كشفت تقارير أمريكية عن وصول حاملة الطائرات “يو إس إس ثيودور روزفلت”، التي تعمل بالطاقة النووية، يوم 22 يونيو الجاري إلى كوريا الجنوبية لتكثيف تدريباتها العسكرية لمواجهة التهديدات الكورية الشمالية التي تصاعدت بعد تحالفها مع روسيا، وذلك بعد يوم من استدعاء كوريا الجنوبية للسفير الروسي في سيئول غيورغي زينوفيف، لإبلاغه احتجاجها على اتفاقية الشراكة المبرمة بين موسكو وبيونغ يانغ.

وتجدر الاشارة هنا لتصريحات بوتين في هذا الشأن، “بأنه لا يوجد ما يدعو كوريا الجنوبية للقلق لأن المساعدة العسكرية استنادًا إلى الاتفاقية التي أبرمناها يتم تطبيقها في حال حدوث عدوان على أحد أطراف الاتفاقية، وعلى حسب علمي جمهورية كوريا الجنوبية لا تنوي أي عدوان على كوريا الشمالية لذلك ليس عليهم القلق من تعاوننا في المجال العسكري”.

ويمكن إجمال المخاوف الغربية فيما يلي:

  • بند الدفاع المشترك بين البلدين، قد يفتح المجال أمام المشاركة في الصراعات، وفي القلب منها إمكانية مساعدة جنود من كوريا الشمالية لروسيا في أوكرانيا، وذلك على الرغم من نفي الرئيس بوتين بتصريحات واضحة لهذا الأمر.
  • مد كوريا الشمالية لروسيا بمخزون من الذخائر والأسلحة والصواريخ سيسمح لروسيا بمواصلة ضرباتها العميقة في أوكرانيا، وتعزيز المخزون الروسي من الصواريخ والذخائر وتوفير خط إمداد إضافي، في مواجهة الدعم الغربي العسكري لأوكرانيا، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هناك حدودًا برية بين كوريا الشمالية وروسيا مما يحول دون قدرة الدول الغربية على وقف عمليات نقل الأسلحة بين البلدين إذا أرادا ذلك.
  • تحسين كوريا الشمالية لبرامجها الصاروخية، إذ أن استخدام روسيا لصواريخ كوريا الشمالية في أوكرانيا يسمح لكوريا الشمالية بجمع بيانات حول مدى وكيفية اختراقها لدفاعات مماثلة لتلك التي قد تنشرها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية على الأرض في شبه الجزيرة الكورية، مما سيمكن كوريا الشمالية من اختبار مدى قدرة صواريخهم على مواجهة أنظمة الدفاع الصاروخي الغربية.
  • يعزز التقارب بين البلدين مساعي كوريا الشمالية في الحصول على مساعدة عسكرية من روسيا، بما في ذلك الطائرات المقاتلة والمركبات المدرعة، وصواريخ أرض جو والمواد الحربية، ومعدات إنتاج الصواريخ الباليستية وغيرها من التقنيات العسكرية الروسية المتقدمة، مما سيكون له آثار أمنية مقلقة على شبه الجزيرة الكورية ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، ويثير قلق كل من أمريكا وكوريا الجنوبية واليابان.
  • القلق الأمريكي من حصول كوريا الشمالية على تقنية إطلاق الصواريخ البالستية من الغواصات من روسيا، مما سيعقد كثيرًا الترتيبات الأمنية لكوريا الجنوبية واليابان، والقوة البحرية الأمريكية في المحيط الهادئ.
  • في ظل العقوبات الدولية الموسعة على كوريا الشمالية سيعود شراء روسيا للأسلحة الكورية الشمالية بعوائد مالية على اقتصاد كوريا الشمالية من تصدير هذه الأسلحة لروسيا، وقد تستخدم بيونغ يانغ هذه الإيرادات في إنتاج المزيد من الأسلحة النووية.

ختامًا:

تعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لكوريا الشمالية مهمة ذات أبعاد بالغة الأهمية، خاصة فيما يتعلق بتعزيز العلاقات الروسية الكورية الشمالية لسنوات مقبلة، وفي سياق المواجهة العالمية التي تجري الآن بين أمريكا وحلفائها من جهة، ومن جهة ثانية بين روسيا وإلى جانبها عدد من الدول التي اختارت التحالف معها وتتشاطر معها العديد من المصالح والتوجهات، لذا؛ قد تؤسس اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين روسيا وكوريا الشمالية “والتي تعد الأقوى منذ الحرب الباردة”، لتعاون لا محدود بين البلدين على كافة المستويات وفي القلب منه التعاون الأمني والعسكري التقني والتزام كل طرف بالدفاع المشترك في مواجهة أي عدوان يقع على أي منهما، لذا؛ تمنح هذه الاتفاقية الضوء الأخضر لتوسيع العلاقات بين البلدين، لاسيما التعاون العسكري والدفاعي بينهما، وبما يصب في مصالح الدولتين فيما يتعلق بقوة الردع اللذين يشكلانهما معًا تجاه الغرب، وخاصة أن كوريا الشمالية منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية دعمت الموقف الروسي وأيدته، وبالتالي هناك الكثير للبناء عليه في هذا الشأن.

ومن الجانب الآخر تحتاج كوريا الشمالية إلى توطيد علاقتها مع روسيا للحصول على الدعم والمساندة وخاصة لتطوير برنامجها لأسلحة الدمار الشامل، والحصول على الدعم التقني المتطور من روسيا، هذا إلى جانب توفير الأمن الغذائي، في ظل معاناة اقتصادها بسبب توسع العقوبات المفروضة عليها والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، وتؤثر بشكل عميق للغاية على معدلات نموها الاقتصادي، هذا بجانب تأثير إغلاق الحدود بسبب تداعيات أزمة وباء فيروس كوفيد-19، إلي جانب عدم تقدم محادثاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية بشأن برنامجها النووي منذ عام 2019، ما جعلها أكثر عزلة من أي وقت سابق.

لذا؛ تفتح هذه الاتفاقية المجال أمام بيونج يانج وموسكو لتعزيز التعاون المشترك بشكل موسع في كافة المجالات، وهو ما يثير قلق الولايات المتحدة الأمريكية والغرب من هذا التحالف وأهدافه وكيفية ترجمة هذا التقارب بينهما على أرض الواقع، ومع ذلك يظل من المستبعد أن تُقدم كل من روسيا وكوريا الشمالية على المغامرة بالمبادرة بجولة جديدة من التصعيد أو المبادرة بالاعتداء وشن حرب مباشرة في مواجهة أمريكا وحلفائها قد تنتهي باستخدام الأسلحة النووية، لكنهما تسعيان من خلال هذا التحالف الاستراتيجي الذي يتضمن في القلب منه الالتزام بالدفاع المتبادل، إرسال رسالة ردع استباقي للقوى الغربية، هذا إلى جانب تعزيز علاقاتهما المتبادلة في كافة المجالات بما يحقق مصالح البلدين، بعد خضوعهما لعقوبات دولية وغربية واسعة النطاق خلال السنوات الأخيرة.

د. غادة عبد العزيز

باحثة متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى