الأمريكتانإسرائيل

تساؤلات جادة للحليف الأمريكي على هامش اشتعال جديد محتمل بالمنطقة

يتصاعد في الوقت الحالي الحديث والتصريحات من جانب المسؤولين الأمريكيين عن تأكيد الدعم الكامل لإسرائيل في المواجهة القادمة المحتملة مع حزب الله، ويمكن فهم هذه التصريحات في سياق الدعم التقليدي الذي توفره واشنطن لتل أبيب، وكذلك في سياق الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي “جو بايدن” خشية التأثير على مواقف الدعم التصويتي، وتأثير جماعات الضغط والمصالح للوبي الصهيوني في هذا الصدد.

وعلى الرغم من كون هذه التصريحات لم تصدر بشكل علني ومباشر عن المستوى الرسمي، إلا أنها تظل مؤشرًا للدعم المؤكد في مغامرة جديدة قد يدفع بها الطرف الإسرائيلي المأزوم الذي يعبأ فقط في اللحظة الحالية بالمصالح السياسية الضيقة للائتلاف الحكومي، ويغلف ذلك بمبررات تعزيز الردع ودرء خطر ما يسميه بـ “محور الشر”، على الرغم من احتمالية أن يتحقق ذلك عبر المسار السياسي التفاوضي الذي يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تراه غير مُجدٍ ويتعارض مع الحسابات الائتلافية في الوقت الراهن.

الدعم الأمريكي وحسابات الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط

تُثير تصريحات المسؤولين الأمريكيين -بحسب تقرير لقناة “سي إن إن” الأمريكية بتأكيد الدعم لإسرائيل في أي جولة مواجهة محتملة ضد حزب الله- التساؤل حول ما إذا كنا سنشهد نفس مشهد الدعم الذي قدمته واشنطن خلال العدوان على قطاع غزة أم سنكون أمام مشهد مختلف؟، وهل سيكون هذا الدعم مقترنًا بالالتزام التاريخي لدعم إسرائيل أم سيكون مرتبطًا بمعادلة الانتخابات الرئاسية التي تفصلنا عنها شهور قليلة؟، خاصة في ظل حالة التعبئة والحشد التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية في الوقت الحالي.

وفي هذه الحالة، ألن تكون الإدارة الأمريكية الحالية تتشارك نفس التوجه مع الائتلاف الإسرائيلي المحكوم أيضًا بالحسابات الانتخابية، والذي كانت قد لامته عليه واشنطن، حيث لا يعبأ بمصالح شعبه أو المصالح الاستراتيجية لحلفائه؟ وهنا لن أتحدث باللغة الإنسانية (غير المجدية بالنسبة لحسابات المصلحة) الخاصة بالخسائر البشرية المتوقعة في صفوف اللبنانيين المدنيين على غرار المدنيين الفلسطينيين الذين ذهبوا وسيذهبون في صراعات غير مأمونة في عواقبها وتداعياتها الكارثية، نظرًا لخفوت تأثير هذه اللغة وصداها في هذا المقام، وإنما سأعرض إلى ما أحاول تقديمه وطرحه بلغة المصالح والأضرار المحتملة جراء هذا التصعيد المحتمل.

من البديهي والمسلم به أن واشنطن تضمن على مدار تاريخها الدعم المؤكد وغير المشكوك فيه لإسرائيل، وهذا أمر لا يخضع للتساؤل أو الاستفهام فهو معلوم ومفهوم، ولكن هل هذا الدعم ينبغي أن يكون محتومًا للائتلافات الحكومية غير المسؤولة وذات التوجه المتطرف – وهذا بشهادة واعتراف مسؤولي المعارضة الإسرائيلية والغرب قبل الشرق – فهذا الدعم غير المسبوق وغير المبرر لأحزاب وائتلافات سياسية بعينها، لا يمكن فهمه إلا في سياق من المساومة التي يمكن أن يكون يتعرض لها الطرف الداعم، فهل تخضع الإدارة الأمريكية لعملية ضغط ومساومة من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أو (بيبي) كما يفضل الغرب أن يلقبه من خلال جماعات الضغط للوبي الصهيوني؟، خاصة وأنه يجيد سياسة المزايدات على مواقف الداعمين بكونهم يتخلون عن إسرائيل ولا يوفرون الدعم اللازم، وليس أدل على ذلك من حالة السجال التي نشأت خلال اليومين الماضيين على خلفية تصريحات نتنياهو بأن “الولايات المتحدة تحجب الأسلحة اللازمة للحرب في غزة”، وهو ما نفاه المسؤولون الأمريكيون من البيت الأبيض ووزارة الخارجية والبنتاغون، مؤكدين عدم معرفتهم بما كان يتحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

وفي محاولة لاستنباط فهم منطقي وإدراك معقول لهذا الدعم بمعزل عن المسلمات التاريخية المُشار إليها سلفًا، وفي إطار تفكير خارج قوالب الفكر المعتادة على نحو يدفعنا للنظر إلى أن هذه الحملات العدوانية العسكرية إنما تأتي في إطار عمليات التصحيح والتطهير اللازمة لإزالة رواسب ما جرى خلال العقدين الماضيين، وكان ضروريًا من وجهة النظر الاستراتيجية من أجل تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة التي كانت تتطلب إضعاف الفواعل النظامية وانهيارها (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان…..)، سواء من خلال عمليات غزو مباشر كما حدث في العراق الذي لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي تكراره، أو من خلال استراتيجيات التدمير الذاتي من الداخل وإدخالها في الدائرة الجهنمية من الاقتتال والحروب الأهلية التي قادتها للفشل في الأخير.

إلا أن هذا الوضع قد تمخض عنه تهديد جديد تمثل في بروز الفواعل غير النظامية أو التنظيمات الهجينة، والتي أصبحت تشكل مستوى تهديد عالٍ للحليف الاستراتيجي لواشنطن (تل أبيب) خاصة في ظل تطور القدرات التسليحية لهذه التنظيمات، ولذلك كان ضروريًا أن يتم تقليم أظافر هذه التنظيمات دون الدولة التي لا تستوجب استراتيجيات معقدة لاتخاذ إجراء ضدها يستلزم ذات الشرعية المطلوبة لمهاجمة الدول.

وفي هذا السياق يُمكن أن يُفهم هذا الدعم المطلق لإسرائيل خاصة وأن هذه الحملات العسكرية وفقًا لهذا التصور ستكون ضرورية للانتقال إلى المرحلة الثانية لهذه الاستراتيجيات المستهدفة منها تغيير ملامح الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط والانتقال من حالة “السلام البارد” الذي لم يحقق النفاذية المطلوبة لتل أبيب في المنطقة إلى “السلام الوظيفي” الذي تمرر من خلاله بعض المشروعات الإقليمية التي تم ترويجها خلال العقود الماضية على غرار مشروع “الشرق الأوسط الكبير” أو “الشرق الأوسط الجديد”، وهو ما كان قد أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قبل اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، خلال كلمته في الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر 2023، والتي رفع خلالها خارطة (شرق أوسط جديد) تظهر فيها مساحة بالأزرق الداكن بجوارها سهم يشير إلى أنها دولة “إسرائيل”، وخلت الخريطة من أي إشارة لمناطق يمكن أن تقام عليها الدولة الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة. ومع اندلاع الأحداث في أكتوبر الماضي توعد نتنياهو بتغيير الشرق الأوسط ردًا على الهجوم الذي نفذته حركة حماس.

ارتباطًا بهذه التصورات، يتم العمل في الوقت الحالي على إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة، وفقًا لمعادلة الضعف الجديدة التي عليها في الوقت الراهن الفواعل العربية الرئيسة، وذلك لصالح إسرائيل ومعها بعض الفواعل الإقليمية التي تقوم بأدوار وظيفية لتأمين المصالح الغربية في مواجهة النفوذ (الروسي – الصيني – الإيراني)، وفي الوقت نفسه لا تشكل تهديدًا مستقبليًا نظرًا لتشابك مصالحها مع الغرب باعتباره الضامن الأساسي لأمنها وبقاء أنظمتها السياسية.

المواجهة اللبنانية.. التوقيت ودلالات التصعيد

هذا التمهيد السابق يأخذنا للتساؤل ليس حول جدوى هذه الحروب التي قد تفسرها الدفوع السابقة، وإنما في توقيتها -وتحديدًا المواجهة اللبنانية المحتملة- الذي قد يجعلها تخرج عن نطاق السيطرة والتحكم لتتسع إلى حرب إقليمية مدمرة ومضرة بالمصالح الغربية قبل مصالح دول المنطقة، خاصة وأن هذه المعادلات الصراعية قد مُزجت بمصالح سياسية إسرائيلية شخصية يغيب عنها منطق الرشادة والعقلانية في فعل التصعيد، فإن كانت هذه الجولات من الحروب قد رُسم لها التنفيذ الحتمي ارتباطًا ببعض الأهداف المُشار إليها سلفًا، فما هو مؤكد أنها قد خططت بقدر من العقلانية التي لا تقود إلى حرب مدمرة تضر بمصالح مخططيها على الأقل.

ولكن السؤال هنا: هل تأكيدات مسؤولي الإدارة الأمريكية غير المباشرة التي تصدر في الوقت الحالي بالدعم الكامل لإسرائيل في أي مواجهة قادمة مع حزب الله، تأخذ في الاعتبار المصالح السياسية للائتلاف الإسرائيلي ومخططات زعيمه نتنياهو الذي قد يستهدف من الإصرار على هذه المواجهة في الوقت الراهن، إلى جانب مصلحته في البقاء، التأثير والإضرار بموقف المرشح الديمقراطي “جو بايدن” في الانتخابات القادمة لصالح المرشح الجمهوري ترامب الذي سيكون أكثر مرونة في التعاطي مع السياسات المتطرفة لهذا الائتلاف، حيث يسعى هذا الأخير في الوقت الراهن لتعزيز مناورته من أجل البقاء ليس لأشهر، وإنما لسنوات قليلة قادمة حتى تأمين الخروج الآمن لأحزاب الائتلاف من هذه المعضلة الجهنمية من الصراع التي ستكون لها تداعياتها الكارثية على أطراف كثر يأتي في المقدمة منها الداخل الاسرائيلي الذي سيكون على موعد مع اهتزازات عنيفة أجلتها أحداث 7 أكتوبر، وعادت للظهور مرة أخرى خلال الفترة الحالية على وقع أزمة قانون التجنيد ومن قبلها الاصلاحات القضائية، وهو ما يجعلنا نتساءل حول ما إذا كان نتنياهو اعتمد منهج تأجيل الانفجار بانفجارات أخرى في الإقليم على نحو يجعل فتح جبهة للمواجهة مع حزب الله أمر حتمي بهذا المنطق.

إضافة إلى التساؤلات السابقة، يُثار أيضًا تساؤل جديد حول موقف الحليف الأوروبي المجاور لمناطق الاشتعال بمنطقة الشرق الأوسط، والتي ستضاف إليها منطقة اشتعال جديدة (لبنان)، والذي ثبتت التجربة أنه لا يكون بمعزل عما يجري بهذه المنطقة التي تمثل مسرحًا لعمليات توازن القوى بين القوى الكبرى، خاصة في ظل الأضرار الكبيرة التي يتكبدها في الوقت الحالي نتيجة اندلاع الصراع بين روسيا وأوكرانيا، فالسؤال هنا: هل سيكون مستعدًا لمواجهة موجة نزوح سكانية جديدة لن يتمكن من كبح جماحها؟، هذا فضلًا عن التكلفة الباهظة لهذه الحرب فيما يتعلق بخطط إعادة الإعمار بعد الحرب، التي قد لا تجد من يمولها، خاصة وأنها تأتي متزامنة مع فاتورة باهظة لإعادة الإعمار بقطاع غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي.

هذا بالإضافة إلى الإضرار المحتمل بالمصالح الاقتصادية وحركة التدفقات النفطية، حيث من شأن اشتعال هذه الحرب أن يطلق شرارة التصعيد في شرق المتوسط واستهداف منصات النفط والغاز، على غرار ما حدث في البحر الأحمر من استهداف لحركة التجارة ومرور السفن، وهو ما سيكون له تأثيراته الوخيمة على مشهد الاقتصاد العالمي المتأزم. فهل هذه المعطيات قد أُخذت بعين الاعتبار حينما عبر الأمريكي -الذي سيكون على موعد خلال شهور قليلة مع الانتخابات- عن استعداده لتقديم دعمه المطلق لمغامرات جديدة لنتنياهو ورفاقه؟ أو السؤال بمعنى آخر هل ستنتصر الإدارة الأمريكية الحالية للمصالح الأمريكية ومصالح حلفائها في المنطقة، خاصة في ظل المترصدين لها (الصيني والروسي) لاستغلال العداء الذي ستخلفه هذه الحروب ضدها، وبالتالي ستكثف ضغطها من أجل إيقاف الحرب المستعرة ضد قطاع غزة، والتي ستؤدي بدورها إلى خفض التصعيد الحالي على الجبهة الشمالية أم ستنتصر للحسابات الانتخابية مثلما يفعل بيبي وشركاؤه؟

مهاب عادل

باحث بوحدة الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى