مصر

خطة مصر لجذب الاستثمارات السياحية والتنموية: رأس الحكمة ليست البداية

اتجهت الحكومة المصرية إلى تنويع طرق تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. يتضح هذا التوجه مع ربطه بقطاعي السياحة والتنمية العمرانية. إذ أن المشروعات السياحية والمنتجعات المقامة بالدولة كشرم الشيخ والغردقة ومرسي علم أنشأت كلها بشراكات من هذا النوع من الاستثمار المباشر سواء المحلي والأجنبي، وهو ما مخطط أيضاً لرأس الحكمة ومدينة العلمين اللذين يشكلا نواة لمزيد من الاستثمارات والشراكات في منطقة الساحل الشمالي.

من المقرر أن تشمل كل تلك المشروعات تعاوناً بين الدولة والمستثمرين الأجانب وكذلك القطاع الخاص المصري كما كان الحال مع المشروعات السابقة التي أضافت ملايين فرص العمل بالإضافة إلى رؤوس الأموال من مختلف الشركات السياحية العالمية.

يذكر أن مدينة رأس الحكمة قد أصدر الرئيس الراحل محمد أنور السادات قراراً بإنشاءها منذ عام 1975، ومع تطوير المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية 2052، اتجهت الحكومة لدعم فرص الاستثمار لتحويل المنطقة إلى مشروعاً رائداً في المنطقة قادر على احتواء الزيادات السكانية بما تتطلبه من احتياجات اقتصادية وصناعية وسكانية وليس فقط سياحية.

الدفع بالتنمية العمرانية لمصر وفق مخطط واضح

يهدف المخطط الاستراتيجى القومى للتنمية العمرانية بمصر 2052 إلى استيعاب زيادة السكان خلال الـ40 عامًا المقبلة وتحقيق توازن بين كثافات السكان وفقًا لقدرة كل منطقة، بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية، وتقليل التوزيع غير المتساوي للموارد بين المناطق المختلفة، وتوفير فرص عمل في المناطق المقترحة للتنمية وتحقيق جودة الحياة.

وكان قد تم الإعلان عن الجوانب الرئيسية للخطة الوطنية لمصر 2052، والتي تشمل إضافة حوالي 12 مليون فدان إلى المنطقة المأهولة بحيث تصبح 11٪ من المساحة الإجمالية للجمهورية. كما تشمل الاعتماد على موارد غير تقليدية لتلبية الاحتياجات المستقبلية للسكان والأنشطة الاقتصادية.

ويهدف المخطط إلى توفير 29 مليون فرصة عمل جديدة ناتجة من استثمارات ضخمة بإجمالي مطلوب يقدر بحوالي 3 تريليون جنيه مصري مقسمة إلى مرحلتين. المرحلة الأولى حتى عام 2027. تليها المرحلة الثانية (2027-2052).

ويأتي الهدف الأكبر من المخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية بحلول عام 2052، مع ارتفاع المساحة المعمورة في مصر إلى 14٪ بدلاً من 7٪. وهو ما لن يأتي فقط من بناء مدناً سكنية، بل يشمل أيضاً مناطق اقتصادية وتركيز على الاستثمار السياحي كما هو الحال في مشروع رأس الحكمة.

شرم الشيخ ورأس علم ودلالات أخرى على جاذبية الاستثمار السياحي

وضع تاريخ مصر الغني وتراثها الثقافي المتنوع كوجهة سياحية رائدة عالميًا. فمع وصول الملايين من السياح إلى مصر سنويًا، أصبحت صناعة السياحة مصدرًا رئيسيًا للإيرادات لميزانية الدولة. كما أصبح الاستثمار العقاري المرتبط بقطاع السياحة خيارًا مربحًا متزايد الشعبية بين المستثمرين الأجانب.

وبالنظر لمدن مصر السياحية الكبرى، مثل شرم الشيخ والغردقة ورأس علم والأسكندرية وأسوان والأقصر، بل ومناطق أخرى عدة بطول الساحل الشمالي المصري بالبحر المتوسط والسواحل الشرقية بمحافظتي البحر الأحمر وجنوب سيناء، سنجد توافداً ضخماً عبر عقود للشركات السياحية العالمية الكبرى والمستثمرين ورجال الأعمال الأجانب والمصريين بما يملكونه من علامات تجارية دولية ومشروعات سياحية رائدة بالمنطقة.

تلك المشروعات هي ما وفرت فرص عمل مليونية وسمحت بالتمدد العمراني لمختلف المناطق النائية بأطراف الجمهورية المصرية. إذ شملت العقارات السياحية والخدمات التي صممت وطورت خصيصًا لتلبية احتياجات السياح، مثل الفنادق والمنتجعات والمنازل العطلية والمرافق الأخرى التي تعزز تجربة السياح. كما ضمنت توسعاً سريعاً لصناعة السياحة في مصر في السنوات الأخيرة، مع إتاحة الحكومات المتتالية المزيد من الفرص الوفيرة للمستثمرين من أجل الدخول في هذا القطاع.

نصيب للسياحة في مصر طبقاً لاستراتيجتها للتنمية المستدامة

لم يأتي المخطط الاستراتيجي للتنمية العمراني كقرار مفاجئ للمحللين. إذ أن استراتيجية مصر للتنمية المستدامة افردت بالفعل عدة ملامح رئيسية لتشكيل توجه التعمير بصورة أكثر تنظيماً تأخذ في اعتبارها حجم الموارد والقدرات البشرية والاقتصادية ومعدلات النمو المستقبلية. وأفردت الاستراتيجية عوامل تركز بشكل خاص على قطاع السياحة.

ومن هذا المنطلق، نفذت الحكومة مجموعة من السياسات والمبادرات التي تهدف إلى جذب المزيد من السياح إلى البلاد، بما في ذلك تطوير وجهات سياحية جديدة، وتعزيز البنية التحتية، وتقديم حوافز للمستثمرين في قطاع السياحة. وعلاوة على ذلك، اتخذت الحكومة خطوات لتيسير عملية الاستثمار للمستثمرين الأجانب من خلال تنفيذ مجموعة من السياسات التششجيعية، مثل حوافز الضرائب، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وإنشاء المناطق الحرة.

ينبع الاهتمام بتشجيع الاستثمار في العقارات والمشروعات التنموية السياحية في مصر من كونه بكونه يوفر فرص تنويع للمستثمرين. فبعكس بعض الصناعات الأخرى، صناعة السياحة ليست مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بأداء القطاعات المختلفة، مما يعني أنه يمكن أن يوفر درجة من الحماية ضد الانكماش الاقتصادي. وهو الحال مع مشروع رأس الحكمة الذي تم الإعلان عنه وسط ظروف اقتصادية عالمية صعبة أثرت على الاقتصاد المصري.

الساحل الشمالي الغربي جزء من المخطط

كان قد كشفت المصادر الرسمية عن خطة التنمية الحضرية الشاملة لمنطقة الساحل الشمالي الغربي في مصر، والتي تنسجم مع رؤية عام 2052 للمخطط الاستراتيجي القومي للتنمية العمرانية. إذ يمكن لهذه المنطقة استيعاب جزءاً مهماً من الزيادة السكانية المتوقعة بما يتطلبوه من أنشطة. وتشمل الخطة الموضوعة إنشاء مجموعة من المدن الذكية المستدامة والمتقدمة تكنولوجيا، تهدف كل منها إلى جذب ملايين السكان.

ومن المخطط أن تكون هذه المدن نقاط تركيز للسياحة والخدمات الترفيهية والصناعات التكنولوجية المتقدمة والمشاريع التجارية العالمية والمراكز الإدارية للشركات الدولية. وبالإضافة إلى ذلك، تولي الخطة أولوية عالية لتوفير خدمات تعليمية وصحية استثنائية للسكان.

ومن بين المدن المفصلة في الخطة، شهدت العلمين الجديدة بالفعل خطوات تنموية سريعة من قبل الحكومة المصرية. بالإضافة إلى ذلك، تم تخصيص مدن مثل رأس الحكمة والنجيلة وجرجوب للتطوير، إلى جانب تعزيز المدن القائمة مثل مرسى مطروح والسلوم.

تعمل الحكومة حالياً على إنهاء خطة التنمية لرأس الحكمة، مما يضعها كالمدينة الثانية في هذا المشروع الحاسم، بعد مدينة العلمين التي جذبت بالفعل العيد من جهات التمويل والاستثمار الخارجي وليس فقط المحلي. ومن المتوقع أن يتم الإعلان قريبًا عن بدء تنفيذ تطوير المنطقة، التي تغطي مساحة واسعة تزيد عن 180 كيلومتر مربع.

القطاع الخاص المصري من المستفيدين

ليست المرة الأولى التي يستفيد منها القطاع الخاص المصري بهذا الشكل الكبير من تهيئة القطاع السياحي المصري. فبالنظر إلى تواجد الشركات المصرية في مختلف المدن السياحية في مصر، بل وبناء مدن كاملة مثل الجونة التي طورتها شركة أوراسكوم للفنادق والتنمية على مساحة 36.8 كم مربع، يمكن تفهم الدور الهام لهذا من الاستثمارات.

ليس مشروع رأس الحكمة هو أولى المشروعات من نوعها التي سيكون للقطاع الخاص المصري بجانب الأجنبي حصة كبيرة منها. إذ أن لديهم بالفعل، شركات مصرية كثيرة أخرى يستثمرون بالفعل في عدة مشروعات سياحية بالساحل الشمالي، وكلها تتمتع بمواقع فريدة. وكل هذه المشروعات تتمتع ببنية تحتية وخدمات وطرق تتيح الوصل بسهولة إلى مواقعها سواء من محافظات الإسكندرية أو مرسى مطروح بل ومحافظات القاهرة الكبرى والدلتا.

ويمكن القول بأن هذه المشروعات بالساحل الشمالي هي امتداد لمشروعات أخرى قامت بها الشركات المصرية، في المدن والتجمعات العمرانية الجديدة. ومنها مدينة مدينتي بجانب مدينة الشروق ومدينة نور الذكية في العاصمة الإدارية الجديدة و مدينة الرحاب في القاهرة الجديدة وغيرهم.

من المتوقع أن يتبع مشروع رأس الحكمة مشروعات أخرى قريباً على نفس النهج المصري طبقاً للاستراتيجية المعلنة بصدد التنمية العمرانية. إذ أن الدولة لا تريد الاكتفاء بأن تكون مسئولة وحدها عن بناء المدن والتجمعات الجديدة، بل تريد استغلال المنظومة التي صنعتها من بنية تحتية وخدمات كي تجذب المزيد من الاستثمارات المليارية التي تخدم أهدافها الاقتصادية والتنمية بصورة أكثر استدامة.

د. عمر الحسيني

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى