القضية الفلسطينية

ازدواجية معايير ومواقف مخزية “أمريكية” تجاه الحرب على قطاع غزة

منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023 واندلاع الحرب بين فصائل المقاومة الفلسطينية وجيش الاحتلال الإسرائيلي والتي دخلت في شهرها الخامس، أبرزت المواقف الأمريكية ازدواج معاييرها في التعامل مع العدوان الغاشم الذي شنته إسرائيل على أكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة؛ إذ دعمتها سياسيًا ودبلوماسيًا وماليًا وعسكريًا، وغضت طرفها عن عمليات القتل الجماعي والإبادة التي شرعت إسرائيل في تنفيذها ضد المدنيين العزل في غزة، بل ورفضت كل المطالب الأممية والدولية وشعوب العالم التي خرجت في معظم دول العالم لتطالب بوقف إطلاق النار، وهو  ما يتعارض تمامًا مع مواقفها وآرائها فيما يتعلق بالحرب الأوكرانية الروسية، بعدما أدانت موسكو وطالبتها بوقف الحرب فورًا على كييف، بل وفرضت قيودًا وعقوبات لإضعاف قوتها، وإيقاف الحرب.

ويمكن القول إن الولايات المتحدة هي التي منحت إسرائيل الضوء الأخضر لقصف غزة، ومنحتها شرعية لممارسة أعمال الإبادة الجماعية.

وتسلط السطور القادمة الضوء على أبرز المواقف المزدوجة للإدارة الامريكية منذ بداية الحرب على النحو التالي:

أمريكيا.. “الشريك الأساسي” في الحرب على قطاع غزة عسكريًا وسياسيًا

بتتبع المواقف الأمريكية منذ بداية الحرب، يمكن رصد المشاركة الفعالة الأمريكية في حرب إسرائيل المدمرة والوحشية على قطاع غزة، بداية من مشاركة كل من الرئيس “بايدن” ووزير الدفاع الأمريكي لويد أوستين ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، في اجتماع الحكومة الإسرائيلية المصغر (مجلس الحرب) والموافقة على خطة الحرب الإسرائيلية، والتنسيق المشترك مع إسرائيل عسكريًا بالتعاون بين كل من وزير دفاع أمريكا وإسرائيل. بالإضافة إلى انتشار الأساطيل الأمريكية في البحر المتوسط والخليج العربي مع تهديد أمريكي صريح لكل من يتدخل من الأطراف الإقليمية.

ناهيك عن إمداد الولايات المتحدة لدولة الاحتلال بكافة الأنواع التي لا تتوفر لديها من القنابل ذات التدمير العميق والصواريخ والقنابل المضادة للمدرعات والأفراد، والمساهمة في رفع كفاءة القبة الحديدية الإسرائيلية والتي تتصدى للصواريخ التي تطلق على المدن والمستوطنات الإسرائيلية سواء من جانب المقاومة الفلسطينية في غزة، أو من حزب الله في جنوب لبنان أو أي أطراف أخرى. وإرسالها لإسرائيل مجموعة من الخبراء العسكريين الأمريكيين في حرب المدن، بجانب إمداد تل أبيب بكافة المعلومات الاستخباراتية اللازمة.

 وبذلك تكون إسرائيل تحت حماية مظلة عسكرية أمريكية شاملة، وإطلاق يدها بلا قيود في حربها الوحشية على غزة. بل وفرت واشنطن مع دول أوروبية كذلك غطاءً إعلاميًا يتبنى بتحيز واضح وجهة النظر الإسرائيلية خاصة في المرحلة الأولى من الحرب على غزة.

بالإضافة لكل الدعم العسكري واللوجيستي السابق، فقد دعمت واشنطن إسرائيل من الناحية السياسية بشكل متواصل منذ بداية الحرب، ابتداءً من الرئيس “بايدن”، ووزير الخارجية “بلينكن” اللذين سعيا مرارًا وتكرارًا لشرعنة عدوان إسرائيل الغاشم على غزة، وشرعنا استهداف المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، والتدمير الكامل لكل البنى التحتية في قطاع غزة. 

وفي وقت سابق، أجرى “بلينكن” جولات مكوكية في المنطقة لإسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية، وقطر، والإمارات العربية، والبحرين، ومصر، والسعودية، والعراق، وتركيا. وقد حرص بلينكن خلال جولاته على أن يوضح للقادة العرب والسلطة الفلسطينية، أن واشنطن لا توافق على التهجير القسري للفلسطينيين خارج قطاع غزة، وأنها طلبت من إسرائيل التقليل إلى أقصى درجة من قتل المدنيين الفلسطينيين وأن تتبع قواعد القانون الدولي بشأن الحروب.

هذا الموقف الأمريكي يتناقض مع موقفين أساسين لها، أولهما رفضها أن توقف إسرائيل القتال إلى أن تقضى على قوات حماس وتخرجها من حكم غزة، وثانيهما استمرار واشنطن في إمداد إسرائيل بالذخائر والقنابل والصواريخ التي تستخدمها في التدمير المروع للأحياء السكنية ووصول أعداد القتلى من المدنيين الفلسطينيين إلى نحو 27 ألفًا و947 قتيلًا.

“فيتو” أمريكي يعرقل المساعي الرامية إلى وقف الحرب على قطاع غزة

رفضت واشنطن كل المساعي الأممية والدولية التي دعت لوقف إطلاق النار في غزة بعد سقوط عشرات الآلاف من الفلسطينيين ما بين قتيل وجريح، وتحويلها قطاع غزة إلى مكان غير قابل للحياة. وفي ديسمبر 2023، لم يتمكن مجلس الأمن الدولي من اعتماد مشروع قرار المتحدة بشأن التصعيد في غزة وفي إسرائيل بسبب استخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (الفيتو) بشأن المشروع الذي أيده 13 عضوًا -من أعضاء المجلس الخمسة عشر- مع امتناع المملكة المتحدة عن التصويت.

وطالب مشروع القرار المقدم للمجلس آنذاك، بالوقف الفوري لإطلاق النار لأسباب إنسانية، وكرر مطالبته لجميع الأطراف بأن تمتثل لالتزاماتها بموجب القانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني وخاصة فيما يتعلق بحماية المدنيين. وطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الرهائن، وبضمان وصول المساعدات الإنسانية.

وبذلك الفيتو حكمت الولايات المتحدة الأمريكية بالإعدام على عشرات الآلاف من المدنيين في فلسطين وإسرائيل، بمن فيهم النساء والأطفال، إلى جانب موظفي الأمم المتحدة الذين يحاولون مساعدتهم. وقد عللت أمريكا استخدامها للفيتو بأن قرار وقف الحرب منفصل عن الواقع، وسيترك حماس ببساطة في وضعها، قادرة على إعادة تنظيم صفوفها وتكرار الهجمات التي ارتكبتها ضد إسرائيل في 7 أكتوبر، متجاهلةً بذلك تمامًا الأوضاع الإنسانية المتدنية والانتهاكات المستمرة في غزة التي تعترف بها هي أيضًا علنًا في تصريحات أخرى.

ازدواجية واضحة في موقف أمريكا من المساعدات الإنسانية لقطاع غزة

من ناحية، تطالب واشنطن بضمان استمرار تدفق المساعدات من أغذية وأدوية ووقود وكافة مستلزمات الحياة الضرورية لسكان غزة، والذي يمكن وصفه بأنه “لا يتعدى مجرد كلام لا أثر له على أرض الواقع”؛ إذ تدرك الولايات المتحدة جيدًا أنه لا يمكن تحقيقه طالما أنه لم يكن هناك مكان آمن في غزة، وفقًا لتصريحات ممثلي كل المنظمات الدولية العاملين في الإشراف على توصيل وتوزيع المساعدات الإنسانية لغزة، وأن كل ما يقدم ما هو إلا قطرة في بحر الاحتياجات العاجلة من أغذية وأدوية ووقود وغيرها لمواجهة احتياجات أكثر من مليون نازح إلى أماكن في العراء لا تتوفر فيها مرافق عامة من مياه وصرف صحى ولا علاج ولا ضمان لقوت يومهم.

وفي نفس الوقت على الجانب الأخر، علقت وزارة الخارجية الأمريكية تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، مدعيةً بذلك أن هناك 12 موظفًا في المنظمة متورطون في هجمات 7 أكتوبر 2023 على إسرائيل، ومن المعروف أن “الأونروا” تقدم خدمات إغاثية لسكان قطاع غزة الذين يواجهون قصفًا إسرائيليًا مدمرًا منذ 7 أكتوبر.

ويعكس الموقف الأمريكي بوقف التمويل لوكالة الاونروا تناقضًا واضحًا وازدواجية فادحة في سياسات الإدارة الأمريكية، والتي دائمًا ما تتغنى بضرورة الحفاظ على مبادئ حقوق الإنسان والحث على ضرورة استمرار تدفق المساعدات الأمريكية لقطاع غزة، إلا أن واقع أفعالها يعكس أن ما تدعو به مجرد خطابات زائفة وذلك على الرغم من معرفتها التأثير الإنساني الوخيم لوقف الدعم للمنظمة على الوضع في قطاع غزة، متحججة بأنه “إجراء مؤقت” فقط.

الحديث عن “اليوم التالي” بدلًا من “وقف إطلاق النار”

ومن الجدير بالذكر أن جهود الولايات المتحدة الأمريكية الحالية تتركز على تقديم تصورات لليوم التالي للحرب بدلًا من الحديث عن كيف يمكن وقف الحرب حاليًا، وهو ما يؤكد تناقضات المواقف الأمريكية وعدم وضوحها، حيث تشير واشنطن في حديثها عن اليوم التالي، إلى أنها ليست مع إعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة أو اقتطاع جزء منه، وفي نفس الوقت تؤكد بشكل مزدوج على أنه يجب أن تضمن إسرائيل بكل الوسائل ألا تشكل غزة أي خطر على إسرائيل في المستقبل، وهو ما فهم منه أنه موافقة أمريكية على استمرار حرب إسرائيل الوحشية على المدنيين العزل في قطاع غزة، فكيف يمكن الحديث عن سيناريوهات اليوم التالي للحرب دون العمل أولًا على وقف الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني. 

وقد لاقت تصريحات الإدارة الأمريكية المرتبطة باليوم التالي انتقادات واسعة، خاصة أن المطلوب الآن هو الوقف الفوري للقتال في غزة، ثم بعد ذلك وضع خطة محكمة لتنفيذ حل الدولتين. وفي مقال نُشر في مجلة فورين أفيرز” تم الإشارة إلى أن الموقف الأمريكي المصر على الحديث حول اليوم التالي هو مثير للاستغراب ومناقض للواقع، وأنه من المتوقع أن المواقف التي تتخذها الإدارة الأمريكية التي تعكس عدم تعاطفها الملموس مع معاناة الفلسطينيين، ستؤدي إلى تراجع الدعم الإقليمي والتأييد لأي خطة قد تقودها الولايات المتحدة.

وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة لها دور رئيس في المنطقة بسبب أصولها العسكرية وعلاقتها التي لا مثيل لها مع إسرائيل، ولكن أي توقع بأن واشنطن ستكون قادرة على تحقيق صفقة كبرى يمكن أن تنهي الحرب الحالية أو توقف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بشكل نهائي هو أمر بعيد عن الواقع، نظرًا لأن كافة مواقفها تتسم بالازدواجية والتناقض.

خلاصة القول، بقراءة المواقف الأمريكية تجاه الحرب على قطاع غزة يمكن القول إنها تتسم بالخزي والازدواجية، وأن كافة الدعوات المرتبطة بحقوق الإنسان ووجوب تطبيق القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني وأنها تعمل على  وصول المساعدات الإنسانية التي رفعتها وترفعها حتى الآن، ما هي إلا شعارات زائفة ووعود واهية، والواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستمر في إضفاء الشرعية على الأعمال الوحشية لدولة الاحتلال الإسرائيلي ومنحها الضوء الأخضر لاستمرار جرائم الإبادة الجماعية التي تشنها ضد المدنيين في قطاع غزة.

مريم صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى