مصرعلوم وتكنولوجيا

القمر التجريبي Nexsat-1: إنجاز مصري جديد في مجال الفضاء


في الثالث من فبراير 2024، أطلقت وكالة الفضاء المصرية قمرها الصناعي التجريبي Nexsat-1, وذلك قبالة سواحل مدينة يانججيانج بمقاطعة قوانجدونج في الصين. وبحسب بيان الوكالة المصرية، فإنه تم استقبال الإشارات الأولية من القمر التجريبي من أول مرة بنجاح بمقرها. وتمثل هذه الخطوة خطوة مهمة نحو توطين تكنولوجيا الأقمار الصناعية وبناء قدرات مصرية متقدمة في هذا المجال.

وذكرت الوكالة المصرية في بيان لها عبر موقعها الإلكتروني  أن هذا القمر يعد إحدى مراحل تطوير الأنظمة الفضائية للأقمار الصناعية داخل وكالة الفضاء المصرية، وتتمحور مهام الجانب المصري في تطوير برمجيات وأنظمة التشغيل الحرجة، وكذلك عمليات الاختبارات الوظيفية لأنظمة القمر الصناعي وما تلاها من إجراءات التكامل والتجميع والاختبارات، من قبل فريق مكون من أكثر من 60 مهندسًا خبيرًا في العديد من التخصصات المرتبطة بتكنولوجيات الأقمار الصناعية.

برنامج الفضاء المصري

انطلق برنامج الفضاء المصري لمواكبة التطورات التقنية حيث تمتلك مصر حتى الآن تسعة أقمار صناعية، وتسعى إلى إطلاق  سبعة أقمار إضافية، فضلًا عن تدريب الكوادر اللازمة لصناعة أقمار صناعية بأيادٍ مصرية خالصة.

وكان لمصر حلم في بلورة اهتمامها بعلوم الفضاء في “برنامج فضائي مصري” منذ عام 1960، لكنه توقف عام 1967 نتيجة النكسة، وما بين عامي (1980-1982) حاول الوزير مصطفى كمال حلمي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك، إعادة إحياء المشروع لكنه لم يكتب له النجاح.

ثم حققت الدولة نجاحات متفرقة، وكانت الريادة لمصر على مستوى العالم العربي في عالم الفضاء بإطلاق القمر الصناعي المصري “نايل سات 1” في أبريل 1998. والأقمار الاصطناعية تنقسم إلى أقمار تيليسكوبية أو بصرية، ترصد ما على سطح الأرض، وهناك نوع آخر وهي أقمار رادارية تستخدم الرادار لرصد ما تحت الأرض.

وفي عام 1998، كانت الخطوة الملموسة الأولى في دخول مصر عالم تكنولوجيا تصنيع الأقمار الصناعية والتعاون مع دول صديقة مثل أوكرانيا وكازاخستان وروسيا لتدريب الكوادر المصرية. وتم إطلاق أول قمر صناعي مصري “نايل سات 101” في 28 أبريل 1998 لتصبح مصر الدولة رقم 60 في دخول مجال الفضاء.

ثم تم إطلاق القمر الصناعي “نايل سات 102” في 17 أغسطس 2000، وبدأ تشغيله رسميًا في 12 سبتمبر 2000، والمخصص لأغراض الاتصالات على الصاروخ “أريان 4” من قاعدة جويانا الفرنسية لنقل مئات القنوات التلفزيونية. وتوالت أنشطة مصر مجال الفضاء لكن دون خطة محددة او قانون ينظم النشاط. وفى 2004، تم إطلاق” نايل سات 103” وهو قمر صناعي مصري لأغراض الاتصالات ويعرف أيضًا باسم “أتلانتيك بيرد 4”.

ثم القمر “إيجيبت سات 1″ وهو أول قمر صناعي مصري للاستشعار عن بعد (خارج الخدمة حاليًا). تم تصنيع القمر بالتعاون بين الهيئة القومية للاستشعار عن بعد وعلوم الفضاء في مصر ومكتب تصميم “يجنوى” الأوكراني وتم إطلاقه من على متن صاروخ “دنيبر-1” في 17 أبريل 2007 من قاعدة باكينور لإطلاق الصواريخ بكازاخستان. فُقد الاتصال به في 22 أكتوبر 2010 وتم استبداله ب “إيجيبت سات – 2”. بلغت تكلفته 21 مليون دولار، من بينها 6 ملايين دولار تكلفة الإنشاء، و11 مليون دولار أبحاثًا ورواتب وإقامة للخبراء والمهندسين، و3 ملايين دولار تأمين.

وجاء بعد ذلك “إيجيبت سات-2” والذي أطلق في أبريل 2014 وهو ثاني قمر صناعي مصري للاستشعار عن بُعد يبلغ حجم القمر 1 متر، وزنه 1050 كيلوجراما، ويدور في فلك مساره من 500 إلى 800 كيلومتر، وله نفس تصميم القمر السابق ولكن بمواصفات فنية زادت من قدرة ذاكرته باستخدام سعات أكبر، وشارك في أعمال تصنيعه مجموعة كبيرة من الباحثين المصريين، ويبلغ عمره الافتراضي 11 عامًا، لكن فقد الاتصال به بعد أقل من عام واحد من إطلاقه.

وسبق وتم إطلاق القمر الصناعي المصري “إيجيبت ساتA” ويعد بديلًا للقمر الصناعي السابق “إيجيبت سات 2″، ويزن القمر 1150 كيلو وتبلغ سرعته 22 كم في الثانية وتصل قدرته التحليلية على مستوى المتر، بما يجعله أكثر الأقمار تقدمًا على المستوى العربي والإفريقي.

وانطلق برنامج الفضاء المصري، ليحدد خارطة طريق مصر في مجال الفضاء خلال العشر سنوات القادمة، بالتوازي مع خطة مصر للتنمية المستدامة 2030، مرتكزًا على 6 محاور أساسية هي: بناء النظم الفضائية بمعنى امتلاك أقمار صناعية وأنظمة فضائية محلية، والتوجه نحو توطين الصناعة وليس الاعتماد على الخبرات والمكونات الأجنبية. أما المحور الثاني فهو تقوية العلاقات الفضائية الدولية، فصناعات الفضاء من الصناعات الصعبة والمكلفة، وتحتاج إلى علاقات دولية قوية لتبادل الخبرات. أما المحور الثالث فهو استكشاف الفضاء ويقصد به استكشاف الفضاء العميق.

وكالة الفضاء المصرية

وكالة الفضاء المصرية هي هيئة عامة اقتصادية مصرية، لها شخصية اعتبارية وتتبع رئيس الجمهورية، أنشئت بالقانون رقم 3 لسنة 2018. وتهدف إلى استحداث ونقل علوم تكنولوجيا الفضاء وتوطينها وتطويرها وامتلاك القدرات الذاتية لبناء الأقمار الصناعية وإطلاقها من الأراضي المصرية.

ويُشكل مجلس إدارة الوكالة برئاسة رئيس الوزراء وتضم 6 وزراء ورئيس كل من: جهاز المخابرات العامة، هيئة الرقابة الإدارية، الهيئة العربية للتصنيع، الرئيس التنفيذي للوكالة. وللوكالة شخصيتها الاعتبارية المستقلة  ولها الحق في التعاقد مع الأشخاص الطبيعية أو الاعتبارية المحلية والأجنبية مع مراعاة متطلبات الأمن القومي. على أن يرفع مجلس إدارة الوكالة لرئيس الجمهورية تقريرًا سنويًا خلال شهر يوليو من كل عام يستعرض فيه كافة أعمال وإنجازات الوكالة والمقترحات والتوصيات.

وتختص الوكالة بـ 16 مهمة رئيسة، أولها وضع الاستراتيجية العامة للدولة في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء وامتلاك هذه التكنولوجيا، وضع برنامج الفضاء الوطني والتصديق عليه من المجلس الأعلى للوكالة ومتابعة تنفيذه، والموافقة على مصادر التمويل والاستثمارات اللازمة لتنفيذ برنامج الفضاء الوطني، والوقوف على الإمكانيات العلمية والتكنولوجية والبحثية والتصنيعية والبشرية في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء على مستوى الدولة والاستفادة منها، ووضع خارطة طريق لمشروعات الفضاء ودعم تنفيذها من خلال الأجهزة المعنية بالدولة، ودعم البحوث والدراسات والبرامج التعليمية في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء، وتمويل الاستثمارات في المؤسسات التي تعمل على تطوير صناعة الفضاء.

ذلك فضلًا عن دعم الأبحاث وبراءات الاختراع في هذا المجال، ودعم برامج تطوير استخدامات وتطبيقات علوم وتكنولوجيا الفضاء، ودعم تأسيس بنية تحتية لتطوير الأنظمة الفضائية وتصنيعها، وتنظيم الجهود وتجميع الخبرات العاملة في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء وتكاملها، وتطوير العلاقات الدولية الاستراتيجية في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء، وإبداء الرأي في مشروعات القوانين ذات الصلة بمجال عمل الوكالة، والمشاركة في إعداد برامج التأهيل والتدريب في المدارس والجامعات في مجال علوم وتكنولوجيا الفضاء، ومراجعة خطط تأهيل مصانع القطاع الحكومي وغيرها ذات الصلة بمجال عمل الوكالة لاعتمادها لتصنيع معدات الفضاء ومتابعتها، ومتابعة اعتماد وتنفيذ المواصفات القياسية في مجال تصنيع المعدات الفضائية ذات الصلة بعمل الوكالة، وأخيرًا، تنسيق واستخدام وإدارة بيانات الأقمار الصناعية والبنية التحتية ذات الصلة بعمل الوكالة.

خطى ثابتة

أعدت مصر منذ عام ٢٠١٩ 4 أقمار صناعية، منهم قمران من نوعية “كيوب سات” لأغراض الاستشعار من البعد والبحث العلمي، وذلك في إطار سعي الدولة لبناء أنظمة فضائية بتكنولوجيا مصرية خالصة تساهم في إعداد أجيال وكوادر علمية، قادرة على توطين صناعات الفضاء والمنافسة العالمية. وبالفعل استطاعت وكالة الفضاء المصرية إنتاج قمري “كيوب سات” بأيدٍ مصرية، ومن أبرز هذه الأقمار الصناعية ما يلي:

كيوب سات1: ممول من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا مصر، تم تطوير وتصنيع CubeSat في مصر. فقط الألواح الشمسية التي اشتريناها من GOMSPACE يحتوي NARSScube-1 على كاميرا صغيرة لالتقاط الصور لمصر، وعمرها حوالي 3 أشهر؛ تعمل في UHF ولديها 6 بطاريات. تم إطلاق القمر الصناعي في المدار في نوفمبر 2019 بواسطة JAXA-H2B ولا يزال قيد التشغيل.

كيوب سات 2: شأنه شأن “كيوب سات ١”، تم تطويره وتصنيعه في مصر، وتم شراء الألواح الشمسية فقط من GOMSPACE يحتوي NARSScube-2 على كاميرا صغيرة لالتقاط الصور لمصر، وعمرها حوالي شهرين؛ تعمل في UHF ولديها 3 بطاريات. تم نشر القمر الصناعي في المدار في أغسطس 2019 بواسطة بعثة ناسا إلى محطة الفضاء الدولية بواسطة Space Falcon-9

مصر سات٢: هو مشروع ينفذ بمنحة من الحكومة الصينية لدعم طموحات الفضاء المصرية، وهو من الأقمار متوسطة الحجم ويزن ٣٥٠ كجم، مثبت عليه كاميرات بدقة إيضاحية ٢متر، وتم الانتهاء من التصميم وبناء النموذج الهندسي وجارٍ العمل حاليًا على بناء النموذج الفضائي وذلك وفقا لاتفاقية بين الجانبين تضمنت منحة لتنفيذ مشروع إنشاء القمر بقيمة 45 مليون دولار.

نيكسات 1: هو قمر صناعي طموح لبناء وإطلاق وتشغيل مجموعة من الأقمار الصناعية التجريبية، يسمى برنامج “نيكسات”، والذي بدأ ببرنامج “نيكسات1”. ويهدف المشروع إلى بناء وإطلاق وتشغيل القمر التجريبي لأغراض الاستشعار من البعد، تم بناء هذا القمر الصناعي بواسطة خبراء وكالة الفضاء المصرية وهي أول منشأة مصرية تم تطويرها وإعدادها لهذا الغرض في مدينة الفضاء المصرية وكذلك تم اختباره في مختبرات وكالة الفضاء المصرية

وذلك بالتعاون بين وكالة الفضاء المصرية وشركة (بي اس تي) الألمانية، ويهدف إلى امتلاك قمر صناعي تشغيلي للاستشعار عن بعد، وامتلاك منصة تلبي معظم متطلبات المهام المستقبلية، علاوة على امتلاك معدات دعم أرضي ومركز تجميع واختبار وتكامل مؤهل، وإتقان عمليات تجميع واختبار مكونات الأقمار الصناعية. وجدير بالذكر أن وزن القمر التجريبي ٦٧ كجم ويندرج تحت طراز الميكروسات والقمر مجهز بحمولة فضائية للتصوير الكهرو بصري دقتها ٥،٧ متر أحادي الطيف

ويتمثل العائد من إطلاق هذا القمر في توطين تكنولوجيا التصميم والبرمجيات للأقمار الصناعية من طراز الميكروسات تمهيدًا مستقبلاً لتصنيع هذا القمر؛ بغية خدمة أهداف التنمية المستدامة للدولة وأيضًا إدرار عائد اقتصادي للدولة من خلال تصنيع هذا الطراز للغير.

وأخيرًا، إطلاق العديد من الأقمار الصناعية يهدف إلى تعزيز دور مصر الرائد في تكنولوجيا وعلوم الفضاء في أفريقيا، وإفساح المجال أمام مشاركة الدول الأفريقية في المشروعات الفضائية. وتكمن أهمية إطلاق Nexsat-1 في توطين تكنولوجيا التصميم والبرمجيات الخاصة بالأقمار الصناعية الصغيرة، ويضع هذا الإنجاز الأساس للتصنيع المستقبلي، بما يتماشى مع أهداف التنمية المستدامة للدولة ويخلق عوائد اقتصادية من خلال إنتاج هذا النموذج للكيانات الأخرى.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى