أسواق وقضايا الطاقة

تأثيرات انتخابات 2024 في أمريكا وروسيا وفنزويلا على سوق الطاقة العالمي؟

تتأثر حركة أسعار النفط بالأحداث التي لا تتعلق بصورة مباشرة بعمليات العرض، بدءًا من الأحداث الجيوسياسية مثل الأحداث المناخية الكبرى إلى حالات عدم الاستقرار الإقليمي أو الجيوسياسي، حيث يترقب قطاع الطاقة العالمي، خلال 2024، إجراء انتخابات رئاسية في 3 دول تُمثل محركًا مهمًا لسوق النفط بصفة خاصة، وهو الأمر الذي قد يفتح الباب أمام توقعات مختلفة حال حدوث أي تغيرات. ومن المتوقع أن الانتخابات التي ستشهدها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفنزويلا خلال العام الحالي سيكون لها تأثيرات في مشهد الطاقة العالمي حتى في المدة التي ستسبق موعد إجراء تلك الانتخابات، وسط سعي رؤساء تلك الدول لتأمين بقائهم في المنصب.

مدخل

مع تباطؤ الحرب الروسية الأوكرانية، انخفض الضغط على أسعار النفط والغاز، إلا أن الأحداث التي تلت 7 أكتوبر، أثارت الأوضاع من جديد في الشرق الأوسط، خاصةً مع تصاعد تهديدات الحوثيين في اليمن على البحر الأحمر وتصعيد عملية حارس الازدهار بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد بدأت المخاوف الحقيقية بشأن هذه الأحداث الأخيرة بالتبلور مع وضوح تأثيرها على أسعار النفط الخام، حيث إنه من المتوقع أن يؤثر ارتفاع أسعار النفط الخام على اقتصاد دول الشرق الأوسط.

وبشكل عام، هناك العديد من العوامل التي تفرض ضغوطاتها على أسعار النفط الخام، بما في ذلك الاضطرابات البحرية الأخيرة في البحر الأحمر، والذي يعد بمثابة بوابة لأكثر من حوالي 15% من تدفق النفط الخام اليومي، بالإضافة إلى تنامي الشكوك بشأن ديناميكيات العرض والطلب، لا سيما بعد أن أكد أعضاء أوبك بلس التزامهم بإجراء تخفيضات في الإنتاج، في حين انسحبت أنجولا من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، علاوة على الإنتاج القياسي والصادرات من النفط الخام من الولايات المتحدة الأمريكية.

ينتظر سوق الطاقة العالمي، مجموعة من الانتخابات، وأهمها الانتخابات الأمريكية، والتي قد تقلب الحسابات في صناعة الطاقة رأسًا على عقب، وتبدو الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقرر إجراؤها في نوفمبر المقبل، بمثابة مباراة العودة بين، جو بايدن، ودونالد ترامب. ولذلك يُعد العام الحالي أحد أهم الأعوام الانتخابية منذ عقود من الزمن، وذلك لانعقادها في دول تؤثر بشكل كبير في مشهد قطاع الطاقة العالمي، حيث يُشكل ملف الطاقة نقطة رئيسة في تلك الدول، وهو ما قد يلقي بظلاله على الأسواق، خصوصًا النفط والغاز.

الانتخابات الأمريكية وإشكالية النفط 

تُمثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الحدث الأهم خلال عام 2024، وذلك بسبب التداعيات المتوقعة لها على سوق النفط. حيث ارتكزت السيطرة الجيو-سياسية الأمريكية على ثلاث ركائز رئيسية وهي: أولًا التحكم في البحار، وثانيًا السيطرة على البنوك العالمية، وثالثًا التحكم في منابع المواد الخام في الدول المنتجة لها.

وعليه يمكن القول، بإن السعي الأمريكي من أجل الهيمنة على منابع النفط الرئيسية في العالم، يرتكز على أهداف عدة لعل في مقدمتها هو فرض السياسة الأمريكية، وذلك من خلال التحكم بموارد الطاقة الحيوية (النفط الخام والغاز الطبيعي) إستراتيجيًا واقتصاديًا وسياسيًا، مما يمكنها من ممارسة وفرض تأثيرات مهمة على المستوي العالمي. وذلك إنطلاقًا من مبدأ النفط ينتج الثروة، وإن الثروة تنتج القوة، وإنه بالقوة يمكن السيطرة على العالم (مبدأ التحكم في منابع النفط العالمية). ولذلك يُعد مفهوم أمن الطاقة أحد المفاهيم الأمنية والتي بدأت تتبلور وتتشكل، لتأخذ مكانها ضمن العديد من المتغيرات والمفاهيم التي تلت حقبة ما بعد الحرب الباردة، ومن خلال ملاحظة الصراعات الدولية الراهنة نجد أن أمن الطاقة أضحي شأنه العديد من المحددات التقليدية الأخري ومنها الحفاظ على مكانة الدولة. وعليه، إذ تحتل مسألة تأمين مصادر الطاقة ولا سيما النفط الخام والغاز الطبيعي جانبًا كبيرًا من اهتمامات وركائز السياسة الأمريكية، إذ يُمثل النفط الخام إحدي أهم ركائز سياستها الخارجية.

وإستكمالًا لما سبق، إن الحقيقة المفاجئة هي أن الولايات المتحدة تضخ النفط بوتيرة مذهلة وهي في طريقها لإنتاج كميات من النفط أكبر مما أنتجته أي دولة في التاريخ، حيث إنه من المقرر أن تنتج الولايات المتحدة الأمريكية رقماً قياسيًا عالميًا، يصل إلى حوالي 13.5 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات خلال الربع الرابع العام الحالي، وفي الشهر الماضي، بلغ إنتاج النفط الأمريكي الأسبوعي 13.2 مليون برميل يوميا، وفقا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية. وهذا أعلى بقليل من الرقم القياسي الذي سجل في عهد دونالد ترامب والذي بلغ 13.1 مليونًا، وقد ساعد ذلك في السيطرة على أسعار النفط الخام والبنزين.

حيث يساعد الإنتاج الأمريكي الذي حطم الأرقام القياسية في تعويض التخفيضات الكبيرة في الإمدادات التي تهدف إلى دعم الأسعار المرتفعة من قبل تحالف أوبك بلس، وخاصةً المملكة العربية السعودية وروسيا، بالإضافة إلى إنه يتم ضخ النفط الخام بكميات كبيرة من قبل منتجو النفط الآخرون من خارج أوبك، بما في ذلك كندا والبرازيل. وقد ساعد كل هذا في إبقاء أسعار النفط تحت السيطرة نسبيًا، وبعد أن وصل سعر البرميل إلى 100 دولار في وقت سابق من العام الماضي، حيث تراجع سعر النفط الخام منذ ذلك الحين إلى نطاق 70 إلى 75 دولاراً للبرميل الواحد، ولذلك نجد إيضًا إن واشنطن تغض النظر عن إمدادات وتدفق النفط الإيراني للأسواق النفطية وذلك تجنبًا للتأثيرات الحادة علي أسعار البنزين والمنتجات النفطية، حيث سجلت صادرات إيران وإنتاجها من النفط الخام مستويات مرتفعة جديدة في العام الماضي، وذلك بالرغم من العقوبات الأمريكية، وهو ما يعزز الإمدادات العالمية في وقت تقلص فيه دول أخرى إنتاجها، كما يوضح الشكل التالي مستويات الإنتاج الإيراني خلال السنوات الماضية.

ولذلك، اقتربت أسعار البنزين من المستوى المهم للمواطن الأمريكي البالغ حوالي 4 دولارات للجالون في نهاية العام الماضي، حيث انخفضت الأسعار في محطات الوقود بشكل حاد منذ ذلك الحين، مما ساعد على تخفيف الضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي. والجدير بالذكر إن متوسط سعر جالون الوقود في الولايات المتحدة يقارب حوالي 2.3 دولار عندما تولى جو بايدن منصب الرئاسة في يناير 2021، ما يعني أن أسعار الوقود كانت منخفضة نسبيًا في بداية ولايته. ومع ذلك، بحلول ديسمبر من العام ذاته، ارتفع المتوسط ليتجاوز حوالي 3.1 دولارات للجالون الواحد. حيث وصل متوسط سعر الجالون الواحد من الوقود في الولايات المتحدة الأمريكية إلى أعلى مستوى له تاريخيًا في يونيو 2022، مسجلًا معدل 5.1 دولار.

أسعار الوقود المرتفعة المستمرة قد تشكل تحديًا رئيسيًا لحملة جو بايدن الانتخابية، وذلك لأن المواطن الأمريكي حساس لأسعار الوقود بشكل واضح، بسبب تأثير ارتفاعها مباشرة على قدراته الشرائية.

وبشكل عام، تتعامل الإدارة الأمريكية مهما كانت مسمياتها في أزمات الطاقة المختلفة من خلال ثلاثة بدائل مختلفة وهي:

  • السحب من المخزون الاستراتيجي وذلك لتعويض النقص.
  • مطالبة المواطن الأمريكي بالترشيد وخفض الطلب على الاستهلاك، وهو ما ينعكس سلبًا على نمط الحياة اليومية.
  • زيادة الإنتاج الأمريكي من النفط، وهذا البديل لا يحقق سوي زيادة مباشرة ضئيلة لا تكفي لسد الطلب على الطاقة.

وإستكمالًا لما سبق، تسعي واشنطن بشكل مستمر على إعادة ملء المخزون الاستراتيجي من النفط الخام، وذلك نتيجة سياسة جو بايدن بالسحب المستمر منه والتي تهدف إلى تهدئة الأسعار في السوق الأمريكي المحلي، ولكن تلك الجهود من الممكن إن تفشل وذلك حال ارتفاع أسعار النفط بصورة كبيرة بسبب المتغيرات الراهنة في سوق الطاقة العالمي، والتي من الممكن أن تؤدي إلى السحب من المخزون الإستراتيجي. ولا شك فإن ضخامة الاقتصاد الأمريكي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تحتل المرتبة الأولى كأكبر دولة مستهلكة للنفط على الصعيد العالمي، حيث إنه من المتوقع أن يزداد إجمالي استهلاك النفط في الولايات المتحدة بواقع 200 ألف برميل يوميًا إلى حوالي 20.3 مليون برميل يوميًا من النفط.

ولذلك، يمكنها الاستفادة من احتياطيها النفطي الاستراتيجي من أجل الحد من التأثير في أسعار البنزين، وفي شعبية الرئيس الأمريكي جو بايدن. وإذا ارتفعت أسعار النفط بسبب التوترات في منطقة الشرق الأوسط، فمن المؤكد أن الإدارة الأمريكية ستفكر في احتياطي النفط الاستراتيجي، وعلى الرغم من أنه عند أدنى مستوى له منذ 40 عامًا، فإنه لا يزال به ما يكفي من النفط للتعامل مع أزمات أخرى، والجدير بالذكر إنه هناك حوالي 29 دولة لها مخزونها النفطي الاستراتيجي، كما هو موضح في الشكل.

أجرت حكومة بايدن في عام 2022، أكبر عملية بيع على الإطلاق (في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية) من مخزون النفط الاستراتيجي البالغ حوالي 180 مليون برميل نفط خام، وذلك في إطار استراتيجية لإعادة الاستقرار إلى أسواق النفط مرتفعة الأسعار والتغلب على تكاليف الاستخراج المرتفعة في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، كما يوضح الشكل التالي مستويات المخزون الاستراتيجي خلال السنوات الماضية.

وعلى الجانب الأخر، هناك مخاوف من قبل الشركات العالمية (التي تستثمر في قطاع الطاقة الأمريكي)، والتي تتبلور حول سياسة الرئيس الأمريكي القادم، وذلك فيما يتعلق بسياسة التصدير (الغاز والنفط وبالأخص الغاز)، لأن سعر الغاز أو النفط المحليين يُشكل مرتكزًا لجميع السياسات الأمريكية.

وأمام ما تقدم، واشنطن تعي جديًا بإن أي انخفاض فى مستويات واردات النفط الخام، قد لا يخلو من الجوانب السلبية، شأنه شأن أي تطور إيجابي آخر، فإذا قل اعتماد الولايات المتحدة الأمريكية على النفط والغاز المستوردين، سيكون من الصعب للغاية تفسير سبب انخراط واشنطن بفاعلية في الشرق الأوسط، للشعب الأمريكي. حيث خفض الاعتماد الأمريكي على نفط الشرق الأوسط الخام، قد يخلق الانطباع بأن واشنطن تتراجع عن موقفها الفعال في منطقة الشرق الأوسط، وهو الأمر الذي يقوض من نفوذها على الدول الصديقة. وإذا شعرت الجهات الرافضة لسياسات واشنطن في العالم، وبالأخص في المنطقة العربية، أن التزام واشنطن بأمن الشرق الأوسط يتضاءل، قد تقرر تكثيف أنشطتها، وبالتالي تهديد التواجد الأمريكي في المنطقة. كما أنه من شأن ارتفاع إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة الأمريكية أن يقلل فرص توسيع الإنتاج أمام الجهات المنتجة في الشرق الأوسط، وهذا مسار قد يقوض ثبات الازدهار القائم على النفط ويحفز عدم الاستقرار على المستوى المحلي.

ومما سبق، نجد إن قضية ضمان إمدادات آمنة من الطاقة أصبحت بالنسبة إلى واشنطن جزءًا لا يتجزأ من إهتمامات الأمن القومي الأمريكي، وهو ما يجعل الرئيس القادم للولايات المتحدة الأمريكية مهتمًا بضرورة البحث عن مصادر جديدة للطاقة تكون أكثر أمنًا، وذلك مع ضرورة الحفاظ على مستويات التخزين الإستراتيجي، حيث تُمثل واشنطن لاعبًا رئيسًا في المشهد النفطي العالمي، وتتأثر بشكل كبير عندما ترتفع الأسعار، أو تتخطى حاجز 100 دولار للبرميل.

وإستكمالًا لما سبق، الأمن القومي أو المصلحة القومية بشكل عام، لا تزال المحرك الرئيس في السياسات والتفاعلات الدولية المختلفة، ولذلك فقد أصبح ضمان إمدادات الطاقة بشكل آمن (النفط الخام والغاز الطبيعي) هدفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يعني إن الإدارات الأمريكية المتعاقبة مهما كانت مسمياتها (ديمقراطية أم جمهورية) أصبحت تنطلق من مبدأ واستراتيجة واحدة، وهي إن ضمان الأمن القومي الأمريكي وحماية المصالح الحيوية و أمن الطاقة ومساراتها المختلفة، تُعد من الثوابت والمنطلقات التي لا يمكن التنازل عنها.

الانتخابات الروسية وملف الطاقة

من المقرر أن تنعقد الانتخابات الروسية خلال شهر مارس المقبل، وذلك وسط سعي الرئيس الحالي فلاديمير بوتين لترشحه والبقاء في السلطة، خاصة مع عدم وجود منافس واضح له حتى الآن. وعلى صعيد الحرب على أوكرانيا، ليس من الواضح ما إذا كان بوتين نجح في إقناع الشعب الروسي أن تلك الخطوة انتصار، أو ماذا تعني تلك الحرب بالنسبة إلى الاقتصاد الروسي. ومع عدم استبعاد بصفة كبيرة أن عام 2024 سيمثل فوزًا آخر لفلاديمير بوتين، فإن ذلك لن يصدم قطاع الطاقة العالمي، ولن يؤثر في أسعار النفط والغاز بصورة كبيرة، التي تضع في حسبانها منذ مدة طويلة حدوث ذلك، وعلى النقيض حال هزيمة بوتين في الانتخابات المقبلة، فإن ذلك سيتسبب في حالة كبيرة من عدم اليقين داخل أسواق الطاقة العالمية. حيث تحتل موسكو مكانة كبيرة في أسواق الطاقة العالمية لما تمتلكه من مقومات وإمكانات ضخمة في موارد الطاقة المختلفة، كما هو موضح في الشكل التالي.

وبشكل عام، حال بقاء بوتين واستمرار الحرب على أوكرانيا وسقف الأسعار المطبق على الخام الروسي، فمن الواضح خلال العام الماضي أن قطاع الطاقة العالمي تكيف مع هذا الواقع وأصبح جزءًا منه.

فنزويلا وملف الطاقة

من المقرر انعقاد الانتخابات الرئاسية في فنزويلا خلال النصف الثاني من هذا العام 2024، مع عدم استبعاد إلغائها من قبل الرئيس الحالي نيكولاس مادورو المتهم كذلك بمعاداة معارضيه. حيث توصل مادورو إلى اتفاق مع واشنطن لتخفيف مؤقت للعقوبات المفروضة على النفط الفنزويلي، متضمنًا شرطًا بإجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة وعدم إحباط مشاركة المعارضة.

حيث أصدرت واشنطن ترخيصًا لمدة 6 أشهر يسمح بمعاملات في قطاع الطاقة بفنزويلا، العضو في منظمة الدولة المُصدرة للنفط (أوبك)، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق بين حكومة الرئيس نيكولاس مادورو والمعارضة بشأن ضمانات لإجراء الانتخابات في النصف الثاني من عام 2024، مع ضمان نزاهة الانتخابات من خلال ضرورة تواجد مراقبة دولية. وبعد الاتفاق، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا يسمح لفنزويلا بإنتاج وتصدير النفط للأسواق المختارة خلال الستة أشهر المقبلة بدون أي حدود. ويأتي ذلك بالتزامن مع إجراء فنزويلا استفتاء على ضم منطقة إيسيكويبو الغنية بالنفط والمتنازع عليها مع غايانا، والتي تشكل ثلثي أراضي الأخيرة، وهناك من يذهب إلى أن هذا الاستفتاء والخلاف القائم هو مجرد مسرحية ومحاولة من مادورو، تهدف إلى التحايل على الانتخابات وبالتالي تصعيد الأمور ويتم الإعلان عن حالة الطوارئ في البلاد.

وعليه، إن إعلان حالة الطوارئ تعني السماح لمادورو بإلغاء انتخابات عام 2024 أو تأجيلها، وعندها الدول الأوروبية سوف تتصرف ببطء تجاه هذا القرار، وذلك نتيجة أن كلًا من موسكو وبكين تدعم مطالب فنزويلا، وفي الوقت الذي يسعى فيه الغرب إلى تجنب أي مواجهة فعلية.

وأمام ما تقدم، تتمتع فنزويلا بأكبر احتياطيات من النفط في العالم، لكن رغم ذلك فشلت في الاستفادة من هذه الثروة النفطية، وسط مزيج من المشكلات سواء السياسية أو الاقتصادية، فضلًا عن تعرض فنزويلا لعقوبات أمريكية قاسية ومتكررة، وذلك قبل أن تقرر إدارة الرئيس جو بايدن تعليق العقوبات المفروضة على قطاع النفط الفنزويلي في أكتوبر الجاري، وهي العقوبات التي استمرت لأكثر من حوالي 4 سنوات، حيث تسببت في هبوط حاد في إنتاج وصادرات فنزويلا من النفط الخام.

واستكمالًا لما سبق، بلغ إنتاج النفط الخام في فنزويلا متوسط حوالي 770 ألف برميل يوميًا في نهاية العام الماضي (تراجع من نحو 2.1 مليون برميل يوميًا في عام 2017)، وهنا تجب الإشارة إلى أن إنتاج النفط الخام في فنزويلا تراجع بشكل مستمر منذ القمة المسجلة في عام 1997 عند حوالي 3.2 ملايين برميل يوميًا، كما هو موضح في الشكل التالي.

وعليه يمكن القول، بإن نتيجة الانتخابات المقبلة (شرط توافر نزاهة وضمانات دولية)، ستساهم بشكل كبير في زيادة معدلات إنتاج النفط الفنزويلي، بالإضافة إلى رفع العقوبات الأمريكية بشكل كبير وأكثر شمولية على قطاع النفط، مما يُساهم في رفع معدلات الإنتاج بنسبة حوالي 25%، وذلك يُعادل حوالي 200 ألف برميل من النفط الخام بشكل يومي (حوالي 0.2% من إجمالي المعروض النفطي العالمي)، مما يُساهم كخطوة في التوازن النفطي بين العرض والطلب العالمي على النفط الخام.

تحديات مستقبلية

تحاول أسواق الطاقة وبالأخص النفط، تعويض صدمات العرض والطلب، وآخرها نجد محاولة المملكة العربية السعودية التعامل مع أزمة سوق النفط الناجمة عن فيروس كورونا وصدمات الطلب، والحرب الروسية الأوكرانية، وتداعيات هجمات 7 أكتوبر والحرب على غزة. ومع ذلك، قد تواجه الأسواق تحديات هائلة في كيفية تحقيق التوازن والاستقرار، لذلك سيكون من الصعب جدًا على سوق النفط العالمي الوصول إلى حالة مستقرة بسبب الاضطرابات الشديدة والمتكررة في عملية العرض والطلب، بالإضافة إلى العديد من العوامل الأخرى والتي تأتي من العديد من الاتجاهات المختلفة، بما في ذلك الحروب والاضطرابات السياسية في العديد من البلدان حول العالم، والكوارث الطبيعية، والأزمة المالية الأخيرة، والوتيرة غير المنتظمة للنمو الاقتصادي العالمي، في السياق نفسه يمكننا تلخيص هذه التحديات في النقاط التالية:

  • بعد أكثر من ثلاثة أشهر، دفعت الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، المنطقة إلى حافة صراع أوسع نطاقًا، مع احتمال خنق تدفقات النفط، وتقليص جزء كبير من النمو العالمي، ودفع التضخم إلى الارتفاع مرة أخرى.
  • هناك العديد من الأزمات السياسية طويلة الأمد في العديد من البلدان حول العالم، لا سيما الدول المنتجة للنفط بما في ذلك العراق وليبيا وفنزويلا.
  • الاضطرابات الشديدة في إمدادات النفط العالمية، وذلك من خلال مسارات النفط المختلفة، ومنها أزمة سلاسل الإمداد نتيجة الهجمات على السفن في البحر الأحمر، لكونه حلقة وصل بين القارات، وبالتالي يؤدي ذلك لارتفاع في الأسعار النفطية، وزيادة معدلات التضخم، كما يخلق أزمة في سلاسل الإمداد.
  • إذا ظل الصراع في غزة تحت السيطرة، فقد تكون الظروف في عام 2024 مواتية لمزيد من الانخفاض ومن المقرر أن يتباطأ نمو الطلب، وقد تكافح أوبك بلس للبقاء متحدة، مما يزيد من احتمال نشوب حرب أسعار من شأنها أن تضر بالاقتصاد العالمي.
  • المخاطر الجيوسياسية، الاضطرابات السياسية ذات الأثر الاقتصادي الحاد على العالم كافة، من بين أبرز المخاطر التي تلف الاقتصاد العالمي، فالصراع قائم في أوروبا ما بين روسيا وأوكرانيا، وقائم في الشرق الأوسط ما بين فلسطين وإسرائيل، وقد امتد لبعض الدول الأخرى.
  • الحرب على الوقود الأحفوري المستمرة وخفض حجم الاستثمارات المستقبلية على البحث والاستكشاف الضرورية في صناعة الوقود الأحفوري.
  • النقص الشديد في حجم الاستثمارات وصيانة البنية التحتية للدول المنتجة وذلك منذ عام 2005، حيث يواجه سوق النفط خسارة حوالي 5 ملايين برميل يوميًا كل عام من طاقته الإنتاجية، وذلك بسبب تراجع الاستثمارات في قطاع النفط. حيث انخفضت بأكثر من حوالي 50%، وذلك في الفترة ما بين عام 2014 والعام الماضي، من حوالي 700 مليار دولار إلى ما يزيد على 300 مليار دولار في بداية العام الماضي.
  • نقص حجم الاستثمارات الكلية وعمليات صيانة البنية التحتية في بعض من دول التحالف النفطي وذلك منذ سنوات طويلة.
  • ارتفاع المخاوف العالمية من الركود الاقتصادي العالمي، ولذلك قامت العديد من دول العالم بتطبيق سياسة التشديد النقدي، وذلك لمواجهة معدلات التضخم المرتفعة، بالإضافة إلى تراجع معدلات التنمية.
  • احتفاظ عدد ضئيل جدًا من الدول الكبرى في التحالف بمستوى منخفض من الطاقة الإنتاجية من النفط الخام، وتُعد تلك النقطة في غاية الأهمية لما لها من تأثير كبير في مستقبل إمدادات النفط العالمية.
  • وصول مخزونات الاحتياطي النفطي الاستراتيجي للدول الكبرى إلى أدنى مستوياتها خلال أكثر من حوالي 40 عامًا.
  • المخاطرة المستمرة بإثارة غضب الدول المستهلكة للنفط بشكل عام والتخوف من قرارات خفض أو رفع لمستويات الإنتاج من النفط الخام.

مجمل القول، تواجه صناعة النفط منعطفًا حاسمًا خلال العام الجاري، حيث تسعى إلى أن توازن بدقة بين وفرة العرض وتوقعات ارتفاع الطلب العالمي، حيث تواجه صناعة النفط العالمية جملة من العوامل الجيوسياسية والاقتصادية التي قد تؤثر بشكل كبير على الأسواق النفطية، بالإضافة إلى الانتخابات الرئاسية في ثلاث دول تُعد الأكثر تأثيرًا في سياسات النفط العالمية. حيث ترسم التوقعات المتنوعة صورًا متفاوتة، وسط دعوات إلى اتخاذ موقف حذر، وذلك بسبب المخاوف المحيطة بالتباطؤ الاقتصادي في عدد من الاقتصادات العالمية. وعليه يمكن القول، بإن السمة المميزة والتي سوف تسيطر على سوق النفط خلال العام الجاري 2024، هي التنفيذ المطول لتخفيضات الإنتاج من قبل أوبك بلس (التحالف الذي يُضم أعضاء منظمة أوبك وحلفائها)، والتي تمثل حوالي 40% من إمدادات النفط العالمية.

وفي الأخير، فرضت حالة عدم اليقين نفسها على أسواق النفط خلال العام الجاري، حيث خضعت لتعديلات كبيرة بفعل الضبابية المحيطة بنمو الطلب والتوترات الجيوسياسية، خاصةً الحرب الروسية الأوكرانية، بالإضافة إلى الحرب على غزة وما تبعها من توترات في حركة السفن في البحر الأحمر. حيث أدت تلك الأحداث مجتمعة إلى إعادة هيكلة أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الأزمة وأحدثت تغييرات في تدفقات النفط الخام على المستوي العالمي.

C:\Users\admin\Desktop\a7e01afe-747d-43f4-8405-2a157ef7c6f5.jpeg

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى