أسواق وقضايا الطاقةمصر

مصر وروسيا: خطوات على المسار النووي السلمي

تنظر معظم دول العالم، ومن بينها مصر، إلى الطاقة النووية بوصفها أحد مصادر الطاقة النظيفة التي يجب أن تكون ضمن مزيج الطاقة لديها. ومن هذا المنطلق، فقد سعت مصر إلى تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، فقامت في نوفمبر 2015 بالتوقيع على اتفاقية تعاون مع روسيا الاتحادية لإنشاء محطة للطاقة النووية بمدينة الضبعة المصرية تضم أربع وحدات. يتم بناء وتشغيل هذه الوحدات وفق جدول زمني محدد بعد استيفاء كافة المتطلبات الوطنية والدولية.

وتأتي مشاركة الرئيسين عبد الفتاح السيسي وفلاديمير بوتين اليوم 23 يناير 2024 عبر “الفيديو كونفرانس” في فعاليات بدء تنفيذ الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الرابعة بمشروع الضبعة النووي لتلقي الضوء على أحد المشروعات القومية المهمة التي تقوم الدولة بتنفيذها، والتركيز على أهمية المرحلة المتعلقة بخطوة صب الخرسانة للمفاعل الرابع. وتلقي الفعالية الضوء أيضًا على مدى عمق العلاقات المصرية الروسية والتي امتدت عبر التاريخ.

الطاقة النووية عالميًا

تعد الطاقة النووية الخيار الأمثل لمعظم دول العالم؛ إذ تشير قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمفاعلات القوى النووية (PRIS) إلى وجود: (413) مفاعلًا حول العالم في حالة التشغيل (Operation)، وعدد (25) مفاعلًا في حالة التشغيل المعلق (Suspended operation)، وعدد (58) مفاعلًا تحت الإنشاء (Under construction).

وفقًا لنظام المعلومات الموجود بقاعدة البيانات المشار إليها فإن الشكل رقم (1) يوضح أن منطقة أمريكا الشمالية تستحوذ على الحصة الأكبر من القدرة للمفاعلات في وضع التشغيل، تليها أوروبا الغربية، ثم آسيا والشرق الأقصى. في حين تتربع آسيا والشرق الأقصى على قمة المفاعلات تحت الإنشاء، تليها آسيا والشرق الأوسط والجنوب، ثم أوروبا الشرقية والغربية، بينما تستحوذ أفريقيا على النصيب الأقل في القدرة الناتجة من المفاعلات في وضع التشغيل لكنها تستحوذ على نصيب أعلى من أمريكا اللاتينية في القدرة من المفاعلات تحت الإنشاء.

شكل (1): التوزيع الإقليمي لقدرات الطاقة النووية في العالم لعام 2023.

طاقة نظيفة ومزيج متنوع

تعي الدولة المصرية جيدًا أن مسألة توفير الكهرباء للمواطنين أمن قومي، لذا فإنها تبنت ضرورة أن يكون مزيج الطاقة المصري مزيجًا متنوعًا يضم بين مكوناته مصادر مختلفة لتوليد الكهرباء، مع الحرص أن تمثل هذه المكونات طاقة نظيفة منخفضة الكربون مما يكون له أثر وبعد بيئي مهم.

وتعد الطاقة النووية أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة في العالم؛ إذ يصدر عنها انبعاثات كربونية لا تكاد تذكر مما يجعلها المرشح الأهم والخيار الأمثل للكثير من دول العالم نحو توفير الطاقة ومجابهة التغير المناخي. ويوضح التقرير السنوي للشركة القابضة لكهرباء مصر في الشكل رقم (2) القدرات الاسمية وفقًا لنوع التوليد 2021/2022.

شكل (2): القدرات الاسمية حسب نوع التوليد للفترة 2021/2022.

ويلاحظ من الشكل رقم (2) أن معظم القدرات التي يتم توليدها إنما تكون من خلال استخدام مصادر طاقة غير متجددة وهي الوقود الأحفوري كالغاز الطبيعي والمازوت، وهو نوع من الوقود ينتج عنه انبعاثات كربونية وإن كانت أقل في حالة الغاز الطبيعي، في حين أن الاعتماد على المصادر المتجددة ليس على الوجه المطلوب.

لكن استراتيجية التنمية المستدامة المصرية تستهدف الوصول إلى نسبة توليد من الطاقة المتجددة (شمس ورياح) 42% بحلول 2030، كما تستهدف الرؤية المصرية إدخال وافد نظيف للطاقة يعمل على مدار الساعة يتمثل في المفاعلات النووية ويدخل ضمن مزيج الطاقة المصري بنسبة 9% ويتم تشغيل أول مفاعل بحلول 2028.   

الطاقة النووية في مصر

ليست مصر حديثة العهد بالطاقة النووية؛ إذ إنها كانت من أوائل الدول في العالم التي أدركت أهمية الطاقة النووية، لذا فإنها خطت خطواتها الأولى نحو تعزيز الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية منذ الخمسينيات. وخلال هذه السنوات، عملت مصر على امتلاك بنية تحتية نووية متمثلة في منشآت نووية وإشعاعية بالإضافة إلى كوادر بشرية مصرية مؤهلة يتم تدريبها على أعلى مستوى وفقًا للمعايير الدولية في هذا الصدد.

إلا أنه يمكن القول إن البداية الحقيقية نحو امتلاك مصر لمفاعلات قوى نووية بهدف توليد الكهرباء وتحلية مياه البحر كانت عندما قامت مصر بتوقيع اتفاقية مع جمهورية روسيا الاتحادية في القاهرة في 19 نوفمبر 2015، وبموجب هذه الاتفاقية اتخذت القاهرة الإجراءات اللازمة نحو بناء وتشغيل محطة الضبعة النووية والتي تضم (4) مفاعلات نووية من نوع الماء المضغوط ومن الجيل الثالث المطور الذي يضم أحدث نظم الأمان النووي في العالم، وتصل قدرة كل مفاعل إلى 1200 ميجاوات لتكون القدرة الإجمالية للمحطة حوالي 4800 ميجاوات. 

التعاون المصري الروسي

تبنت مصر في البداية شأنها شأن بعض الدول بالمنطقة المقبلة على تنفيذ برنامج نووي انتهاج مبدأ طرح مناقصة عالمية لتنفيذ مفاعلات قوى نووية على أراضيها، إلا أن هذا الطرح في عدد من هذه الدول قد تحول لفكرة الاتجاه نحو الشريك الاستراتيجي، وقد لجأت مصر نحو روسيا الاتحادية لتنفيذ محطتها الأولى النووية نظرًا لعدة أسباب:

  • تعد روسيا شريكًا لمصر حيث ساعدتها في إنشاء المؤسسات الإنتاجية الكبرى والمشروعات القومية مثل السد العالي، فضلًا عن أن المفاعل المصري البحثي الأول بأنشاص الذي تم تشغيله في الستينيات هو مفاعل روسي.
  • لا تضع روسيا شروطًا سياسية على مصر لبناء المحطة النووية.
  • تقوم روسيا بتصنيع معظم مكونات المحطة النووية.
  • يعد العرض الروسي الأفضل من ناحية التكلفة الاقتصادية، ووافقت روسيا على نظام سداد يناسب مصر ولا يحمل الخزينة المصرية عملة أجنبية.
  • التكنولوجيا النووية الروسية لبناء المفاعلات تكنولوجيا متقدمة وتراعي أعلى معايير الأمان النووي حيث أن:
  • المفاعل الروسي من الجيل الثالث المطور ويعتمد المفاعل في تصميمه على أعلى معايير ومعاملات الأمان النووي.
  • يتميز المفاعل بأن لديه القدرة على حرق كمية كبيرة من الوقود.
  • عمر المفاعل يبلغ 60 عامًا قد تمتد إلى 80 عامًا.

تجدر الإشارة إلى أن مصر قد استقبلت مصيدة قلب المفاعل للوحدتين الأولى والثانية وقامت بتركيبهما خلال الفترات السابقة. وتعد مصيدة قلب المفاعل نظام حماية للمفاعل يهدف لرفع درجة الأمان للمحطة النووية حيث تمنع أي ضرر محتمل قد يؤدي لانتشار المواد المشعة إلى البيئة.

جدول زمني محدد ومتطلبات واجبة

نظرًا لأن الأنشطة النووية والإشعاعية لا تتم إلا وفقًا لمعايير فنية ورقابية صارمة تقتضيها اعتبارات وطنية والتزامات دولية، فإن مصر قد هيأت الظروف المناسبة لكي تتم هذه الأنشطة وفق ممارسات معتمدة على كلا الصعيدين الوطني والدولي. ومن أمثلة هذه الممارسات، الحصول على الأذون والتراخيص اللازمة قبل الشروع في تنفيذ أي مرحلة من مراحل امتلاك محطة نووية. ويشير الشكل رقم (3) إلى الأذون والتراخيص اللازمة لكل وحدة من الوحدات النووية الأربعة المشار إليها.

شكل (3): الأذون والتراخيص التي تمنحها الجهة الرقابية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الأذون والتراخيص تمنحها الجهة الرقابية (هيئة الرقابة النووية والإشعاعية) إلى الجهة المالكة والمشغلة للمحطات النووية (هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء) على مدار عمر المحطة، وقد تم الحصول على إذن قبول الموقع في 10 مارس 2019 ويشير الجدول رقم (1) إلى توقيتات الحصول على إذن الإنشاء للوحدات النووية الأربعة وفقًا للموقع الرسمي لهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء.

إذن الإنشاءالتوقيت
إذن الإنشاء للوحدة النووية الأولى29 يونيو 2022
إذن الإنشاء للوحدة النووية الثانية31 أكتوبر 2022
إذن الإنشاء للوحدة النووية الثالثة29 مارس 2023
إذن الإنشاء للوحدة النووية الرابعة30 أغسطس 2023

جدول (1): توقيتات منح إذن الإنشاء للوحدات النووية الأربع بموقع الضبعة.

الصبة الخرسانية للوحدة الرابعة

تأتي عملية البدء في صب الخرسانة للوحدة الرابعة بمشروع الضبعة النووي لتؤكد على أن مشروع الضبعة النووي قد وصل إلى بداية مرحلة الإنشاءات الكبرى لكل الوحدات النووية، وهو ما أكده السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في كلمته اليوم خلال فعاليات بدء تنفيذ الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الرابعة. ويشير الجدول رقم (2) إلى أهم التواريخ والأحداث المماثلة السابقة لهذه الخطوة وفقًا للجدول الزمنيبالموقع الرسمي لهيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء.

الحدثالتوقيت
الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الأولى20 يوليو 2022
الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الثانية19 نوفمبر 2022
الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الثالثة3 مايو 2023
الصبة الخرسانية الأولى للوحدة النووية الرابعة23 يناير 2024

جدول (2): توقيتات الصبة الخرسانية للوحدات النووية الأربع بموقع الضبعة

الخاتمة

مثّل التوجه المصري نحو الطاقة النووية وإعادة إحياء البرنامج النووي توجهًا نحو المسار الصحيح خاصة في ظل عالم يسعى إلى العبور نحو الطاقة النظيفة والتوسع في استخدام مصادرها المختلفة؛ نظرًا لتلك الضرورة التي فرضتها التغيرات المناخية، وتجنبًا للاعتماد بشكل كبير على الوقود الأحفوري المتقلب في أسعاره والملوث للبيئة.

لقد حقق البرنامج النووي المصري السلمي بتلك الشراكة الاستراتيجية مع الجانب الروسي خطوات ملموسة نحو امتلاك مصر لمفاعلات قوى نووية ستمثل مكونًا مهمًا ضمن مزيج الطاقة المصري المتنوع، وبهذا تسهم الكهرباء النووية في تحقيق التنمية والرخاء وصياغة مستقبل مشرق للوطن. ومما يبعث على التفاؤل والأمل ذلك الجهد المصري المبذول كي يتم تحقيق حلم لطالما انتظره المصريون وفق جدول زمني محدد وإجراءات دقيقة تنفذ طبقًا للمعايير والقواعد والنظم في الدول المتقدمة وتحت إشراف ومعاونة الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في النهاية، فإن البرنامج النووي المصري السلمي الذي يسابق الزمن لن تكون ثماره فقط لتوليد الكهرباء أو تحلية المياه، ولكن ثماره تتخطي ذلك بكثير لتنعكس على تطوير الصناعة وزيادة جودة المنتجات وتحسين مستوى التعليم النووي ومخرجات البحث العلمي وغير ذلك من منافع في المجالات الأخرى، وهو كذلك بمثابة شهادة ثقة في قدرات الدولة.

د.سامح شعبان

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى