الصحافة الدولية

اهتمام متنامي.. دوافع التدخل الصيني في أزمة كشمير

أثار القرار الهندي بإلغاء الحكم الذاتي الخاص بإقليم كشمير، الذي كان يضمنه الدستور الهندي في المادة 370، عددا من ردود الأفعال، كان على رأسها الصين التي لها مصلحة في تسوية الأوضاع وإحلال السلام، فقد أيدت الصين مطلب باكستان الخاص بعقد جلسة مغلقة لمجلس الأمن الدولي لمناقشة القرار الهندي، التي عُقدت في 15 أغسطس، وأعلنت من خلال مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة تشانغ جون، عدم تغيير موقفها تجاه إقليم كشمير، ودعت كلا من الهند وباكستان لتفادي التصعيد. 

وعليه، تتعدد المحفزات وراء الموقف الصيني من الأزمة، والاهتمام بها في ظل عدم الاهتمام الدولي الكبير بما يحدث في الإقليم، خاصة مع تداول الأنباء بقطع الهند للاتصالات عن الإقليم وعدم دخول الأدوية والطعام.

محورية باكستان في مبادرة الحزام والطريق

خلال الأيام الماضية، توجه وزير الخارجية الصيني وانغ يي إلى باكستان، وهو ما اعتبره محللون سعيا للتوسط بين الجانبين لحل الأزمة، وكان من المقرر أن يزور الهند في وقت لاحق لإجراء محادثات حدودية لكن طالبت نيودلهي بتأجيل الزيارة بسبب مشاكل في الجدولة.

تنحاز بكين لإسلام آباد في الأزمة، ويرجع هذا إلى أن باكستان تعد حلقة رئيسية في مبادرة طريق الحرير الجديد، إذ تستثمر الصين عشرات المليارات من الدولارات في مشاريع البنية التحتية والطاقة الباكستانية، أكثر من أي دولة أخرى في جنوب آسيا. هناك محطة كهرباء كاروت، وطريق قراقرم السريع، وسكك حديد كراتشي، وقد بدأ العمل على ربط إقليم شينجيانغ الصيني بميناء غوادار الباكستاني، فيما يسمى بمشروع الممر الاقتصادي الصيني- الباكستاني ضمن المبادرة، بتكلفة حوالي 46 مليار دولار، الذي سيمر عبر كشمير الباكستانية ويتصل بشبكة الطرق الصينية البرية والبحرية والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب، بما سيتيح الفرصة للصين للوصول للمحيط الهندي، ويمثل في نفس الوقت تحديا للهند، إذ بالإضافة إلى تضييق الخناق على الهند في كشمير، ستسارع بكين لنجدة إسلام آباد في حال نشوب نزاع مع نيودلهي، وستجد الهند نفسها أمام جبهتين.

التنافس الصيني الهندي

تتعدد أشكال التنافس الصيني الهندي، حيث تعتبر الهند أن الصين هي المعارض الأبرز لانضمامها إلى عضوية مجلس الأمن الدولي وكذلك النادي النووي الدولي، كما تتجلى على النحو التالي:

  • تناطح اقتصادي: تسعى كل من الهند والصين إلى تضييق الخناق على بعضهما البعض لكسب نفوذ في الإقليم أو خارجه. كما ترغب الهند في تعديل الميزان التجاري الذي يشهد خللا لصالح الصين، إذ صعدت الصادرات الصينية للأسواق الهندية من 1.9٪ في عام 2007 إلى 2.6٪ في عام 2016، وخاصة على الجانب التكنولوجي الذي يتنافس فيه البلدان. 
  • سيطرة على الموانئ: تعمل بكين على تطوير وإنشاء الموانئ المحيطة بالهند مثل ميناء في مدينة كياوكبيو التي تقع على ساحل راخين في خليج البنغال، واستئجار ميناء هامبانتوتا من سريلانكا لمدة 99 عاما مقابل قرض بقيمة 1.8 مليار دولار، وميناء بحري في شيتاغونغ ببنجلاديش. وهذا يعني عزل الهند عن إيران، إذ يوفر بحر العرب وآسيا الوسطى إمكانية الوصول إلى مصادر الطاقة في مجال النفط والغاز. ردا على ذلك، أعلنت الهند فيما سبق استثمارها لحوالي 500 مليون دولار لبناء ميناء تشابهار في جنوب شرق إيران، والذي سيسمح للهند بتجاوز باكستان والوصول إلى أفغانستان غير الساحلية وآسيا الوسطى.
  • نزاع حدودي: من ضمن أسباب تأييد الصين لباكستان في نزاعها مع الهند أو أن يكون لها مصلحة في تسوية الأوضاع وإحلال السلام، التنازع الحدودي بينها وبين الهند منذ 1962. كذلك، تسيطر الصين على حوالي 10% من إقليم كشمير، فيما يُعرف باسم أكساي تشين، والذي تدّعي الهند أنه جزء من لاداخ. رغم أن هذه المنطقة ليست غنية اقتصاديا، فهي ذات قيمة سياسية كبيرة للصين لأنها تقع بين منطقتي شينجيانغ والتبت، وقد بدأت في تقديم مطالبات بالحصول عليها بدءا من تشييد طريق في الخمسينيات وصل طوله حوالي 2000 كيلومتر. استولت الصين على أكساي تشين عندما هزمت الهند في حرب عام 1962.

والجدير بالذكر، لم تعد أكساي تشين هي الجزء الوحيد الذي يخضع للسيطرة الصينية في إقليم كشمير، إذ كانت تسيطر أيضا على منطقة شكسجام في الجزء الخاضع للإدارة الباكستانية في الإقليم، التي قدمتها باكستان لبكين بموجب اتفاقية حدود في الستينيات. وفقا للمادة 370 في الدستور الهندي، تخضع لاداخ البوذية لإقليم كشمير في حكمها الذاتي، وطالبت الصين عدة مرات بفصلها. قد تكون أكساي تشين ورقة مساومة للهند مع الصين بشأن النزاعات على الأراضي، وخاصة منطقة أروناتشال براديش شمال شرق الهند، والتي تدعي بكين تبعيتها لها.

دارت مواجهات بين الهند والصين في يونيو 2017 إثر تدخل قوات الأولى في هضبة دوكلام الواقعة بين الصين وبوتان، التي تتجه نحو ممر سيليجري التابع للهند ويفصل بين البر الرئيسي الهندي والولايات الشمالية الشرقية، أي أن سد هذا الممر يعني عزل المنطقة الشمالية الشرقية للهند عن بقية البلاد، أي توفير سيناريو لنشوب حرب، لكن تم سحب القوات عقب مباحثات دبلوماسية قبيل قمة مجموعة بريكس التي عُقدت في مقاطعة فوجيان الصينية في سبتمبر من نفس العام.

اقترح مودي عقد قمة غير رسمية مع الرئيس الصيني شي جي بينغ في وقت لاحق من العام الحالي، وكان من المفترض انعقادها في الدائرة الانتخابية البرلمانية لمودي، وقالت الهند إن مسؤوليها يعملون مع الجانب الصيني لوضع اللمسات الأخيرة الخاصة بالزيارة، لكن بكين لم تؤكد الزيارة بعد.

ختامًا، يخضع تدخل الصين في أزمة كشمير -رغم تأييدها لباكستان- لاعتبارات النزاعات الحدودية مع الهند، مما يعني أن قدرتها على التفاوض مع الهند يقوي من موقفها بخصوص قضايا مثل تايوان، لذا فهي تسعى للتوازن بين الأمرين. أيضا، من خلال مبادرة الحزام والطريق، تسعى الصين لتطويق الهند، التي ترفض المبادرة، كي يمكنها إملاء شروطها فيما بعد، ولا يكون هناك طريق أمام نيودلهي سوى أن تحذو حذو الدول المشاركة في المبادرة. 

كل ما سبق يتطلب استقرارا في الإقليم، الذي تدور حوله مخاوف من احتمال حدوث تمرد في كشمير بدعم من باكستان، بما يعني المجازفة باحتمالية نشوب حرب مزعزعة للاستقرار بين الخصمين النووين، وهذا ما لن تفضّله الصين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى