أسواق وقضايا الطاقة

مستويات تخزين الغاز في أوروبا: هل تتكرر الأزمة؟

لم تضع الحرب الروسية الأوكرانية أوزارها حتى الآن، بل تشتد وطأتها يومًا بعد يوم لتستمر في إرباك المشهد العالمي وبالأخص في ملف الطاقة. حيث تثير المزيد من الشكوك حول التوقعات المستقبلية للأسواق؛ وذلك لأنه مع دخول الحرب عامها الثاني كان قطاع الطاقة العالمي من الأكثر تأثرًا وتقلبًا في نهاية العام الأول من الحرب، حيث شهد العديد من التغييرات في صناعة الطاقة على مستوى العالم بشكل عام والقارة الأوروبية بشكل خاص.

مدخل:

 على الرغم من أن مفهوم أمن الطاقة لا يُعد من الأمور الحديثة في سياسات الاتحاد الأوروبي، فإنه أصبح اليوم يكتسب أهمية خاصة ويُعد من أهم الأعمدة لجميع دول القارة. ولذلك فإن الهدف الرئيس لسياسة الطاقة الأوروبية هو العمل من أجل تأمين مصادر مستقرة تضمن إمداد المواطنين بكافة مصادر إنتاج الطاقة المختلفة. ولم يستغنِ التكتل الأوروبي عن إمدادات الطاقة الروسية تمامًا بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ لا يزال عدد من دول الاتحاد يعتمد على الغاز الروسي. وذلك لانه على الرغم من أن التكتل الأوروبي كان قد خفض اعتماده على إمدادات الطاقة الروسية في بداية الحرب الروسية الأوكرانية، فإنه لا يزال يحصل على نحو حوالي 15% إمداداته من الغاز الروسي، ويشمل ذلك شحنات الغاز المسال. حيث فضل الاتحاد الأوروبي عدم فرض حظر كامل على واردات الغاز الروسي، وذلك لأن هذا كان من الممكن أن يتسبب في حالة كبيرة من عدم الاستقرار في الأسواق الأوروبية، وبالأخص إنه هناك عدد كبير من دول الاتحاد لديها بدائل قليلة يمكنها توفير إمدادات الطاقة.

واستكمالًا لما سبق، الأزمة متعلقة بروسيا والتي تُعد من أهم شرايين الطاقة في العالم وتُشكل لاعبًا أساسيًا في أسواق الطاقة العالمية، حيث إنه مع بداية الحرب تأثرت أسواق الطاقة العالمية، وقامت الدول بخطوات استثنائية بهدف مواجهة تداعيات تلك الأزمة، إذ لجأ عديد من دول العالم إلى المخزون الاستراتيجي من أجل تقليص الضغوط على الأسواق بهدف إرسال رسالة بأنه لن يكون هناك نقص في الإمدادات العالمية.

إشكالية الغاز الطبيعي للقارة الأوروبية

يساهم الغاز الطبيعي في إنتاج نحو حوالي 20% من إجمالي الكهرباء المولدة داخل الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى استخدامه في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وكذلك في التدفئة المنزلية، ولا يُشكل الانتاج المحلي لدول الاتحاد الأوروبي سوى حوالي 9% من إجمالي استهلاك الغاز في 2022، وتُعد روسيا أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أوروبا بنحو حوالي 40% من احتياجات الاتحاد من الغاز الطبيعي (وذلك قبل بداية الحرب الروسية الأوكرانية)، وتتضمن قائمة أكبر الموردين للغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب بعد روسيا كلا من النرويج 22% والجزائر 9%، بينما تلبي واردات الغاز المسال 18% من احتياجات الاتحاد، وتأتي في الغالب من الولايات المتحدة وقطر ومصر، حيث سجلت تجارة الغاز الطبيعي المسال العام الماضي رقمًا قياسيًا، حيث يوضح الشكل التالي واردات الغاز المسال وذلك طبقًا لبلد المنبع.

حيث بلغت حوالي 401 مليون طن بنسبة نمو حوالي 6.8%، فيما بلغت قدرة تسييل الغاز عالميًا حوالي 478.4 مليون طن سنويًا بنسبة حوالي 4.3% خلال العام الماضي. حيث يوضح الشكل التالي قدرات التسييل العالمية للأسواق المختلفة.

أمام ما تقدم، تعتزم أوكرانيا مع انتهاء عقد العبور مع شركة غازبروم الروسية عام 2024 عدم السماح بضخ الغاز الطبيعي الروسي عبر أراضيها إلي أوروبا، وهو الأمر الذي سيشكل مشكلة لعدد من الدول الأوروبية التي لا تزال تعتمد في الغالب عليه، والتي سيتعين عليها البحث عن مصادر أخرى للإمدادات، مع ما يترتب على ذلك من عواقب على سوق الغاز الأوروبية. لإنه إذا ما توقف تدفق الغاز عبر الأنابيب الممتدة خلال الأراضي الأوكرانية، فسيؤدي ذلك إلي مشكلة كبيرة بالنسبة لبعض الدول الأوروبية. وذلك لأنه هناك دولًا مثل النمسا والمجر وإيطاليا وسلوفاكيا ستتأثر أكثر من غيرها، وهي التي تعتمد في غالبية احتياجاتها على الغاز الروسي بشكل كبير، وذلك رغم تناقص نسبة تدفقات إمدادات الغاز من موسكو، وإيجاد العديد منها أسواقًا بديلة، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية من العام الماضي. 

واستكمالًا لما سبق، صرح رئيس شركة الطاقة الحكومية الأوكرانية أوليكسي تشيرنيشوف في مقابلة إذاعية مع ليبرتي الأمريكية، إن أوكرانيا لن ترسل الغاز الروسي إلي الغرب مع بداية عام 2025، حيث وضح أن غازبروم لم تدفع تكاليف العبور كما هو متفق عليه، وسددت ما لا يزيد عن حوالي 70% فقط من المستحقات، موضحًا أن كييف لا تزال ملتزمة بالاتفاق حاليًا لأن العديد من الدول الأوروبية لا تزال بحاجة لإمدادات الغاز من موسكو. حيث نصت الاتفاقية الموقعة عام 2019 علي ضخ حوالي 225 مليار متر مكعب من الغاز الروسي عبر أوكرانيا على مدار خمس سنوات (تنتهي بنهاية العام الماضي). وبالتالي، إن القرار الأوكراني سيكون له تداعيات كبيرة على أسواق الغاز الطبيعي وذلك بداية من عام 2025، وقد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في أوروبا، ولا سيما دول وسط أوروبا، والتي عادة ما يكون فيها الغاز أعلى تكلفة منه في شمالها. وبالنسبة للأولى، سيتعين عليها البحث وبسرعة عن موردين جدد، وعلى عكس ألمانيا، التي لم تعد تشتري الغاز الروسي، فإن حصة واردات الغاز الروسي في النمسا، علي سبيل المثال، ما زالت في العام 2023 تتخطى نسبة حوالي 60%، وذلك بعدما كانت قبل الغزو الروسي لأوكرانيا تمثل نحو حوالي 80%.

ومن الجدير بالذكر أن موسكو قلصت التدفقات عبر خط الأنابيب نورد ستريم الذي ينقل الغاز الروسي إلى الدول الأوروبية إلي حوالي 40% في يونيو من العام الماضي وحوالي 30% في يوليو، ثم انخفضت إلى حوالي 15%، بالإضافة إلي قطع الإمدادات عن عدة دول أوروبية مثل بلغاريا والدنمارك وفنلندا وهولندا وبولندا، وخفضت التدفقات عبر خطوط أنابيب أخرى منذ بدء حربها على أوكرانيا، كما هو موضح في الشكل التالي.

خريطة نقل الغاز الروسي إلى القارة الأوروبية

على مدى أكثر من خمسين عامًا، ظلت روسيا المصدر الموثوق فيه لتوريد الغاز للقارة الأوروبية فيما استمر ذلك حتى في ذروة الحرب البادرة حيث لعبت موسكو دورًا كبيرًا في تعزيز اعتماد ألمانيا – أكبر اقتصاد أوروبي – على مصادر الطاقة الروسية. وعلى وقع ذلك، شكل  الغاز الروسي  نموذجًا تجاريًا في أوروبا قوامه الأساسي الصادرات ومصادر الطاقة الرخيصة.

حيث تستهلك دول القارة المختلفة حوالي 40% من الغاز الطبيعي القادم من موسكو وذلك عبر خطوط الأنابيب (وذلك قبل الحرب الروسية الأوكرانية والتي أدت إلي الوصول إلي حوالي 20 %)، حيث تدفع كل يوم ما بين حوالي 200 و800 مليون يورو للروس مقابل الغاز الطبيعي. وبلغ إجمالي الإمدادات الروسية إلي القارة الأوروبية في عام 2021 نحو 155 مليار متر مكعب، ويبلغ حجم الغاز الذي يمر عبر الأنابيب المارة في أوكرانيا نحو 52 مليار متر مكعب (نسبة حوالي 33% من إجمالي الإمدادات).

الوضع الحالي لمستويات الغاز الأوروبية

استطاع الاتحاد الأوروبي تنفيذ مبادرة تعاونية لشراء الغاز وذلك في توقيت مبكر بهدف تجديد مستويات الغاز قبل بدء فصل الشتاء وذلك لتجنب تكرار أزمة أسعار الطاقة التي ارتفعت إلى مستويات قياسية خلال العام الماضي 2022، وكذا للتخلص من المخاوف بشأن عجز إمدادات الطاقة في القارة الأوروبية نتيجة لخفض الإمدادات الروسية. ولذلك امتلأت منشآت تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي بنسبة حوالي 90% قبل شهرين ونصف شهر من المهلة المحددة لبلوغ هذا المستوى في نوفمبر الماضي، حيث أعلنت المفوضية الأوروبية الجمعة مطمئنة بأن القارة مستعدة جيدًا للشتاء. وكان التكتل اعتمد في أعقاب اندلاع الحرب في أوكرانيا وخفض وارداته من الغاز الروسي، إطارًا تشريعيًا يلزم دوله الـ27 بملء منشآت تخزين الغاز فيها بما لا يقل عن حوالي 90% بحلول هذا التاريخ من كل عام.

حيث تختلف مستويات امتلاء الخزانات بحسب الدولة، من حوالي 77% في لاتفيا إلي أكثر من حوالي 99% في إسبانيا، مرورًا بحوالي 84% في فرنسا، وذلك على حسب قدرات الدول في صناعة الغاز الطبيعي.

ووفقًا لما سبق، يهدف هذا الإجراء إلي تعزيز استقلالية الاتحاد في مجال الطاقة وبالتالي تقليل اعتماده على إمدادات الغاز الروسي الذي شكل حوالي أكثر من 15% من وارادات الاتحاد الأوروبي وذلك في الربع الأول من العام الجاري 2023، من واردات الاتحاد الأوروبي، وهي الحصة التي تقلصت إلي حوالي النصف خلال عام واحد. في المقابل، زاد الأوروبيون في الفترة نفسها مشترياتهم من الغاز الطبيعي المسال الأمريكي. وتُشكل النسبة الحالية ما يصل إلى ثلث الطلب على الغاز في فصل الشتاء بطوله، وذلك على حساب نسبة الامتلاء الحالية 90% (مقياس مرجعي).

ويوضح الشكل التالي الوضع الحالي لمستويات التخزين مقارنة بالأعوام السابقة، حيث تراوحت تلك النسبة بين 67 إلي حوالي 98 %.

تداعيات محتملة وحلول مستقبلية

بيد أن السيناريو الأسوأ لم يجد طريقه إلي أرض الواقع حيث نجت أوروبا من أزمة طاقة كاملة وذلك بفضل أن فصل الشتاء الماضي كان أكثر اعتدالًا فيما ساهم انخفاض استهلاك الغاز الطبيعي وزيادة واردات الغاز الطبيعي المسال من دول أخرى، في العمل على تخفيف أزمة الطاقة داخل دول الاتحاد الاتحاد الأوروبي. ولكن إلا أن سوق الغاز لا تزال عرضة لتقلبات مفاجئة، ففي بداية أغسطس الماضي ارتفعت أسعاره وذلك بسبب تهديدات بإضرابات في منشآت أساسية للغاز في أستراليا وبدفع من تزايد الطلب الآسيوي على الغاز. 

ولذلك لا يزال التأثير محدودًا للعديد من الأسباب التي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • امتلاء المخزون الاستراتيجي من الغاز بالنسبة لدول القارة الأوروبية بمستويات مرتفعة وبشكل مبكر خلال العام الحالي قد تصل إلى حوالي 98% وبحوالي زيادة قدرها 8% عن الهدف الأساسي، وساهم في ذلك انخفاض الطلب بشكل عام على الغاز وذلك بنسبة تتخطى 10%.
  • استهلاك الغاز الطبيعي في دول الاتحاد الأوروبي لم يكن كبيرًا، وبالتالي انخفض الطلب بشكل عام علي المُنتج، وفي المقابل كان هناك عرض لا بأس به في السوق المحلية، كما أن المخزونات الاستراتيجية قد تكفي لسد الحاجة.
  • على الرغم من أن ارتفاع الأسعار من 30 يورو إلى حوالي 55 يورو، قد تبدو زيادة محدودة، وهو الارتفاع الذي من شأنه نوعًا ما أن يؤدي في سوق ما للضغط على مستويات الأسعار وتكاليف الإنتاج، لكن لا تزال الأمور محدودة نسبيًا، كما أن أغلب الشركات الأوروبية تستطيع اليوم تحمل التكاليف المؤقتة، علي اعتبار أن أغلب العقود طويلة الأجل، بينما هذه التقلبات قصيرة الأجل لن تؤثر بشكل كبير. وعليه يمكن القول إن حجم الطلب الضعيف نسبيًا أدى إلي انخفاض أسعار واردات أوروبا من الغاز المسال، وذلك على عكس المعتاد في هذا الوقت من كل عام.
  • تترقب معظم دول أوروبا هبوطًا في درجات الحرارة خلال الفترات المقبلة، لتنخفض بصورة أكبر في الأسبوع الأول من يناير المقبل، وهو ما ينذر بارتفاع حجم الطلب على إمدادات الغاز وأسعارها. وذلك لأن حلول شتاء أبرد من المعتاد ربما يستنزف المخزونات الأوروبية الحالية.

ومن المتوقع نتيجة الخطوة الأوكرانية ارتفاع أسعار الغاز بداية العام المقبل، بالإضافة إلي الصراعات الجيوسياسية والتي لها تأثير كبير علي توفير البدائل الآمنة من إمدادات الغاز إلي القارة الأوروبية، كما هو موضح في الشكل التالي.

ومن جهة أخري، ووسط الشكوك المثارة من أن تكون بعض الدول الأوروبية قادرة على تحرير نفسها من الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2024، حذر الرئيس السابق لشركة الطاقة النمساوية جيرهارد رواس من وقف إمدادات الغاز الروسي (عبر خطوط الأنابيب في الأراضي الأوكرانية)، حيث تستفيد منها فيينا، التي جددت عقدها مع غازبروم حتي عام 2024. ولذلك وجهت المفوضية الأوروبية انتقادات لفيينا لأنها لم تكن لديها خطة قصيرة الأمد ومحددة بوضوح للانفصال تمامًا عن واردات الغاز الروسي، لا سيما وأن اتكالها على الطاقة الروسية لا يزال أعلى بكثير من المتوسط في الاتحاد الأوروبي (60%). حيث يهدف التكتل إلى التوقف التام عن استخدام الغاز الروسي وذلك اعتبارًا بحلول 2027.

أدى التهديد الأوكراني بوقف مرور الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية الروسية إلى تجدد التكهنات حول مستقبل الطاقة في القارة الأوروبية، خاصة إمدادات الغاز الروسي لبعض دول القارة، لا سيما أن روسيا تلبي أكثر من حوالي 50% من احتياجات تلك الدول من الغاز الطبيعي.

وفي سياق الأسواق التي تعتمد عليها القارة الأوروبية لتأمين إمدادات الغاز من كل من النرويج ومصر والجزائر بشكل رئيس خلال الفترة المقبلة، حيث تُعد النرويج ثاني أكبر مورد للغاز في أوروبا بعد روسيا، علي زيادة الإنتاج لمساعدة الاتحاد الأوروبي في تحقيق هدفه المتمثل في إنهاء الاعتماد على الغاز الروسي بحلول عام 2027، وتمكنت النرويج من سحب البساط من موسكو، وأصبحت أكبر مورد للغاز إلى الاتحاد الأوروبي، ويُصدر الغاز النرويجي عبر خطوط الأنابيب إلى بريطانيا وألمانيا وبلجيكا وفرنسا، وتمكنت النرويج من تجاوز روسيا بصفتها المورد الرئيس للغاز إلى أوروبا حتى قبل قطع الإمدادات الروسية.

واستكمالًا لما سبق، نجد إنه هناك طريقان حاسمان في حال وقف مرور الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية، فمن ناحية، هناك خط أنابيب الغاز التركي، والذي يمتد من جنوب روسيا عبر البحر الأسود إلى تركيا، ومن هناك يزود مختلف دول البلقان. ومن ناحية أخرى، هناك خط ترانسغاز، الذي يمر عبر التشيك وأوكرانيا وسلوفاكيا إلي ألمانيا والنمسا، وسيتأثر بمحطة العبور الأوكرانية، وحيث لا تزال الدول التي ليس لها منفذ على البحر على وجه الخصوص، تحصل على إمدادات منه، وبذلك يمكن تعويض جزء من خسارة أنابيب ترانسغاز من خلال المسار التركي، حيث يمكن إعادة توجيه الغاز من أوكرانيا عبره إلي أوروبا، ولكن المشكلة التي تعتري ذلك أن لهذا الخط قدرة محدودة، وهذا ما يحتم على دول في وسط أوروبا الاعتماد على موردين آخرين في المستقبل، كما هو موضح في الشكل التالي خطوط الغاز الروسية التركية.

ووفقًا لما سبق، يبرز التوجس الأوروبي من تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية واتساع الحرب علي غزة، والتي قد تمتد لتصبح حربًا إقليمية، وهو ما قد يتسبب بإغلاق ممرات الملاحة البحرية (ومن أهمها مضيق هرمز)، وبالتالي قد ينتج عنه نقص حاد في ممرات الطاقة إلي القارة الأوروبية.

وعليه يمكن القول، إنه بالنسبة لأوروبا لا تزال تواجه مخاطر متعددة محتملة ولكنها من الممكن أن تكون محدودة التأثير، فيما يخص إمدادات الغاز خلال فصل الشتاء الحالي، ولكن هناك مخاطر مستقبلية على القدرة على تحمل التكاليف وأمن الإمدادات مع مخاطر مستقبلية من الحرب في غزة، وذلك مع استمرار المخاوف بشأن القدرة على تحمل تكاليف الغاز. بشكل عام، الوضع في صناعة الغاز الأوروبية لا يزال هشًا ومتهالكًا (مع ضعف البنية التحتية)، مع وجود مخاطر محتملة متعددة على الإمدادات بما في ذلك الصراع الحالي في الشرق الأوسط، حيث تعاني القارة من ضعف كبير وعدم توافر محطات إسالة كثيرة.

وعليه يمكن القول، من الممكن الاتكال على قدرات الغاز الطبيعي المسال في إسبانيا (حيث تتمتع بوجود حوالي 6 محطات إسالة ضخمة)، والتي من الممكن إن تلعب دور رئيس كدولة عبور، وبالتالي لتزويد دول مثل النمسا أو سلوفاكيا بالغاز الطبيعي، وبشكل عام، حتى الآن يتدفق الغاز إلى أوروبا في الأغلب من الشرق إلى الغرب، ومن الممكن عكس تدفق الغاز، حيث يستخدم خط الأنابيب يامال، والذي يمتد من شبه جزيرة يامال في سيبيريا إلي بولندا وبيلاروسيا، ليصل بعدها الغاز إلي ألمانيا، ولم يتدفق الغاز الروسي عبر هذا الخط إلى أوروبا لفترة طويلة، ويستخدم الآن لنقل الغاز في الاتجاه المعاكس، أي من ألمانيا إلي بولندا، ويوضح الشكل التالي عدد محطات الإسالة الأوروبية من حيث العدد الحالي والمخطط له.

بالإضافة إلى إنه يمكن لجنوب أوروبا استقبال الغاز الأذربيجاني وذلك عبر خط الأنابيب العابر للبحر الأدرياتيكي إلي إيطاليا وخط أنابيب الغاز الطبيعي عبر تركيا، حيث تتجه أنظار أوروبا إلي غاز أذربيجان، بصفته أحد الحلول المستقبلية لتأمين إمدادات إضافية من الغاز الطبيعي، ولذلك اقترحت المفوضية الأوروبية على دول الاتحاد الأوروبي، إبرام اتفاقية مع أذربيجان لزيادة واردات الغاز الطبيعي ودعم توسيع خط أنابيب للقيام بذلك، يستورد الاتحاد الأوروبي حوالي 95% من الغاز الذي يستهلكه، كما هو موضح في الشكل التالي.

وفي السياق ذاته، ما زالت خريطة صادرات الغاز المسال العالمية موزعة على عدد محدود من المصدرين الرئيسين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والولايات المتحدة وأستراليا. وعليه يمكن القول، بإنه من الممكن إن تلعب الدول العربية والأفريقية دورًا مهمًا في الحلول المستقبلية للقارة الأوروبية ومن ضمن تلك الدول الجزائر والتي تُعد عاشر أكبر منتج للغاز في العالم. وتشير البيانات الاقتصادية إلي أن شحنات الغاز الطبيعي المسال المصدرة من هناك في عام 2021 وجهت بشكل كبير إلي الأسواق الأوروبية. حيث تُشكل الجزائر مع مصر ونيجيريا قوة أفريقية هائلة مع السنغال كدولة محورية مستقبلًا في صناعة الغاز الطبيعي عالميًا، كما هو موضح في الشكل التالي، حجم الاحتياطيات المؤكدة لهذه الدول ونسبته من إجمالي الاحتياطي العالمي المؤكد.

ولذلك نجد إنه هناك 5 دول عربية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تستحوذ علي النسبة الأكبر من حصة الغاز المسال بنسبة حوالي 29% من إجمالي الصادرات، وهي: مصر وقطر، الجزائر وعمان، والإمارات.

حيث تراوحت الصادرات إلي الدول الأوروبية من حوالي 3.5 إلي 4.8 مليار قدم مكعبة يوميًا وذلك خلال الأعوام الـ10 الماضية، مع تقلبها حسب الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي. وفي عام 2022، بلغ متوسط واردات الغاز المسال الأوروبية من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حوالي 4.5 مليار قدم مكعبة يوميًا، أي ما يُعادل 40% من إجمالي صادرات المنطقة.

مجمل القول، منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية وفرض حزمة من العقوبات الصارمة على موسكو، وجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها في حرب من نوع آخر؛ حرب تهدف إلى حماية مواطنيها من أزمة الطاقة الطاحنة التي تعصف بها ودفعت أسعار الوقود والغاز إلى مستويات غير مسبوقة، ولذلك تعيش دول القارة أزمة اقتصادية حادة والتي بدأت تلقي بظلال اجتماعية على الطبقتين المتوسطة والفقيرة في العديد من دول الاتحاد الأوروبي. حيث فاقمت الأزمة الروسية الأوكرانية أزمة الطاقة العالمية وذلك بالإضافة إلى المخاوف العالمية من الحرب علي غزة، وبالأخص صناعة الغاز الطبيعي فأصبحت صناعة وسلعة لمن يدفع أكثر، حيث تسابق القارة الأوروبية الزمن لتعويض الغاز الروسي من دول أخري ولكن ذلك أمر صعب، إن لم يكن مستحيلًا فكل مصادر الغاز الأخري بعيدة ومكلفة وتحتاج إلى بنية تحتية بمليارات من اليورو كمحطات الإسالة وخطوط الأنابيب، وفي غياب التوافق الأوروبي يظل الأمر معقدًا.

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى