مصر

كيف لعبت منظمات المجتمع المدني دورًا في تعزيز نزاهة الانتخابات الرئاسية المصرية 2024؟ 

عدت الانتخابات الديمقراطية النزيهة فرصة الشعوب للتعبير جماعيًا عن السيادة وحق من حقوق المواطنين الثابتة. تعترف بهذه المبادئ دساتير الدول في سائر أنحاء العالم، وتنص عليها المواثيق الدولية الصادرة حول حقوق الإنسان عن منظمة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والحكومية الدولية والهيئات الأخرى؛ ومن هنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني في متابعة الانتخابات لضمان مستويات عالية من النزاهة والشفافية، وذلك بما يتسق مع القوانين والمعايير الدولية المعروفة للاستحقاقات الانتخابية.

هذا وتؤمن الدولة المصرية بأهمية منظمات المجتمع المدني كفاعل أساسي ورئيس في المجتمع وأداة فعالة لتدعيم حقوق المواطنين، فاتبعت الدولة نهجًا جديدًا أطلق عليه “النهج التشاركي”، وهو منهج يتضمن مشاركة كل فئات المجتمع وعلى رأسها منظمات المجتمع المدني إلى جانب المؤسسات الرسمية للدولة في تحقيق الأهداف العامة لتحقيق التنمية المنشودة، وبالطبع على رأسها التنمية السياسية؛ فالفكرة الأساسية من وجود منظمات المجتمع المدني هي مساهمتها في تعزيز وحماية وتحسين حقوق المواطن؛ فيعمل المجتمع المدني لأجل مستقبل أفضل، ويتشارك في أهداف عامة لتحقيق العدالة والمساواة واحترام الكرامة الإنسانية، فالمجتمع المدني الحيوي المتنوع القادر على العمل بحرية، هو عنصر أساسي في تأمين حماية مستدامة لحقوق الإنسان؛ فقوة المجتمع المدني هي عنصر تدعيم لقوة الدولة فكلاهما تكملة لدور الآخر.

وهو الدور الحقيقي الذي قامت به منظمات المجتمع المدني في الانتخابات الرئاسية 2024، من خلال متابعتها الانتخابات التي شهدت مشاركة كثيفة وغير مسبوقة في المشاركة الانتخابية من مختلف فئات الشعب وخاصة المرأة والشباب، والتي تشير كافة المؤشرات إلى تجاوزها نسبة 65% من إجمالي من لهم حق التصويت، وإصدار بيانات من مختلف المنظمات المتابعة للعملية الانتخابية برمتها، وهو ما يمكن تفصيله خلال السطور القادمة. 

نطاق عمل منظمات المجتمع المدني المحلي والدولي في الانتخابات

بداية نود الإشارة إلى مفهـوم المجتمع المدني فهو مجموعة المنظمات غير الحكومية التي تقـوم عضويتها على أساس اختياري وطوعي والتي لا تهدف إلى الربح، والتي تمارس نشاطها في القضايا المتعلقة بالشأن العام، وذلك من خلال الدفاع عن مصالح أعضائها، أو القيام بأعمال الخير والإغاثة، أو بأنشطة تنموية وحقوقية ودفاعية، وتسعى أيضًا إلى التأثير على السياسات العامة مـن خلال الترويج لأفكارها وقيمها والدفاع عن حقوق الأفراد. 

وانطلاقًا من إيمان الدولة المصرية بالدور الكبير الذي تلعبه  منظمات المجتمع المدني في مختلف الجوانب وعلى رأسها إثراء الحياة السياسية، فقد عملت على تعزيز دورها لمتابعة الانتخابات الرئاسية في مصر؛ فوضعت الهيئة الوطنية للانتخابات – وهي هيئة حكومية مصرية مستقلة لها شخصية اعتبارية تم إنشاؤها طبقًا للقانون رقم 198 لسنة 2017، وبحسب القانون فهي تتمتع بالاستقلال الفني والمالي والإداري، وتختص دون غيرها بإدارة الاستفتاءات والانتخابات الرئاسية والنيابية والمحلية وتنظيم جميع العمليات المرتبطة بها والإشراف عليها باستقلال وحيادية ولا يجوز التدخل في أعمالها أو اختصاصاتها – بعض الشروط لقبول متابعة منظمات المجتمع المدني سواء منظمات محلية أو دولية.  

فلقد وضح القرار رقم 22 لسنة 2019 المقصود بمتابعة العملية الانتخابية والتي تشمل “كل أعمال الرصد والمشاهدة والملاحظة لجميع إجراءات تسجيل المرشحين، والدعاية الانتخابية والاقتراع والفرز وإعلان نتيجة الانتخاب، ويحظر على المتابعين التدخل في سير العملية الانتخابية بأي شكل من الأشكال أو عرقلتها أو التأثير على الناخبين أو الدعاية للمرشحين أو تلقي منحًا أو عطايا أو هدايا أو مساعدات أو مزايا تحت أي مسمى من أي مترشح أو مؤيديه”، كما حدد القرار الشروط التي يجب توافرها في منظمات المجتمع المدني المحلية لقبول متابعتها للانتخابات وهي:

  • أن تكون حسنة السمعة مشهودًا لها بالحيادية والنزاهة.
  • أن تكون من أنشطتها الرئيسة مجالات متابعة الانتخابات أو دعم الديمقراطية أو حقوق الإنسان.
  • أن يكون مندوبو تلك المنظمات الراغبون في متابعة الانتخابات والاستفتاءات من المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين.

وكذلك أوضح القرار الشروط الواجب توافرها في منظمات المجتمع المدني الدولية والأجنبية والتي تمثلت في:

  • أن تكون المنظمة حسنة السمعة مشهودًا لها بالحيادية والنزاهة.
  • أن يكون من ضمن مجالات عمل المنظمة الأصلية، متابعة الانتخابات أو حقوق الإنسان أو دعم الديمقراطية.
  • أن يكون هناك مُلخص وافٍ عن المنظمة ووضعها القانوني وأنشطتها وسابق خبراتها في مجال متابعة الانتخابات أو الاستفتاءات
  • أسماء الدول التي شاركت بها في متابعة الانتخابات أو الاستفتاءات خلال الثلاث سنوات السابقة على تاريخ تقدمها بالطلب إن وجد.
  • بيان بعدد المتابعة الذين ترشحهم المنظمة والراغبين في الحصول على تصاريح لمتابعة الاستفتاء.
  • اسم ممثل المنظمة أمام الهيئة الوطنية للانتخابات.

وعند المقارنة بشكل مبسط بين الانتخابات الرئاسية المصرية عامي 2012 و2024 نجد أن: 

  • في عام 2012: في انتخابات الإعادة بلغ عدد المنظمات المحلية نحو 49 منظمة، وحصلت على 9534 تصريحًا، والمنظمات الدولية والأجنبية نحو 3 منظمات وحصلت على 243 تصريحًا، بمشاركة 50 دولة. 
  • في عام 2014: وافقت لجنة الانتخابات الرئاسية – أنداك – على نحو 79 منظمة مجتمع مدني وحقوق إنسان، 6 دوليين. 
  • في عام 2018: أجازت الهيئة الوطنية للانتخابات حق متابعة الانتخابات لحوالي 4 منظمات دولية و16 منظمة ومؤسسة مجتمع مدني محلية فقط.  
  • في انتخابات 2024: قدمت الهيئة العليا للانتخابات الدعوة لكافة السفارات الأجنبية المعتمدة لدى مصر لمتابعة اللجان الانتخابية، واستجابت للدعوة 24 سفارة بواقع 67 دبلوماسيًا حتى 6 ديسمبر، بجانب قيد نحو 14 منظمة دولية بعدد 220 متابع دولي، و62 منظمة محلية بعدد 22,540 متابع محلي، وقبول نحو 528 متابع إعلامي دولي بين زائر ومقيم، بالإضافة إلى 115 وسيلة إعلامية ما بين وكالة أنباء وقنوات وصحف.

وتكشف الخطوات التي اتبعتها مصر خلال انتخابات 2024 إلى تغيرت الأوضاع بصورة كبيرة، ونجحت الدولة في تحقيق جانب كبير من استراتيجيتها لبناء الإنسان المصري وضمان أعلى مستوى له ليتمتع بكافة حقوقه وعلى رأسها حقوقه السياسية، إذ يعد السماح بقبول متابعة الانتخابات لهذا العدد الضخم من المنظمات المحلية والدولية دليلًا قويًا وقاطعًا على نزاهة العملية الانتخابية تحت إدارة الهيئة الوطنية للانتخابات، التي انتهت من تجهيز اللجان الفرعية وكافة اللوجستيات ومعاينتها في الانتخابات الرئاسية، طبقًا للضوابط التي تتيح للمواطن مباشرة الحقوق السياسية؛ فوجود منظمات دولية لمتابعة الانتخابات الرئاسية يعني بالضرورة وجود اهتمام بالدولة المصرية، كما أنه يعني أن الدولة فاعلة في المحيط الإقليمي. 

ردود أفعال منظمات المجتمع المدني حول العملية الانتخابية في مصر

نصت المادة 38 من قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية على أن تقوم منظمات المجتمع المدني المصرح لها من الهيئة الوطنية للانتخابات، بموافاة الأمانة العامة خلال خمسة عشر يومًا من إعلان النتيجة النهائية للاستفتاء أو الانتخاب، بتقرير موثق عن مشاهداتها وما تقترحه من رأى وتوصيات، وفي هذا الشأن حددت الهيئة الوطنية للانتخابات عدد من الضمانات التي تضمن بها التيسير على المواطنين، بالإضافة على تحقيق النزاهة والشفافية في الانتخابات الرئاسية والتي تمثلت في: 

  •  وجود إشراف قضائي كامل على العملية الانتخابية، وحضور مندوبي وسائل الإعلام وممثلي منظمات المجتمع المدني لعملية التصويت والفرز وإعلان النتائج، بالإضافة لرئاسة أحد أعضاء الجهات أو الهيئات القضائية لكل لجنة من اللجان الفرعية التي تتولى الإشراف على الاقتراع والفرز. 
  • كما تقوم بالإشراف على اللجان الفرعية لجان عامة من أعضاء الجهات والهيئات القضائية، كما منح القانون لكل مرشح أن يعين في كل لجنة من لجان الانتخاب التي تشكلها الهيئة الوطنية للانتخابات، من يمثله من بين الناخبين.
  • كما كفل القانون للمرشحين الطعن في القرارات الصادرة من اللجان العامة أمام الهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها
  • كما نص القانون على أن تعلن الهيئة الوطنية للانتخابات، دون غيرها، النتيجة العامة للانتخابات خلال الخمسة أيام التالية لوصول جميع محاضر اللجان العامة إليها. 

ومن خلال الضمانات التي اعتمدتها الهيئة الوطنية للانتخابات، وتضافر جهود وحيادية كافة مؤسسات الدولة، استطاعت منظمات المجتمع المدني سواء كانت محلية أو دولية القيام بدورها الرئيس ومتابعة الانتخابات من داخل مقرات اقتراع المواطنين دون أية معوقات إجرائية، وانحصرت كافة الملاحظات التي وردت للهيئة الوطنية للانتخابات حول التأخر في فتح اللجان لبضعة دقائق، وتكدس أعداد من المواطنين أمام مقرات الاقتراع، والتي أخذتها الهيئة بعين الاعتبار وسارعت في تكثيف أعداد من القضاة للجان لضمان سير العملية الانتخابية بمنتهى السلاسة. 

هذا وقد أكدت بعثات الاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية والبرلمان العربي وجمعية برلمان البحر المتوسط حرصها على متابعة الانتخابات، وأعربت عن تقديرها لمصر وحرصها على نزاهة العملية الانتخابية وشفافيتها واعتمادها الإشراف القضائي كضمانة أساسية.

وقد تابع ائتلاف “نزاهة” الدولي الانتخابات الرئاسية المصرية 2024 من خلال تعاون يجمع 5 منظمات أجنبية ومنظمتين محليتين، هي: “منظمة إيكو -اليونان، منظمة إليزكا- غانا، هيومان أكت- رومانيا، المنتدى الوطني للمنظمات غير الحكومية في أوغندا، منتدى جالس الدولي- أوغندا، مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان- مصر، شركاء من أجل الشفافية- مصر”، ويضم الائتلاف 54 متابعًا أجنبيًا من 34 دولة حول العالم، والذي أشاد في أكثر من تقرير له على مدار الثلاث أيام بشفافية ونزاهة الانتخابات التي تمت في مصر. 

بالإضافة إلى فريق المتابعين الدوليين بالمنظمة العربية لحقوق الإنسان، حيث ضم الفريق 40 متابعًا من 17 جنسية عربية وأوروبية من ذوي الخبرة والتجارب في العمليات الانتخابية المتنوعة، سواء من جوانب الإشراف أو من جوانب الرقابة الدولية، من بينهم 18 من أعضاء مجلس أمناء المنظمة، وعدد آخر من قيادات فروع المنظمة والفريق الاستشاري، والذين سبق لهم أن شاركوا في عمليات الرقابة على الانتخابات في العديد من الدول خلال السنوات العشر الماضية، ولقد أكد الفريق على السلاسة التي تتم بها العملية الانتخابية في مصر، بالإضافة على كثافة التصويت في اللجان وغيرها من الملاحظات التي تفضي في النهاية إلى مدى النزاهة والشفافية التي اتسمت بها الانتخابات.

سلمى عبد المنعم

باحثة ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى