مصر

الانتخابات الرئاسية … دوافع وانعكاسات المشاركة الشبابية

أظهرت الانتخابات الرئاسية المصرية 2024 من الإقبال التاريخي والكثيف للمواطنين على مقار اللجان الانتخابية، حيث تشير النتائج التي تم حصرها ورصدها من مختلف اللجان الفرعية والعامة على مستوى الجمهورية أن نسبة المشاركة ستزيد عن 65 %. وعليه هناك عددا من المؤشرات الإيجابية التي تستحق الدراسة والبحث بهدف البناء عليها، ويأتي في مقدمتها الإقبال الشبابي على المشاركة وحرصهم على الظهور بدور إيجابي في مختلف زوايا المشهد الانتخابي، فتجدهم في الصفوف الأولى للناخبين، كما كانوا جزءا من منظمات وجمعيات منوط بها مراقبة ومتابعة هذا السباق الأهم، وكلها شواهد تؤكد الاندماج السياسي للشباب في المجال العام بدوافع من وطنية وثقافته السياسية ووعيه بتحديات المرحلة.

يعد اندفاع الشباب للمشاركة في الاستحقاق الأبرز نتاج لتضافر العديد من الجهود على مدى العقد الأخير، فبعد ما مرت به البلاد من أحداث في بداية العقد الثاني من الألفية حتى 2014 وما عصره شباب هذا الجيل من تقلبات حادة هددت أمن وطنه زاد سعيه نحو التأثير في الواقع السياسي من منطلق معاصرته لتحديات كبيرة ستنعكس على مستقبله وهو ما التفتت له الدولة المصرية ومؤسساتها حيث سعت مبكراً لتمكين ودمج الشباب في الحياة السياسية وفتحت المجال لبناء الكيانات الشبابية ودعمت زيادة الوعي والثقافة السياسية لدى جيل الشباب.

وفي سبيل ذلك كان للدولة عديد الجهود بدءا من مؤتمرات الشباب والتي كان لها دورها في تعزيز الاتصال السياسي بين الشباب والدولة، ومنصة منتدى شباب العالم التي أعادت للشباب المصري الثقة الكاملة بقدرته على التأثير في الأحداث العالمية، بالإضافة للأكاديمية الوطنية للتدريب والتأهيل ودورها في تنمية الكوادر الشبابية، وهو الأمر الذي انعكس في زيادة نسب تمكين الشباب في المناصب التنفيذية والتشريعية.

أما على مستوى الانخراط المجتمعي وتنمية العمل الأهلي وقيم المواطنة والتطوع، فقد مهدت الدولة الطريق أمام شبابها لاستغلال طاقاتهم بشكل إيجابي لتنمية المجتمع من خلال تعزيزها للعمل الأهلي وهو ما تترجمه مؤسسة “حياة كريمة” التي يندرج تحت مظلتها الآلاف من الشباب المصري بمختلف المحافظات، وإطلاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي الذي وحد جهود المنظمات بهدف المجابهة الذكية للتحديات المجتمعية ما انعكس على فهم ووعي الشباب لحجم التحديات المجتمعية والسياسية كنتيجة مباشرة لعملهم على الأرض ومعايشتهم لواقع التحديات الوطنية وقناعتهم بإيمان الدولة بدورهم.

يضاف لما سبق انفتاح المجال السياسي منذ 2014 والحياة الحزبية حيث ولدت العديد من الكيانات والأحزاب التي وضعت التمكين والدمج السياسي للشباب كأولوية لها كتنسيقة شباب الأحزاب والسياسيين.

وتعد الأحزاب السياسية منصة مهمة للشباب في تلقي الوعي والتدريب السياسي ليصبح منخرطاً بشكل أكبر وقادر على تنمية وتعزيز قدراته السياسية واكتساب الخبرات من خلال حضوره لمختلف اللقاءات أو المنتديات السياسية، ما يساهم في خلق كوادر شبابية تشجع غيرها من أبناء ذات الجيل على العمل السياسي، كما استحداث الدولة لآليات سياسية ساهمت في تعزيز دور الشباب كآلية ” الحوار الوطني” التي شهدت تواجد شبابي عبر عن تواجد قوي لجيل الشباب في المشهد السياسي حيث عززت جلسات الحوار الوطني التي ضمت مختلف القوى السياسية والحزبية من مختلف الاتجاهات والتيارات، فرصة للشباب لزيادة الوعي واكتساب الخبرات من خلال المشاركة في مناقشة القضايا الوطنية وطرح مختلف الرؤى حول تلك القضايا.

إثبات الذات

ما سبق مثل دوافع حقيقية أعاد إيمان الشباب بنفسه وبدوره الوطني بعد سنوات من العزلة السياسية الناجمة عن تهميش دورة في عهود سابقة ، لكن ومع معاصرتنا لتمكين الشباب المنعكسة كما ذكرنا سابقاً في المناصب التنفيذية والتشريعية فمثلاً بلغ عدد الأعضاء من الشباب تحت سن الأربعين بمجلس النواب في دورته الحالية نحو 124 نائباً أي بنسبة 21% من إجمالي نواب البرلمان ، شكل ذلك حافزاً للشباب الذي فضل في سنوات سابقة البقاء في صفوف المتفرجين، إلا أنه اليوم يعاصر نهضة بلده بأيديه ما يخلق له حافز داخلي ومحرك نفسي يدفعه كلما استطاع للتعبير عن مدى وعيه وثقافته السياسية.

فعلى الرغم من تشكك الكثير من حجم فهم الجيل الجديد للتحديات الوطنية والقومية إلا أنه أثبت على أنه على درجة عالية من الفهم والوعي والإدراك، فتجدهم في الصفوف الأولى من المتطوعين للتبرع لأهالينا في غزة، كما في الصفوف الأولى من الحملات والمبادرات الاجتماعية، حريصين على المشاركة السياسية، دائمي الحديث حول الشؤون الداخلية والإقليمية على وسائل التواصل الاجتماعي التي تعتبر آلية التواصل الأولى بينهم.

كان إقبال الشباب المصري على الحضور في الانتخابات الرئاسية معبرا حقيقياً لفهم هذا الجيل لحجم المسؤولية وإيمانه بدوره فيما يمكن اعتباره بمرحلة ” إثبات الذات” للجيل الجديد وتعبير عن رغبة أكبر في التفاعل والبناء.

فمن المعروف لمتخصصي علم الاجتماع أن من يملك الوعي السياسي يحرص على المشاركة السياسية عبر القنوات الشرعية، وهو عكس ما يقوم به أصحاب “التضليل السياسي” الذي يسهل توجيههم للفوضى والتخريب وهو ما عاصرناه سابقاً وتعلمنا منه أن ُبعد الشباب عن الأهداف والاستراتيجيات الوطنية وغياب الاتصال السياسي بينهم وبين الدولة له كلفة باهظة الثمن.

ومن هذا المنطلق وبعد عملية رفع الوعي والثقافة السياسية، خرج الشباب من حالة التقوقع السياسي لمرحلة الاندماج والتفاعل والانخراط الفعلي التي تجعله قادر على ممارسة الأدوار القيادية كما تحفيز رغبته في التأثير والتعبير، إذ أدرك الشباب أن تحقيق النمو والوصول بالوطن للمكانة المنشودة لهو جهد مجتمعي جمعي يحتاج لتضافر الجهود والتشارك بين الأجيال المختلفة وليس حكراً على جيل بعينه، ولا على فئة معينة، ولا يمكننا في هذا الصدد إغفال الإقبال الكبير من الشباب المصري المقيم خارج القطر المصري على الانتخابات وحرصه على واجبه الوطني وحقه الدستوري حتى وهو بعيد عن أرضه متكبداً تكلفة ومشقة التنقل من مكان سكنه لمقر اللجنة في السفارة أو القنصلية المصرية  الذي وصل في بعض الدول الأوروبية مثلاً للسفر لأكثر من 6 ساعات وهو ما لا تفسير له سوى حرصهم على مصلحة بلدهم وفهمهم العميق للوضع والتحديات الخارجية والداخلية  كما نجاح المؤسسات الوطنية في الاتصال السياسي بهم من خلال المبادرات واللقاءات المختلفة الممتدة بطول السنوات الخمس الأخيرة.

ختاماً، تشكل المشاركة الشبابية الواسعة في مختلف الاستحقاقات الانتخابية وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية رسالة واضحة من جيل الشباب على “نضجه السياسي” وفهمه للتحديات الوطنية التي سيكون لهم اليد العليا في حلها، وتعد مؤشر إيجابي لمستقبل مِصر التي تشكل فئة الشباب أكبر فئاتها المجتمعية وهو ما تتمناه مختلف الأمم لتنفيذ رؤاها واستراتيجياتها الرامية للصعود والتصدر من منطلق أن الشباب الواعي بتحديات وطنه هو المحرك الأساسي في معادلة التقدم والازدهار.

محمد هيكل

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى