مكافحة الإرهاب

الإرهاب ما بعد 11 سبتمبر.. أجيال جديدة وتحوُّلات فارقة

مثّلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 علامة فارقة من علامات الإرهاب التي أحدثت تغيُّرًا جذريًا في السياسة الدولية، ولا سيّما تلك المتعلقة بمكافحة كافة أشكال الإرهاب والتطرف، والتي تحوّلت إلى حرب دولية دفعت فيها دولٌ ثمنًا باهظًا، وتكبّدت أخرى مشاق وويلات هذه المكافحة دون ذنبٍ اقترفته إلا رؤية القوى الكبرى فيها أنها حاضنة للتنظيمات الإرهابية، أو أن مكافحة هذه التنظيمات تبدأ منها.

ولكنّ ذلك كله لم يؤد بأي حال من الأحوال إلى انتهاء الظاهرة الإرهابية، أو على أقل تقدير انحسارها، بل أدى إلى تعقيدها أكثر، وتشعُّب مساراتها وأدواتها، وتنوع تكتيكاتها، واتساع نطاق عملياتها، فقد اكتسب الإرهاب القدرة على التكيف والتطوُّر، والتعاطي مع مختلف التغيرات المحيطة به، والتمدد نحو مناطق جديدة، بل أصبح في كثير من الأحيان يسبق الجهود الأمنية والاستخباراتية لمكافحته بخطوات، مكّنته من ارتكاب العديد من العمليات الكبرى التي لم يكن يتوقعها أحد.

الإرهاب قبل 11 سبتمبر

اتخذ الإرهاب قبل 11 سبتمبر وبشكل رئيس تنظيم القاعدة عدة أساليب في تنفيذ هجماته الإرهابية، والتي تمثّلت في تفجير منشآت دبلوماسية أو حيوية، أو فنادق بسيارات مفخخة، واغتيال الشخصيات الدبلوماسية، واتسم الطابع العملياتي لتنظيم القاعدة بالمركزية في إعداد وتنفيذ العمليات الإرهابية، واستمر هذا الطابع حتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إذ استطاع تنظيم القاعدة أن يُنفّذ خطته في عملية غير مُكلفة ولا تحمل أي نوع من الأسلحة، وهو الأمر الذي رفع أسهمه كتنظيم جهادي وساهم في انتشار فكره وتوسعه في العالم.

 ومع تكثيف الضربات الأمريكية ضد تنظيم القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر، تأثر التنظيم تأثرًا بالغًا، وتوارى عن الأنظار، وكانت الضربة القاسمة هي اغتيال زعيمه أسامة بن لادن.

تغيرات جوهرية

أدى الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 إلى ظهور أنماط جديدة من الإرهاب، اتسمت بالطابع البسيط الذي أصبح أكثر تعقيدًا ومنهجية مع ظهور أبي مصعب الزرقاوي الذي تزعّم تنظيم التوحيد والجهاد في بلاد الرافدين، وخلق له طابعًا جديدًا اعتمد في بدايته على إعدام بعض الشخصيات مثل حادث ذبح المهندس الأمريكي جاك هنسلي في سبتمبر 2004، واغتيال السفير المصري بالعراق إيهاب الشريف في يوليو 2005. بالإضافة إلى اختطاف الكثيرين طلبًا للفدية لتمويل العمليات، وقد وصل عدد المُختطفين في الفترة من 2003 إلى 2004 أكثر من 100 أجنبي، قُتل منهم 27 على الأقل.

وكانت العمليات التي قام بها الزرقاوي حجر الأساس للأجيال الجديدة من الإرهاب؛ حيث أُسس تنظيم دولة العراق الإسلامية في أكتوبر 2006 على يد أبي عمر البغدادي الذي اختير خلفًا للزرقاوي بعد مقتله في يونيو 2006، أميرًا لمجلس شورى المجاهدين في العراق الذي تأسس في يناير 2006 وضمّ العديد من التنظيمات، أبرزها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، واستمر البغدادي على نهج الزرقاوي في العمل المُسلّح.

نقلة نوعية في مسيرة الإرهاب

بعد مقتل زعيم دولة العراق الإسلامية أبو عمر البغدادي في أبريل 2010، انتقل التنظيم إلى قيادة أبي بكر البغدادي، واتبّع استراتيجية قتالية جديدة، استطاع من خلالها حشد الكثير من “المجاهدين” مما مكّنه بعد ذلك من التمدد في سوريا عقب موجات الربيع العربي، وبلغ أوج توسعه بين العراق وسوريا منتصف عام 2014، بسيطرته على الموصل في العراق، ودير الزور في سوريا، إلى أن أعلن الدولة الإسلامية بالعراق والشام في يونيو 2014.

اعتمدت استراتيجية التنظيم في بدايته على اقتحام المدن والاستيلاء عليها وإخضاعها للدولة الإسلامية، وبالتالي تحقيق الانتشار في العديد من الأقطار عبر ولاياته المختلفة، وبعد أن استقر التنظيم في سوريا والعراق وبات على قدمين ثابتتين اعتمد استراتيجية الذئاب المنفردة، والتي تقوم على تجنيد أفراد مؤمنين بأفكار التنظيم بأماكن مختلفة من العالم، والتواصل معهم عبر القنوات الرقمية باستخدام برامج مثل “التليجرام” ومواقع التواصل الاجتماعي؛ لتنفيذ عمليات خاطفة بأقل قدر من الإمكانيات المادية والتسليحية، ولكن في نفس الوقت تحدث خسائر جسيمة في الدولة المستهدفة، مثل حادث الدهس الذي شهدته مدينة نيس الفرنسية عام 2016.

الأجيال الجديدة من الإرهاب

في ظل حالة إعادة التشكُّل والتفاعل بشكل أكثر عنفًا، التي يعيشها تنظيم داعش في الوقت الراهن، بعد الهزائم التي مُني بها خلال الفترات الماضية، أصبح الخطر الإرهابي للتنظيم أكبر بكثير من قبل، بعد أن دفعته خسائره إلى التمدد في مناطق جديدة، وتغيير أساليبه القتالية، وهي تكتيكات تجمع ما بين العمليات العسكرية التقليدية وحروب العصابات القائمة على:

استنزاف الجيوش عن طريق شن أكثر من هجوم إرهابي بمجموعات صغيرة في آن واحد، مثل عمليات إطلاق النار والقنص وزرع العبوات الناسفة والمتفجرات ومهاجمة واستهداف الكمائن لتحقيق أكبر قدر من الخسائر في صفوف الجيوش. بالإضافة إلى استراتيجية إسقاط المدن مؤقتًا عن طريق توجيه ضربات مفاجئة لقوات تأمين المدن ثم التحرك بحرية لتنفيذ أهداف محددة والانسحاب مع تجنب الدخول في معارك حاسمة مع القوات.

وكذلك استراتيجية الخلايا النائمة، وهي العناصر التي بقيت في المناطق التي انهزم فيها داعش، ولكن مازالت تدين بالولاء والبيعة له، فتتلقى منه الأوامر بتنفيذ بعض العمليات الإرهابية في المدن والبلدان التي تعيش فيها، باستخدام أساليب بسيطة.

ومما يزيد من الخطر الإرهابي في الوقت الراهن لجوء العديد من التنظيمات الإرهابية إلى الاندماج وتوحيد الجهود، وخاصة في منطقة الساحل والصحراء بالقارة الأفريقية، بالإضافة إلى وجود تقارير تشير إلى تقارب ما بين تنظيمي داعش والقاعدة على المستويين الفكري والعسكري.

الاستراتيجية الأمريكية في مكافحة الإرهاب

انقسم العالم إلى محورين رئيسين أعلن عنهما الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وهما محور الخير الذي تمثله الولايات المتحدة، ومحور الشر الذي يمثله الإرهاب وتدعمه “الدول المارقة”، الذي يحتاج إلى مواجهة دولية أسماها “الحرب على الإرهاب”، واستخدمت الولايات المتحدة في هذه الحرب كل الوسائل، وخاصة التدخل العسكري، إذ دخلت واشنطن بقواتها العسكرية مباشرة في أفغانستان عام 2001 عقب هجمات 11 سبتمبر، وأتبعت ذلك باحتلال العراق في عام 2003.

ولكنّها أيقنت بعد ذلك أن تلك الاستراتيجية لم تحقق المرجو منها، بل ساهمت في ازدياد الظاهرة الإرهابية وتعقّدها، وباتت كابول وبغداد مستنقعًا للقوات الأمريكية التي انسحبت من العراق عام 2012، وسحبت بعض قواتها من أفغانستان، وتدرس سحب البقية الباقية. بعد أن أثبتت الحركة الشاملة للإرهاب في نهاية المطاف قوتها ومرونتها ضد الهجمات الأمريكية.

فلجأت واشنطن بعد ذلك إلى تغيير استراتيجيتها في مكافحة الإرهاب، بدءًا من الهجوم باستخدام الطائرات بدون طيار على كل من الأهداف في اليمن وباكستان وأفغانستان في أواخر عهد الرئيس الأسبق بوش، وهو النهج الذي أخذ في الازدياد مع الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، تزامنًا مع سحب قواته من العراق وأفغانستان.

هذا بالإضافة إلى الطلعات الجوية والدعم الاستخباراتي للقوات المقاتلة على الأرض بالوكالة عن واشنطن، مقابل دعم مادي سخي لها، وهي الاستراتيجية التي اتبعتها الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش ضمن التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، بجانب مواجهة الإرهاب رقميًا، فتنظيم داعش يستخدم الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي استخدامًا مبتكرًا في الدعاية وتجنيد الأفراد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى