القضية الفلسطينية

تنامي الضغوط الدولية على إسرائيل وإمكانية وقف الحرب على غزة

يستمر الدعم العسكري والسياسي الأمريكي والغربي لإسرائيل في حربها الوحشية ضد قطاع غزة، إلا أن ثمة تغيرًا وإن كان طفيفًا في مواقف وتصريحات هذه الدول الداعمة بشكل مطلق لإسرائيل، نتيجة تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة الذي أدى إلى تصاعد حدة الانتقادات الداخلية بهذه الحكومات لدعمها المطلق لإسرائيل في حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، والمطالبة بالدفع باتجاه هدن إنسانية وحماية المدنيين، ووقف هذه الحرب الانتقامية. مما يدعو إلى التساؤل بشأن مدى التغير في المواقف الغربية تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، وإمكانية تأثيرها بالدفع باتجاه وقف تلك الحرب. 

تدهور الوضع الإنساني نتيجة الحرب الإسرائيلية

فرضت إسرائيل حصارًا مشددًا على قطاع غزة، ومنعت إمدادات الوقود والكهرباء والغذاء والماء عن القطاع الذي يقطنه نحو 2.3 مليون شخص، مما تسبب في كارثة إنسانية غير مسبوقة. واستمر جيش الاحتلال في ارتكاب المجازر والإبادة الجماعية ضد المدنيين، مدمرًا البنى التحتية مستهدفًا المدن والأحياء السكنية، قاصفًا المدارس والمساجد ومراكز الإيواء، مستهدفًا بشكل مستمر كافة مستشفيات قطاع غزة. 

ووفقًا لتقارير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقد أسقطت إسرائيل منذ اندلاع الحرب وحتى الأسبوع الأول من نوفمبر نحو 25 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، مما يتخطى قوة القنابل الذرية التي ألقتها واشنطن بالحرب العالمية الثانية على هيروشيما وناجازاكي. 

وأسفرت الحرب الإسرائيلية الانتقامية على قطاع غزة عن استشهاد أكثر من 15 ألف شهيد فلسطيني، منهم أكثر من 6150 طفلًا ونحو 4000 امرأة. ما يعني أن الاطفال والنساء يمثلون نحو 67% من الشهداء، فيما تجاوز عدد المصابين 35 ألفًا، أكثرهم من الأطفال والنساء، في حين بلغ عدد المفقودين نحو 7 آلاف شخص، بينهم أكثر من نحو 4700 طفل وامرأة.

ولم تقتصر الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون الدولي في قطاع غزة فقط؛ إذ تزايد العدوان الإسرائيلي الممنهج في مدن وقرى ومخيمات الضفة الغربية، وتصاعدت مداهمات جيش الاحتلال وهجمات المستوطنين ضد الفلسطينيين، مما أسفر عن استشهاد نحو 212 فلسطينيًا على يد المستوطنين، وإصابة نحو 2800 آخرين، هذا إلى جانب ارتفاع حصيلة المعتقلين في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر، لنحو 2700 شخص من بينهم نحو 200 طفل. 

وأدى استمرار إسرائيل في حرب الإبادة الجماعية ومحاولاتها للتهجير القسري للفلسطينيين، وقصفها الضاري للمنشآت والمستشفيات والمخيمات والبنى التحتية، وفرضها لحصار وتجويع متعمد على أهالي قطاع غزة، والذي يعد جريمة حرب مكتملة الأركان وفقًا لأحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949؛ إلى تنامي المواقف الشعبية الدولية الداعمة للشعب الفلسطيني، والتي انتقدت دعم حكوماتها المطلق لإسرائيل مما منحها الضوء الأخضر في ارتكاب هذه المجازر، متهمة الساسة بازدواجية المعايير فيما يتعلق بحقوق الإنسان، داعية حكوماتها إلى العمل على وقف هذه الحرب وإنهاء الحصار على غزة، مما دفع بعض الأنظمة الغربية للتخفيف من حدة تصريحاتها الداعمة بشكل مطلق لإسرائيل في الاستمرار في حربها، وممارسة ضغوط عليها لحماية المدنيين أو إقامة هدن إنسانية، حتى أن البعض ذهب لدعوة إسرائيل لوقف هذه الحرب. 

وبرز هذا الأمر في تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين يوم 13 نوفمبر الجاري بأن الوقت المتاح للقتال في قطاع غزة ينفد، قائلًا “ندرك أن الضغوط المتزايدة قد بدأت على إسرائيل، وأقدر أن هناك نافذة زمنية تتراوح من أسبوعين إلى 3 أسابيع حتى يبدأ الضغط الدولي الثقيل”، وأضاف أن “الصدمة الناجمة عن عملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر قد تضاءلت، وأنه في الأيام الأخيرة تعرض وسائل الإعلام العالمية بشكل أساسي صورًا من غزة”. ويعد هذا التصريح مفاجئًا، ويحمل العديد من التساؤلات بشأن حجم وتأثير هذه الضغوط الدولية، في ظل الإخفاق الإسرائيلي في تحقيق أهدافه المعلنة من الحرب، وتزايد أعداد الشهداء والجرحى الفلسطينيين.

تغير لهجة الدعم المطلق

على الرغم من الانحياز الأوروبي المطلق لإسرائيل، ودعم حربها على قطاع غزة منذ وقوع عملية “طوفان الأقصى”، فإن نبرة تصريحات الدول الأوروبية ومسؤولي الاتحاد الأوروبي تغيرت بهذا الشأن، وأصبح هناك إجماع أوروبي على الدعوات الأساسية إلى الحكومة الإسرائيلية لاحترام القانون الإنساني الدولي وضرورة دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، ومع ذلك لم يعترف الاتحاد الأوروبي أو يدن العقاب الجماعي الذي تمارسه إسرائيل في غزة باعتباره جريمة حرب، وهناك تباين كبير بين الدول الأوروبية إزاء كل تفاصيل الحرب الإسرائيلية على غزا فيما عد المبادئ السابقة المتفق عليها.

وكذلك لم يتغير كثيرًا الموقف الأمريكي الداعم سياسيًا وعسكريًا لإسرائيل؛ إذ تؤكد تصريحات مسؤولي الإدارة الأمريكية على هذا الدعم وعدم الضغط باتجاه وقف الحرب، لكن ثمة نوع من التغير الطفيف في التصريحات العلنية لمسؤولي الإدارة الأمريكية بشأن انتقاد الوضع الإنساني في قطاع غزة، ومطالبة الاحتلال الإسرائيلي بتجنب إصابة المدنيين والالتزام بقوانين الحرب، وعدم استهداف المستشفيات ومراكز الإيواء ومخيمات اللاجئين، وضرورة إدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بشكل مستدام وتوفير ممرات آمنة لعبورها، وخفض التصعيد في الضفة الغربية، هذا إلى جانب دعوة إسرائيل لتجنب أي خطوات قد تؤدي لحرب شاملة مع حزب الله اللبناني.

وسعت الإدارة الأمريكية أيضًا لتحقيق هدنة إنسانية مؤقتة، وهو ما تحقق بالفعل بوساطة مصرية قطرية أمريكية مشتركة. وقبل نهاية الهدنة، دعا الرئيس الأمريكي إلى تمديدها، وهو ما حدث بجهود مشتركة أدت إلى تمديدها لمدة يومين. ومع ذلك، لم تدع واشنطن حتى الآن لوقف اطلاق النار، ولم تهدد حتى الآن بأي عواقب أو ضغوط على إسرائيل مباشرة وعلنية لوقف إطلاق النار. 

ويرجع التغير في لهجة الولايات المتحدة لعدة اسباب أبرزها تزايد الانتقادات بداخل الإدارة الأمريكية وكذلك الرأي العام الأمريكي للدعم المطلق لإسرائيل والذي تستغله إسرائيل في ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين في قطاع غزة وكذلك ضد مواطني الضفة الغربية، فضلًا عن تزايد الضغوط على الإدارة الأمريكية للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار وادخال المساعدات الإنسانية والإغاثية بشكل مكثف لقطاع غزة، هذا إلى جانب رغبة الولايات المتحدة في عدم الإضرار بمصالحها مع دول المنطقة.

وهذا التغير على الرغم من تأثيره المحدود حتى الآن، فإنه يعكس تأثير ضغط الداخل الأمريكي على الإدارة الأمريكية لوقف الدعم المطلق لإسرائيل دون قيد أو شرط نظرًا للوضع الإنساني الكارثي في قطاع غزة. 

ملف الرهائن ونجاح الجهود المصرية القطرية في إحداث اختراق بهدنة مؤقتة

تستمر المساعي المصرية لخلق رأي عام إقليمي ودولي يدعم رؤيتها الرافضة بشكل قاطع لتهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية، وأهمية الدفع باتجاه حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود 4 يونيو عام 1967، والاعتراف الدولي بدولة فلسطين وإقامة مؤتمر دولي لمناقشة قضايا الحل النهائي.

وبذلت مصر جهودًا سياسية ودبلوماسية وأمنية مكثفة خلال الأسابيع الماضية لمنع تفاقم الصراع، وقامت بجهود حثيثة للوساطة بالتعاون مع قطر والتنسيق مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق هدنة مؤقتة وصفقة لتبادل الأسرى، تهدف مصر من خلالها أن تسهم في خفض حدة التصعيد يعقبها هدن أخرى ثم وقف دائم لإطلاق النار، وخاصة أن مصر لعبت دورًا رئيسًا ومحوريًا خلال الحروب السابقة على غزة في الوصول لاتفاق وقف إطلاق النار بوساطة مصرية. 

وبالفعل نجحت الجهود المصرية والقطرية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية بعد 48 يومًا من الحرب في التوصل إلى اتفاق هدنة إنسانية مؤقتة بداية من يوم 24 نوفمبر الجاري لمدة أربعة أيام، تم بموجبه إبرام صفقة لتبادل الأسرى بين حركة حماس والجانب الإسرائيلي، ووقف كافة الأعمال العسكرية لجيش الاحتلال الإسرائيلي في كافة مناطق غزة، ويعد هذا الاتفاق أول انفراجة واختراق لهذا الصراع المعقد، وأول خطوة فعلية نحو تهدئة هذه الحرب المستعرة منذ 7 أكتوبر الماضي.  وفي اليوم الرابع والأخير لهذه الهدنة نجحت الوساطة المصرية القطرية في تمديد الهدنة الإنسانية بقطاع غزة ليومين إضافيين، بداية من 28 نوفمبر الجاري.

وختامًا، يتضح مما سبق حدوث تغير نسبي في مواقف الدول الغربية تجاه الحرب الإسرائيلية على غزة، جاء نتيجة تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة، واستمرار جيش الاحتلال في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي وحقوق الإنسان، مما أدى إلى خسارة إسرائيل لمعركة الرأي العام الدولي نتيجة كشف زيف ادعاءاتها، وهو ما أحدث نوعًا من التوازن في مواقف كثير من القوى الغربية التي أبدت انحيازًا مطلقًا للرؤية الإسرائيلية في بداية الأزمة.

ويعد هذا التغير فرصًة مواتية للدبلوماسية العربية ودول الشرق الأوسط لاستثمارها، وهو ما يحدث الآن لاسيما من جانب الدولة المصرية للدفع باتجاه التوافق الدولي حول رفض ازدواجية المعايير، والضغط الدولي تجاه إرساء هدنة ممتدة تمهد للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار لحماية المدنيين الذين يتعرضون لمعاناة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، كخطوة تجاه إنفاذ التسوية العادلة والشاملة للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين وليس الاكتفاء بإدارة الصراع كما عكف المجتمع الدولي خلال السنوات الماضية.

د. غادة عبد العزيز

باحثة متخصصة في العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى