تغير المناخ

ما المتوقع في مؤتمر المناخ “كوب 28″؟

على الرغم من الأحداث والصراعات المتصاعدة عالميًا على كافة الأصعدة، فإن العمل المناخي لا يمكن إرجاؤه؛ فالظواهر المناخية المتلاحقة والغريبة التي حدثت هذا العام من: ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة تعدى الأرقام القياسية في بعض المناطق، ونوبات الجفاف، وحرائق الغابات، والفيضانات، والأعاصير، وارتفاع مستوى سطح البحر، في مناطق متعددة من العالم تشمل الدول المتقدمة والنامية على حد سواء؛ أكدت ضرورة عقد مؤتمر المناخ كوب 28 في موعده، وإعادة التركيز على مسارات العمل المناخي المتفق عليها في مؤتمر المناخ السابق بشرم الشيخ كوب 27. يضاف إلى ذلك أن هذا العام يمثل عام التقييم الأول للتقدم المحرز في اتفاق باريس ومدى تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية المتفق عليه للحد من الاحتباس الحراري العالمي، ورسم مسار العمل للحد بشكل كبير من الانبعاثات وحماية الأرواح وسبل العيش.

تقييم التقدم المحرز في مجال المناخ

تتمثل المهمة الرئيسة في مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين “كوب 28” في إجراء تقييم لأول مرة للتقدم الذي أحرزته الدول نحو تحقيق هدف اتفاق باريس لعام 2015، المتمثل في الحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى “أقل بكثير” من درجتين مئويتين، مع استهداف 1.5 درجة مئوية.

ومع تأخر الجهود العالمية، ستحاول البلدان خلال هذا التقييم العالمي الاتفاق على خطة لوضع العالم على المسار الصحيح لتحقيق الأهداف المناخية، والتي يمكن أن تشمل خطوات عاجلة نحو خفض الانبعاثات أو تعزيز استثمارات التكنولوجيات الخضراء الجديدة وتحول الطاقة. فضلًا عن استمرار الخلاف بين الدول حول تحمل الدول المتقدمة المسؤولية حول زيادة الانبعاثات الكربونية المسببة للاحتباس الحراري العالمي، وضرورة الالتزام بشكل أكبر وملزم في إجراءات الحد من تغير المناخ وتداعياته على الدول النامية. 

وقد أقر تقرير التقييم العالمي ضرورة الانتقال من الطموح إلى العمل المناخي بشكل جاد، وركز على:

  • مضاعفة قدرة الطاقة المتجددة ثلاث مرات على الأقل.
  • مضاعفة معدلات كفاءة الطاقة.
  • توفير الطاقة النظيفة للجميع بحلول عام 2030.
  • التخلص التدريجي من جميع أنواع الوقود الأحفوري، مع إطار زمني واضح يتماشى مع حد اتفاقية باريس 1.5 درجة مئوية، مع التخلص الكامل بحلول 2100. 

تمويل المناخ

يظل الاستثمار في المناخ هو العائق الأكبر في مسارات العمل نحو خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني، وكذلك تعزيز قدرة الدول على التكيف والتخفيف من أثار تغير المناخ، وهو ما يفوق كثيرًا ما خصصه العالم من ميزانية حتى الآن. فمن المرجح أن البلدان النامية ستحتاج إلى 200 مليار دولار على الأقل كل عام بحلول عام 2030 للتكيف مع التأثيرات المناخية المتفاقمة مثل ارتفاع مستوى سطح البحر أو العواصف، وفقًا للأمم المتحدة. ذلك علاوة على التمويل اللازم للتحول لمصادر الطاقة النظيفة.

وهناك أيضًا تكاليف الأضرار التي سببتها الكوارث المناخية بالفعل، والتي نجحت مصر أثناء رئاستها لمؤتمر المناخ “كوب 27” العام الماضي في التوصل إلى اتفاق حول إنشاء صندوق “الخسائر والأضرار” لمساعدة الدول النامية، بما لا يقل عن 100 مليار دولار بحلول عام 2030. ومن المفترض أن يتحمل مؤتمر المناخ هذا العام كوب 28 مسؤولية استكمال المفاوضات بشأن تفعيل إنشاء الصندوق وإدارته وعمله بحلول عام 2024.

تعزيز تحول الطاقة

يتفق عدد كبير من الدول وعلى رأسها دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول مجموعة العشرين على ضرورة زيادة قدرات الطاقات المتجددة ودعم التحول نحو الطاقات النظيفة ومنخفضة الكربون بحلول عام 2030؛ إذ تشير التقارير الدولية إلى ضرورة زيادة الطاقة المتجددة ثلاث مرات وزيادة معدلات كفاءة الطاقة مرتين عن الوضع الحالي، وهو ما يمكن أن يسهم في خفض الانبعاثات إلى النصف تقريبًا بحلول 2030. 

هذا بالإضافة إلى تطور اقتصاد الهيدروجين سواء الهيدروجين الأخضر القائم على مصادر الطاقة المتجددة أو الهيدروجين منخفض الكربون الذي يصاحبه تقنيات التقاط وحجز الكربون. وهو الاقتصاد الذي تضع دول كثيرة آمالًا عريضة عليه في تحقيق الأهداف المناخية وخفض الانبعاثات وكذلك تأمين مصادر الطاقة وتنوع مصادرها؛ فخلال عام 2023 جرى الإعلان عما يزيد على 1000 مشروع لإنتاج واستخدام الهيدروجين منخفض الكربون ومشتقاته عالميًا، ومن المتوقع تنفيذ ما يزيد على 700 مشروع منها بحلول عام 2030، باستثمارات فاقت 320 مليار دولار. ذلك لتصبح القدرة الإنتاجية الإجمالية 38 مليون طن هيدروجين سنويًا بحلول 2030 (ارتفاعا من 26 مليون طن سنويًا)، وهو ما يمثل نصف ما هو مطلوب للوصول لصافي الانبعاثات عبر الهيدروجين منخفض الكربون والمتجدد.

وعلاوة على ذلك، تدعم دولة الإمارات والدول الأخرى التي تعتمد اقتصاداتها على الوقود الأحفوري أن يتضمن مؤتمر المناخ “كوب 28” التركيز على التقنيات الناشئة المصممة لالتقاط وتخزين انبعاثات ثاني أكسيد الكربون تحت الأرض؛ في محاولة لتبرير استمرار الاعتماد على الوقود الاحفوري او عدم التخلص النهائي منه، رغم التكلفة العالية لهذه التقنيات.

التخلص من الوقود الأحفوري

ربما تركز المحادثات في مؤتمر المناخ “كوب 28” على مستقبل الوقود الأحفوري وما إذا كان ينبغي للدول أن تلتزم بالبدء في التخلص التدريجي من استخدام الفحم والنفط والغاز الذي تنبعث منه غازات الاحتباس الحراري، حيث يصر العديد من الدول المعرضة لتغير المناخ على التوصل إلى اتفاق نهائي لمؤتمر الأطراف الثامن والعشرين يلزم الدول بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. ولكن مجموعة العشرين فشلت في الاتفاق على هذه النقطة، واعترضت بعض الدول من بينها روسيا، على التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري، وتخطط الإمارات لإطلاق تعهد طوعي من شركات النفط والغاز لخفض الانبعاثات؛ في محاولة لضم صناعة الوقود الأحفوري إلى المعركة المناخية.

ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لانبعاثات غاز الميثان أيضًا، ففي حين وعدت أكثر من 150 دولة منذ عام 2021 في مؤتمر جلاسكو “كوب 26” بخفض انبعاثات غاز الميثان بنسبة 30٪ عن مستويات عام 2020 بحلول عام 2030 بموجب التعهد العالمي لغاز الميثان بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فإن القليل من هذه الدول قدمت تفاصيل حول كيفية تحقيق ذلك، في إشارة إلى بطء العمل.

وهو ما سيفتح المجال مرة أخرى للتفاوض حول ضرورة خفض انبعاثات الميثان (ثاني أكثر الغازات الدفيئة انبعاثًا وإضرارًا بالمناخ) ومراجعة لأهداف وخطط عمل الدول حيال ذلك؛ إذ بلغ إجمالي انبعاثات غاز الميثان من صناعة الطاقة في العام الماضي حوالي 135 مليون طن متري، وهو أعلى قليلًا من العام السابق عليه وليس أقل. وهو ما يشير إلى ضرورة تسريع العمل للحد من غاز الميثان بنسبة 70% على الاقل بحلول 2030.ختامًا، لا شك في أن مؤتمر الأطراف للأمم المتحدة المعني بتغير المناخ “كوب 28” يواجه تحديات كبيرة، يتعلق معظمها بمبدأ الإلزام والاتفاق بين الدول الأعضاء. فعلى الرغم من إجراء اجتماعات تحضيرية ما قبل المؤتمر على مدار عدة أشهر لمحاولة الاتفاق حول عدد من القضايا المناخية المهمة فإنه في كل مرة تقف المفاوضات عند نقطة محددة تعرقل بعدها مسارات العمل المناخي؛ إذ إن لكل دولة مخاوفها ومصالحها الخاصة التي تقف عندها دائمًا، لكن لا أحد ينتبه إلى أن التأثيرات أصبحت سريعة ومتطرفة وغير متوقعة، وأصبحت تكلفتها تصيب الاقتصادات والأفراد وأمن المجتمعات ذاتها، فإن لم يأتِ التحرك سريعًا وملزمًا، فستكون الخسارة للجميع.

أمل اسماعيل

باحثة ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى