أوروبامصر

بلورة الرؤية الأوروبية للقضية الفلسطينية: أهمية زيارة رئيسة المجر إلى مصر

استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، اليوم، بقصر الاتحادية السيدة “كاتالين نوفاك” رئيسة المجر، حيث عقدا مباحثات حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطورات الأوضاع الإقليمية والدولية وخاصة في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية. وذلك استمرارًا لسلسلة اللقاءات والاتصالات الهاتفية التي عقدها وتلقاها الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ عملية “طوفان الأقصى” والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة؛ من القادة والزعماء الإقليميين والدوليين، وخاصة الأوروبيين وآخرها الزيارة التي أجراها رئيسا وزراء إسبانيا وبلجيكا يوم 24 نوفمبر 2023.

وتعد هذه الزيارة من الزيارات المهمة للغاية في ظل جهود مصر المتواصلة لخفض التصعيد في قطاع غزة، والتي توصلت إلى هدنة إنسانية لمدة أربعة أيام بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة وقطر تتخللها عمليات تبادل للمحتجزين والأسرى لدى كلا الجانبين. وتتواصل الجهود المصرية في هذا التوقيت لمحاولة تمديد الهدنة الإنسانية والإفراج عن المزيد من المحتجزين والأسرى.

وتكمن أهمية المجر في هذا السياق بكونها تعد من الدول الحليفة لإسرائيل، وصوتت في 26 أكتوبر 2023 خلال قمة الاتحاد الأوروبي ببروكسل ضد مشروع قرار غير ملزم يدعو إلى هدنة إنسانية في غزة. ولكنها بعد ذلك دعت في أكثر من مناسبة إلى لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية لأهالي غزة بالرغم من استمرار موقفها الداعم لإسرائيل.

ويمثل توقيت زيارة رئيسة المجر كاتلين نوفاك إلى القاهرة مع اليوم الرابع للهدنة الإنسانية إلى احتمالات كبيرة لدعم المجر فكرة تمديد الهدنة للاستمرار في عملية تبادل الأسرى المحتجزين والتي ستساعد بدورها في تهدئة الاحتقان والتوترات في المنطقة بشكل كبير. وهو ما يشير إلى ميل المجر لفكرة تثبيت الهدنة والتوصل لصيغة مناسبة لوقف إطلاق النار لأهداف إنسانية، لتجنب سقوط المزيد من الضحايا من المدنيين من كلا الطرفين لإعادة الاستقرار والأمن في منطقة الشرق الأوسط كلها.

ومن الواضح أيضًا أن الدول الغربية بدأت تميل بالتدريج إلى هذا التوجه حيث تلقى الرئيس السيسي مساء أمس اتصالًا هاتفيًا من “مارك روته” رئيس الوزراء الهولندي، الذي أشاد بالجهود المصرية للوصول إلى الهدنة الإنسانية في القطاع. وفي هذ الإطار استعرض الرئيس العمل الجاري لتثبيت الهدنة وضمان نجاح عملية تبادل المحتجزين، إلى جانب الجهود المصرية لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع وتنظيم عملية استقبال المساعدات الدولية ذات الصلة. واتفق الجانبان على أهمية تركيز الجهود في الوقت الجاري على تمديد الهدنة، مع العمل على التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، والتحرك العاجل لإدخال القدر المطلوب من المساعدات الإنسانية لإغاثة أهالي غزة، بما يمهد لتسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وتحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.

رؤية ما بعد الحرب

أسهمت الجهود المصرية في إعادة وضع القضية الفلسطينية من جديد على أجندة المجتمع الدولي وفقًا لرؤية شاملة لا تقتصر فقط على إدارة القضية أو إدارة جولات الصراع مثلما عكف المجتمع الدولي على ذلك طوال سنوات، وإنما باعتبار أن التعامل مع التصعيد يجب أن يقوم على التعامل مع جذور الصراع وجذور القضية، وأنه لا يمكن تحقيق الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بأكملها بدون تحقيق حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية. ولعبت هذه الجهود المصرية دورًا كبيرًا في تغيير مواقف الكثير من الدول الغربية إزاء التصعيد الجاري في قطاع غزة للميل بشكل أكبر نحو التهدئة وحل الصراع بدلًا من الاستمرار في الدعم المطلق لإسرائيل في عملياتها العسكرية في قطاع غزة ومجازرها بحق المدنيين.

وفي ظل ظهور هذا التوجه بين الدول الغربية، تعمل مصر على استغلال كل الفرص المتاحة للحصول على دعم المجتمع الدولي لتحقيق هذه الأهداف لتهدئة التوترات التي استمرت في التصاعد لما يزيد عن 50 يوم وكان من الواضح استحالة التوصل لأي حل، لكن في حال استطاعت مصر استغلال ظهور هذا التوجه بين الدول الأوروبية والغربي هناك أمل في التوصل لحل لتهدئة الوضع خاصة وأن إسرائيل تستمد أغلب قوتها من قوة حلفائها الذي يدعموها دعم مطلق، مما يعني أنه إذا ضغطت هذه الدول حليفة إسرائيل عليها يزيد هذا من احتماليات قبول إسرائيل للهدنة أو حتى للتفاوض للوصول لصيغة نهائية للسلام في المستقبل.

وبالرغم من أن المجر ليست من الدول ذات الموقف القوي أو المؤثر بشكل كبير مثل قوى كبيرة أخرى، فإن موقفها الداعم بشدة لإسرائيل في هذه الأزمة سواء عن طريق منع التظاهرات “المعادية لإسرائيل”، بحسب وصف الحكومة المجرية، أو استقبال اللاجئين اليهود الإسرائيليين الذين أكدوا أنهم لم يشعروا بالأمان في أي مكان، سواء في إسرائيل أو حتى بعض الدول الأوروبية، إلا بعد وصولهم المجر؛ قد يشير إلى أهمية موقف المجر بالنسبة لإسرائيل وزيادة احتمالية تأثيرها في تحقيق مثل هذه المطالب.

وتبرز أهمية زيارة رئيسة المجر إلى القاهرة كذلك في ضوء الرؤية المصرية لواقع ما بعد انتهاء الحرب، بحيث يجري استثمار هذا الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى بلورة موقف داعم لحل الصراع وتعزيز الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. وهو الأمر الذي ظهر في كلمة الرئيس السيسي في المؤتمر الصحفي مع رئيسي وزراء إسبانيا وبلجيكا. ومن ثم قد تسهم زيارة رئيسة المجر في دفع الجهود الدولية بوجه عام والأوروبية على وجه الخصوص لبلورة موقف داعم للاعتراف بالدولة الفلسطينية الأمر الذي من شأنه استئناف عملية السلام على أسس ووقائع جديدة تسهم في تحقيق مبدأ حل الدولتين.

بيير يعقوب

باحث بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى