دول المشرق العربي

خلفيات وأبعاد المواقف الأردنية من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة

أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي يوم 17 نوفمبر الجاري أن بلاده لن توقع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل، وهي الاتفاقية التي كان من المقرر توقيعها في الشهر الماضي، مشيرًا إلى أن ذلك يأتي كرد على استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. ويأتي الموقف الأردني الأخير بخصوص اتفاق المياه والطاقة، كجزء من مقاربة أردنية اعتمدت على نهج التصعيد والضغط التدريجي على إسرائيل على المستوى السياسي والحكومي وكذا الشعبي، في ضوء التصعيد العملياتي الإسرائيلي ضد سكان غزة، ووصول العمليات الإسرائيلية داخل القطاع إلى مستوى غير مسبوق جعلها تُرتب أزمات غير مسبوقة إنسانيًا، فضلًا عن تداعيات إقليمية مقلقة برزت ملامحها في الآونة الأخيرة.

تصعيد أردني متزايد

تبنت المملكة الهاشمية الأردنية منذ اللحظة الأولى للتصعيد موقفًا يقوم على القراءة الشاملة لما يحدث في فلسطين، وهو الموقف الذي قام إجمالًا على ضرورة قراءة الأحداث ولحظة الانفجار التي حدثت في السابع من أكتوبر الماضي في إطار سياقها العام، والذي يشهد جملة من الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين مما قوض عملية السلام وعطلها، ودفع باتجاه تنامي مشاعر الغضب الفلسطينية التي أدت إلى الانفجار.

وفي إطار قراءة رد الفعل الأردني والتعاطي مع تداعيات “طوفان الأقصى”، سوف نجد أن الموقف الأردني قام من جانب على ربط التصعيد بجملة الأحداث والسياقات التي سبقته، ومن جانب آخر على تبني “التصعيد التدريجي” تجاه إسرائيل مع توسع عملياتها بحق الفلسطينيين وما صاحب ذلك من جرائم حرب، وقد عبر عن ذلك بشكل واضح جملة من المؤشرات، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1- ترحيب شعبي أردني بـ “طوفان الأقصى”: كانت ردة الفعل الشعبية في الأردن أحد المؤشرات اللافتة على الموقف العام للأردن تجاه الأحداث؛ إذ اعتبر الشارع الأردني أن عمليات “طوفان الأقصى” تمثل رد فعل قوي على السياسات والانتهاكات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، وهو ما تجسد في الاحتجاجات والمظاهرات التي خرجت في الأردن في أعقاب العملية، وشهدت تأكيدًا على أن العملية تمثل انتصارًا كبيرًا للحق الفلسطيني، وتم ترديد هتافات مؤيدة للشعب والفصائل الفلسطينية، والدعوة إلى اتخاذ إجراءات تصعيدية ضد إسرائيل.

2- دعوة الأردن للعودة إلى مسار السلام: اعتبرت الأردن في أول رد فعل لها على الأحداث من خلال بيانات وزارة الخارجية أن عملية “طوفان الأقصى” كانت نتاجًا طبيعيًا لسلسلة الانتهاكات الإسرائيلية التي تتم بحق الشعب الفلسطيني، وهي السياسات التي عطلت مسار السلام، فكان البديل هو اللجوء لسلاح القوة والمقاومة. واعتبرت الأردن أن استعادة مسار السلام العادل ووقف التصعيد هو أول خطوة لمعالجة الأزمة الراهنة، على أن تكون الغاية هي إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

3- استدعاء السفير الأردني لدى إسرائيل: كانت أولى إجراءات التصعيد اللافتة من المملكة الهاشمية الأردنية تجاه إسرائيل متمثلة في استدعاء السفير الأردني لدى تل أبيب، في مطلع نوفمبر الجاري، وهو القرار الذي جاء بالتزامن مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة، وتحول إسرائيل من سياسة القصف العنيف و”الأرض المحروقة” إلى العمليات البرية التي استهدفت تطويق القطاع ومحاصرته. وهي جملة الممارسات التي خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، فكان إجراء سحب السفير تعبيرًا عن الرفض الأردني لهذا المسار الإسرائيلي، ورسالة دبلوماسية مفادها أن العمليات الإسرائيلية في غزة تهدد مسار العلاقات الثنائية بين الجانبين.

4- اعتبار “التهجير” إعلان حرب: في تصعيد دبلوماسي وسياسي لافت، اعتبر الأردن في 4 نوفمبر الجاري، أي بعد ثلاثة أيام من استدعاء السفير لدى تل أبيب، على لسان وزير خارجيته أيمن الصفدي، أن “كل الخيارات مطروحة للرد على انتهاكات إسرائيل بحق الفلسطينيين، وعدم تفرقتها بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية”، وهي التصريحات التي لاقت اهتمامًا كبيرًا داخل إسرائيل، وأعربت تل أبيب عن أسفها تجاهها. وفي السادس من نوفمبر الجاري، أعرب رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة عن أن “تهجير الفلسطينيين سواءً في غزة أو الضفة يمثل إعلان حرب من قبل إسرائيل”، مؤكدًا أن كل الخيارات مطروحة للتعامل مع هذا التصعيد الإسرائيلي غير المسبوق.

5- خطوط حمراء وأولويات أردنية: طرح العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة الخطوط الحمراء الخاصة بالأردن في هذا التصعيد، متمثلةً في تهجير الفلسطينيين، فضلًا عن معدلات العنف الإسرائيلية غير المسبوقة تجاه الفلسطينيين، وحذر في الوقت نفسه من خطوة امتداد هذا الصراع “ووصوله إلى نقطة اللا عودة وتحوله إلى حرب إقليمية”. كذلك حدد العاهل الأردني أولويات العمل الأردنية في هذه المرحلة متمثلةً في السعي إلى وقف إطلاق النار، والدفع باتجاه استمرار دخول المساعدات الإنسانية بشكل مكثف وكبير إلى قطاع غزة، مشيرًا إلى أن الأردن يسعى إلى تحقيق هذه الأولويات عبر كافة الأدوات المتاحة، فضلًا عن طرحه أولوية استراتيجية في مرحلة ما بعد الحرب متمثلةً في استعادة مسار السلام العادل عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية.

6- إلغاء القمة الرباعية مع “بايدن”: في الثامن عشر من أكتوبر المنصرم، قرر الأردن عدم عقد القمة الرباعية التي كان من المقرر أن تجمع قادة مصر والأردن وفلسطين مع الرئيس الأمريكي جو بايدن؛ وذلك في أعقاب استهداف إسرائيل للمستشفى الأهلي المعمداني بقطاع غزة، وهي المجزرة الضخمة التي راح ضحيتها نحو 500 شهيد. وقد جاء هذا الموقف الأردني بالتنسيق مع الجانب المصري، في رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة باعتبارها مسؤولة عن هذه المجازر عبر سياسة الرعاية والدعم المفتوح لإسرائيل.

7- دعوة لمراجعة كافة الاتفاقات مع إسرائيل: في الثالث عشر من نوفمبر الجاري، أعلن مجلس النواب الأردني عن موافقته بالإجماع على دعوة رئيسه، أحمد الصفدي، إلى مراجعة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وتقديم التوصيات للحكومة، في إجراء تصعيدي مهم مثّل رسالة لإسرائيل بأن العلاقات الثنائية مهددة على كافة المستويات، إثر التصعيد الراهن في غزة. 

8- تعليق اتفاقية المياه والطاقة: كان السابع عشر من نوفمبر الجاري شاهدًا على تصعيد جديد من قبل المملكة الهاشمية الأردنية ضد إسرائيل، حيث أعلن وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن بلاده لن توقع اتفاقية لتبادل الطاقة مقابل المياه مع إسرائيل في ظل الحرب على قطاع غزة والتي كان من المقرر توقيعها الشهر الماضي. وقال “الصفدي” خلال لقاء مع قناة الجزيرة الفضائية إن عمان لن تتردد في اتخاذ كل ما يساعد الشعب الفلسطيني، مضيفًا أن “اتفاقية السلام مع إسرائيل ستكون الآن وثيقة يغطيها الغبار مركونة فوق أحد الرفوف”.

وبقراءة مسار وخطوات التعامل الأردني مع التصعيد الراهن في غزة، سوف نجد أن هذا التعاطي اتخذ طابع “التصعيد التدريجي” مع إسرائيل، مع ترك كافة الاحتمالات مفتوحة للتعامل مع هذا التصعيد. وترتبط أهمية هذه التحركات الأردنية بما تحظى به المملكة الهاشمية الأردنية من ثقل استراتيجي في المنطقة، خصوصًا على مستوى التعامل مع القضية الفلسطينية، فضلًا عن كونه عبر عن الثوابت الأردنية بهذا الخصوص.

اعتبارات متعددة

يمكن قراءة المواقف الأردنية تجاه التصعيد الراهن بوصفها تأتي اتساقًا مع المواقف العربية إجمالًا من التصعيد، خصوصًا الموقف المصري، فضلًا عن كونها تأتي اتساقًا مع الدور التاريخي للمملكة الهاشمية الأردنية تجاه القضية الفلسطينية. لكن هذه المواقف تخضع لجملة من الاعتبارات التي يمكن تناولها على النحو التالي:

1- وجود حاضنة للفصائل الفلسطينية في الأردن: ركزت الاحتجاجات الشعبية والمظاهرات التي خرجت في الأردن في أحد أبعادها على الإشادة بمواقف قيادات الفصائل الفلسطينية، خصوصًا محمد الضيف القائد العام لكتائب القسام، وأبو عبيدة المتحدث باسم القسام، ويحي السنوار رئيس حركة حماس، بما عبر عن تماهي الشارع الأردني مع مسار المقاومة الفلسطينية كرد على السياسات التي تبنتها الحكومة الإسرائيلية المتطرفة والتي أغلقت الباب أمام المسار السياسي لحل الأزمة.

وبطبيعة الحال كان موقف الشارع الأردني عاملًا ومحددًا رئيسًا بالنسبة للموقف الرسمي الأردني، لكن قراءة موقف الشارع الأردني يجب أن توضع في سياقها العام والتاريخي، فمن جانب تحظى الفصائل الفلسطينية في فلسطين بحضور تاريخي وكبير في الأردن، حتى أن الملك الحسين بن طلال كان على وشك إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل إثر محاولة الأخيرة اغتيال القيادي في حماس خالد مشعل، والذي عاش في الأردن لسنوات طويلة. كذلك فإن تركيز الشارع الأردني على الإشادة بالقادة العسكريين للفصائل الفلسطينية، يعكس جنوحًا متزايدًا في الشارع العربي نحو التعويل على مسار المقاومة كأداة لحل القضية الفلسطينية، وهو مؤشر يرتبط بشكل كبير بما وصل إليه المسار السياسي من انسداد بفعل ممارسات السلطات الإسرائيلية.

2- تخوف الأردن من اتساع رقعة الحرب: تأتي التحركات الأردنية المتسارعة تجاه التصعيد في غزة في ضوء تخوف أردني من اتساع رقعة الحرب، على مستويين رئيسين: الأول هو الضفة الغربية والقدس، والثاني هو الحرب الإقليمية؛ فعلى المستوى الأول ينظر الأردن إلى الضفة الغربية بوصفها امتدادًا للأمن القومي للمملكة، فضلًا عن الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ما يجعل الأردن معنيًا بشكل رئيس بالتطورات في الضفة، فضلًا عن مسؤوليته عمومًا تجاه التطورات في فلسطين. وأما المستوى الثاني فإن اتساع رقعة الحرب وتحولها إلى حرب إقليمية يمثل تهديدًا للأمن القومي للأردن، خصوصًا من الناحية السورية والعراقية، على اعتبار أن التداعيات السلبية لهذا السيناريو سوف تطال الأردن بشكل أو بآخر، ما يجعل السلطات الأردنية تتبنى تحركات مكثفة لوقف التصعيد، ومنع اتساع رقعة الصراع.

3- تجاوز إسرائيل للخطوط الحمراء: أحد الاعتبارات المهمة التي يمكن في ضوئها قراءة التصعيد الأردني اللافت تجاه إسرائيل يرتبط في أحد أبعاده بتجاوز إسرائيل للخطوط الحمراء الأردنية في التصعيد الراهن، وفي الفترة التي سبقته، سواءً على مستوى الممارسات المتكررة تجاه المقدسات في مدينة القدس، أو على مستوى التصعيد الكبير في الضفة، إلى الحد الذي دفع الأردن إلى إرسال مستشفى ميداني إلى مدينة نابلس في الضفة، ما عبر وفق بعض التقديرات عن إدراك أردني لخطورة تطورات ومسار الأوضاع بالضفة، واحتمالية تحولها إلى جبهة مفتوحة.

كذلك شرعت إسرائيل في إجراءات كبيرة على مستوى تهجير الفلسطينيين في غزة وكذا الضفة، وهو أمر يمثل خطًا أحمر بالنسبة للدول العربية والإسلامية وخصوصًا مصر والأردن باعتبار هذا المخطط يستهدفهما بشكل مباشر. وينظر الأردن إلى مخطط تهجير الفلسطينيين من غزة نحو سيناء، كمقدمة لمخطط إسرائيلي لتهجير سكان الضفة نحو الأردن، في إطار خطط الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتصفية القضية الفلسطينية.وإجمالًا، يمكن القول إن الإجراءات التصعيدية الأردنية تجاه إسرائيل والتي كان آخرها الإعلان عن تعليق اتفاقية المياه والطاقة تأتي كتعبير عن الموقف الأردني الرافض للتصعيد الإسرائيلي في فلسطين وما يرمي إليه من أهداف تصل إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتعبر هذه الإجراءات عن تجاوز العلاقات الثنائية لحدود التوتر ووصولها إلى مرحلة الانسداد وتعليق كافة مشاريع التعاون والتنسيق الثنائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى