القضية الفلسطينية

مخططات تاريخية: كيف طرحت إسرائيل مسألة تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم؟

لم تكن فكرة تهجير الفلسطينيين من وطنهم الأصلي “فلسطين” وليدة العدوان الإسرائيلي الحالي على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023؛ فعلى مر التاريخ، وحتى قبل ظهور دولة الاحتلال “إسرائيل” وحصولها على اعتراف دولي، تجلت فكرة تهجير ساكني فلسطين الأصليين في العديد من الدراسات والمقترحات الأمريكية والصهيونية. في البداية كانت تلك المقترحات مجرد أفكار، وبمرور الوقت، ومع ظهور دولة الاحتلال، تم عرض فكرة تهجير الفلسطينيين إلى أراض أخرى في المؤتمرات الرسمية وعلى رأسها مؤتمر “هرتزيليا” والذي يشارك فيه كبار المسؤولين من الولايات المتحدة الأمريكية ومنهم رؤساء سابقين وأيضًا أعضاء في الأمم المتحدة، وغيرهم من الخبراء والكوادر السياسية، حيث تم مناقشة فكرة إيجاد وطن بديل للفلسطينيين -خارج فلسطين- كحل نهائي لتلك القضية.

وفي خضم الأحداث الجارية وجراء الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، طُرحت مرة أخرى على الساحة فكرة تهجير الفلسطينيين، ونقل سكان غزة إلى أراضي عربية مجاورة على رأسها سيناء، وتهجير سكان الضفة الغربية التي يسيطر الاحتلال على مساحات واسعة منها إلى أراضي المملكة الأرنية المجاورة، وهو ما يؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية ومحو الدولة الفلسطينية بأكملها. لكن لاقى هذا المقترح رفضًا واضحًا وبارزًا من قبل الحكومتين المصرية والأردنية.

فلم تكن فكرة طرد الفلسطينيين مجرد فكرة راودت أذهان النخبة من المؤسسين الصهيونيين، بل طُرحت كخطط ومشاريع كان يتم البحث فيها في إطار مجالس الحركة الصهيونية، وتبنتها شخصيات مؤثرة ذات انتماءات سياسية مختلفة داخل الحركة.

ويلاحظ على هذه الخطط إنها سعت في الغالب لدفع الفلسطينيين إلى مناطق نائية عن فلسطين. وكان بين المناطق المقترحة، مثلًا سيناء ومناطق في الأردن ومنطقة الفرات الأوسط في العراق ومنطقة الجزيرة السورية، وكذلك اقتُرحت ليبيا والأرجنتين في مرحلة لاحقة لقيام الدولة.

وسعت الحركة الصهيونية على الدوام إلى إقناع الدول الغربية –وخصوصًا بريطانيا– باستعمال نفوذها لدى العرب لحملهم على القبول بهذه الخطط. وهناك ما يؤكد أن مشروع التقسيم الذي أوصت لجنة “بيل” الملكية به في سنة 1937 إنما جاء بوحي هذا التأثير، وقد تضمن المشروع ترحيل الأكثرية العربية عن المناطق التي خُصِّصت لليهود.

ويمكن إبراز أهم تلك الخطط على مر التاريخ على النحو التالي:

ا. خطة إيجال آلون سنة 1967:

هي خطة اقترحها السياسي والقائد العسكري الإسرائيلي إيجآل ألون على مجلس الوزراء الاسرائيلي في يوليو 1967 مباشرة بعد انتهاء الحرب، لفرض تسوية إقليمية، وتهدف إلى تحقيق ثلاثة أهداف مركزية، وهي: إقامة حدود أمنية لإسرائيل بينها وبين الأردن، ووقف سيطرة إسرائيل على شريحة سكانية عربية، وذلك للحفاظ على صبغة يهودية وديمقراطية للدولة، وتحقيق (الحق التاريخي) للشعب الاسرائيلي في (أرض-إسرائيل).

وحدد المشروع منطقة غور الأردن من نهر الأردن وحتى المنحدرات الشرقية لجبال نابلس وجنين لتبقى تحت السيادة الإسرائيلية، وهكذا أيضًا بالنسبة لمنطقة القدس وضواحيها ومنطقة الخليل. أما بقية أراضي الضفة الغربية فتعاد إلى السلطة الأردنية مع فصل تام بينها، وإقامة معبر بين هذه الأراضي وبين الأردن بواسطة لسان في ضواحي مدينة أريحا، وترحيل الفلسطينيين عبره إلى الأردن.

أما الأجزاء الأخرى من مشروع “ألون” فتطرقت إلى ضم قطاع غزة بأكمله إلى إسرائيل وتهجير اللاجئين خارج القطاع إلى الأراضي العربية المجاورة من مصر، وذلك بعد إعادة سيناء إلى مصر مع الاحتفاظ بالساحل الجنوبي الشرقي لسيناء من إيلات وحتى شرم الشيخ تحت السيطرة الإسرائيلية.

وأثار المشروع معارضة شديدة من قبل قطاعات واسعة بما فيها الحكومة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن المشروع لم يُصدق عليه إطلاقا داخل وخارج مجلس الوزراء الاسرائيلي، لكن دأب حزب العمل فيما بعد على إدراجه كجزء من رؤيته السياسية لحل الصراع الاسرائيلي العربي – الفلسطيني.[1]

ب. خطة أرئيل شارون 1970:

في عام 1970، حاول أرئيل شارون، الذي كان قائدًا في الجيش الإسرائيلي وأصبح لاحقًا رئيسًا للوزراء، تفريغ قطاع غزة من سكانه. ونقل مئات العائلات الفلسطينية في حافلات عسكرية وألقاهم في مناطق مثل سيناء التي كانت تحت الاحتلال الإسرائيلي، وعائلات أخرى وُجِّهت نحو العريش على حدود غزة.

 تضمنت خطته منح تصاريح للفلسطينيين الذين يرغبون في المغادرة من غزة للدراسة والعمل في مصر وتقديم حوافز مالية لتشجيعهم على ذلك. كان الهدف من هذه الخطة هو إحداث تغيير في التوزيع السكاني في غزة بهدف القضاء على المقاومة وتخفيف الاكتظاظ السكاني، حيث كان عدد السكان في ذلك الوقت يبلغ 400 ألف نسمة.

على الرغم من أن هذا المشروع حظي ببعض الانتشار في ذلك الوقت، إلى جانب سياسة “الجسور المفتوحة” للفلسطينيين مع مصر والأردن التي دعا إليها وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك، موشيه ديان، لكن في النهاية اقتصر الأمر على سفر الفلسطينيين إلى مصر للدراسة والعودة مرة أخرى، أو الذهاب إلى دول الخليج للعمل.[2]

ج. مشروع مستشار الأمن القومي الصهيوني جيورا أيلاند سنة 2004:

نص المشروع على أن تتنازل مصر لقطاع غزة عن مناطق من سيناء، مساحتها 720 كيلومترًا مربعًا، وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل ضلعه الأول يمتد على طول 24 كيلومترًا على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غربًا حتى العريش، وبعرض 20 كيلو مترًا داخل سيناء. إضافة إلى شريط يقع غرب كرم أبو سالم جنوبًا، ويمتد على طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدي هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حاليا 365 كيلومترا مربعا بنحو 3 مرات.

وتوازي مساحة 720 كيلومترًا مربعًا نحو 12 في المائة من أراضي الضفة الغربية. ومقابل هذه الزيادة على أراضي غزة، يتنازل الفلسطينيون عن 12 في المائة من أراضي الضفة الغربية التي ستضمها إسرائيل إليها، شاملة الكتل الاستيطانية الكبرى، وغلاف مدينة القدس (وحاليا القدس نفسها حسب سياسة نتنياهو).

ومقابل الأراضي التي ستتنازل عنها مصر لتوسيع قطاع غزة، ستحصل من إسرائيل على منطقة جنوب غربي النقب، توازي تقريبًا مساحة المنطقة التي ستتنازل عنها، وبعد ذلك تسمح إسرائيل لمصر بارتباط بري بينها وبين الأردن، من خلال حفر قناة بينهما، وستمر القناة التي يبلغ طولها نحو 10 كيلومترات من الشرق إلى الغرب، على بعد 5 كيلومترات من إيلات، وتكون خاضعة للسيادة المصرية.[3]

د. خطة يوشع بن آريه 2013:

قدم الرئيس السابق للجامعة العبرية يوشع بن آريه ما وصفه بـ “مشروع إقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء”، استنادًا إلى مبدأ تبادل الأراضي بين مصر وإسرائيل وفلسطين، الذي طرحه “أيلاند” في 2004. وبخلاف مشروع “أيلاند”، تضمن طرح “بن آريه” تخصيص أراضٍ في سيناء للدولة الفلسطينية، وتحديدًا منطقة العريش مع إنشاء ميناء بحري وخط سكك حديد دولي بعيد هن إسرائيل، ومدينة كبيرة تحتضن السكان، وبنية تحتية قوية، ومحطة لتوليد الكهرباء، ومشروع لتحلية المياه. في المقابل ستحصل مصر على أراضٍ في صحراء النقب جنوب إسرائيل بنفس المساحة التي ستمنحها للفلسطينيين في سيناء، وتبلغ نحو 700 كيلومتر مربع، مع توفير ضمانات أمنية وسياسية لإسرائيل بعدم بناء للمستوطنات في المنطقة الحدودية مع مصر، والسماح لمصر بإنشاء شبكة طرق سريعة وسكك حديدية وأنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي.[4]

هـ. وثيقة سرية لوزارة المخابرات الإسرائيلية تدعو إلى تهجير سكان غزة إلى سيناء 2023:

دعت وزيرة المخابرات الإسرائيلية؛ جيلا جمليئيل في وثيقة داخلية سرية إلى خطة لتهجير سكان غزة إلى سيناء عقب انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة عقب عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر. هذه الوثيقة تتضمن 3 مراحل: أولها؛ إنشاء مدن الخيام في سيناء جنوب غرب قطاع غزة، وإنشاء ممر إنساني لمساعدة السكان، وبناء مدن في الضفة الغربية من منطقة شمال سيناء.

وتشير هذه الوثيقة إلى إنشاء منطقة محصنة لا يستطيع السكان الذين تم إجلاؤهم العودة فيها إلى القطاع، وتدعو إلى التعاون مع أكبر عدد ممكن من الدول حتى تتمكن من استقبال النازحين الفلسطينيين من غزة. تحمل الوثيقة شعار وزارة المخابرات وتستخدم للنقاشات الداخلية بين الوزارات، وليس من المفترض أن تصل إلى الجمهور، لكنها وصلت إلى مجموعة تقوم بتأسيس حركة تسمى “مقر الاستيطان – قطاع غزة”. التي تسعى إلى إعادة الاستيطان إلى القطاع.

ويرتكز التحليل الذي تتضمنه الوثيقة على افتراضات دفعت إسرائيل منذ البداية إلى التصالح مع نموذج تقسيم القيادة الفلسطينية بين حركة المقاومة الإسلامية حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، ومواصلة قمع سياسة نزع الشرعية عن السلطة الفلسطينية باعتبارها شريكًا شرعيًا.[5]

و. دراسة معهد “مسجاف” للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية 2023:

في 17 أكتوبر 2023، نشر معهد “مسجاف” للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية ورقة موقف تدعو إلى “التوطين النهائي لجميع سكان غزة”. وتدعو الورقة إلى استغلال اللحظة الحالية لتحقيق هدف صهيوني طويل الأمد يتمثل في إبعاد الفلسطينيين عن أرض فلسطين التاريخية، وأشارت الورقة إلى أن هناك في الوقت الحالي فرصة فريدة ونادرة لإخلاء قطاع غزة بأكمله بالتنسيق مع الحكومة المصرية في مقابل دعم للاقتصاد المصري.

خلاصة القول، بدأت مخططات التهجير منذ قرن تقريبًا وحتى اليوم لا تزال تلك المقترحات تناقش وتسعى الحكومة الإسرائيلية إلى إيجاد ثغرات تحقق لها أهدافها في التخلص من ملف الفلسطينيين والقضية الفلسطينية. وتقول الشواهد التاريخية إن المخططات الصهيونية تجاه القضايا الفلسطينية المصيرية تم مواجهتها من قبل الشعب الفلسطيني بقوة من خلال الانتفاضات الفلسطينية المتكررة؛ والتي دائمًا ما كانت تقف أمام أيّ تهديد صهيوني حقيقي، بالإضافة إلى الرفض المستمر من جانب الدولة المصرية على مدار التاريخ، على الرغم من الضغوط الدولية.

وبالتمعن بالنظر في مقترحات التهجير المختلفة، يبدو أن بعضها يشير إلى أن أراضي سيناء المصرية ليست فقط هي المستهدفة من مخططات التهجير تلك؛ فالدراسة التي أصدرها معهد “مسجاف” الصهيوني على سبيل المثال اقترحت توطين سكان غزة داخل الأراضي المصرية في مدينتي السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان، ويعكس ذلك دولة الاحتلال لا تستهدف فقط أرض سيناء كحل مؤقت كما يدعي مسؤولون إسرائيليون، بل تستهدف مناطق أوسع من أراضي الدولة المصرية، لتكون ذريعة في المستقبل لمزيد من الاختراق للأراضي المصرية.


[1] Jewishvirtuallibrary, The Allon Plan (June 1967), https://www.jewishvirtuallibrary.org/s

[2] Trtarabi، تهجير الفلسطينيين إلى سيناء… مخطط الاحتلال الذي يعود لعقود مضت، 19 أكتوبر 2023، https://bitly.ws/YxoT

[3] Mohamed Abu Saada, Deal of the Century: Dimensions and Paths, eipss, 2 March، 2018, https://bitly.ws/Yxi5

[4] Chapter 67. How to resolve the conflict in one piece – a Palestinian Riviera in a maritime zone, for example, https://bitly.ws/YxmL

[5] Calcalist, The proposal of the minister of intelligence: transfer of Gaza residents to Sinai, 24 October 2023,  https://bitly.ws/YxpF

مريم صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى