القضية الفلسطينيةأوروبا

الحرب على غزة تقسّم الأوساط الأوروبية

أدت الحرب الأوكرانية إلى ظهور “أوروبا جيوسياسية موحدة” قادرة على تحديد الأهداف الدولية الاستراتيجية المشتركة ضد روسيا. ولكن على العكس تمامًا، كشفت الأحداث التي أعقبت “طوفان الأقصى” انقسامات داخل المؤسسات الأوروبية، وسلّطت الضوء على غياب نهج أوروبي استراتيجي واضح، مما قد يقوض القدرة على تحقيق أي أهداف. 

وقد كشف عدوان الاحتلال الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة عن المعايير المزدوجة التي يتمتع بها الغرب حال دخول إسرائيل أي معادلة، والتي بالطبع تحسم لصالحه. ولكن بمواصلة الكشف عن كذب الروايات والدعاية الإسرائيلية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، واستمرار فضح الانتهاكات التي تمارس بحق الفلسطينيين؛ باتت الأعين الغربية مفتوحة على الحقائق بشكل أكبر، الأمر الذي جعلنا نشهد ولأول مرة أكبر عدد من المظاهرات في البلدان الغربية التي تنادي بالحرية للشعب الفلسطيني وتطالب بوقف الاعتداءات، ما يجعل الصراع بين إسرائيل وفلسطين يمتد إلى صراع من نوع آخر بين الشعوب الغربية وحكوماتهم.

الموقف الغربي “المفكك” من حرب غزة

منذ اليوم الأول للصراع، انقسم الاتحاد الأوروبي -المتحد أمام روسيا في حربها ضد أوكرانيا- أمام مجازر وجرائم الاحتلال في قطاع غزة دون تبني خطابًا موحدًا؛ فقد أعلنت بعض الدول الغربية دعمها غير المشروط لإسرائيل وأعطتها الضوء الأخضر للقضاء على حماس، ورفضت الدعوات الرامية إلى وقف إطلاق النار، إذ ترى أن في هذا الطلب تحديدًا حرمان لإسرائيل من حق الدفاع عن نفسها. 

لكن في المقابل، بدأت أصوات أخرى تتعالى داخل الاتحاد الأوروبي معترفة بعدم تناسب الرد الإسرائيلي مع طبيعة ما حدث، وطالبت بضرورة وقف إطلاق النار وعدم الاستهتار بحياة الفلسطينيين الذين تجاوز عدد شهدائهم أكثر من 11 ألف شهيد، هذا بجانب إدانة جرائم الاحتلال، وانتقاد ازدواجية المعايير علانية داخل المؤسسات الأوروبية، والدعوة إلى البحث عن أفق سياسي أوسع لإنهاء المظالم السياسية الفلسطينية طويلة الأمد.

وقد برزت الانقسامات الأوروبية خلال كل محفل يتم الاجتماع خلاله من أجل التوصل لاتفاق حول الوضع في غزة؛ فبين مؤيد ومعارض، نجد أن الجميع يتفق دائمًا على ضرورة السماح بدخول المساعدات الإنسانية، ولكن الخلاف والانقسام دائمًا ما يدور حول الوصول إلى صيغة توافقية حول أي صراع يدور في غزة. وهذه المرة، شهدنا انقسامًا أوروبيًا ثلاثيًا (بين مؤيد ومعارض وممتنع عن التصويت) في ​​الجمعية العامة للأمم المتحدة حول قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار لأسباب إنسانية في غزة.

وتهدد إطالة أمد الحرب بتعميق هذه الانقسامات، وربما إلى درجة التأثير على الدعم العالمي وتحديدًا الشطر الجنوبي من العالم لأوكرانيا، بعد أن أثبتت الحرب أن ما تسعى أوروبا إلى تقديمه إلى غزة لا يعدو كونه قطرة في بحر مما تم ويتم تقديمه لأوكرانيا، علاوة على تقويض الجهود الرامية إلى تعزيز الاحترام لقواعد القانون الدولي، وفيما يلي أبرز المواقف الأوروبية منذ بدء الحرب على غزة:

● على صعيد الاتحاد الأوروبي نفسه، ظهر التباين الواضح بين رئيسة المفوضية الأوروبية “أورسولا فون دير لاين” الداعمة وبقوة لإسرائيل وبين الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية “جوزيب بوريل”، المعروف بنبرته المنتقدة للاحتلال قبل الأحداث الأخيرة، فقد سارعت الأولى بالسفر إلى إسرائيل دون استشارة المجلس الأوروبي الذي يمثل جميع الحكومات الوطنية، ولم تقم بإدانة إسرائيل لتهجير الفلسطينيين من القطاع، بينما أدان “بوريل” مسألة التهجير مشددًا على أنها قد تعيد خلط الأوراق الجيوسياسية وتساعد في اشتعال المنطقة. 

ولهذا نجد أن مثل تلك الانقسامات قد جعلت الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يلعب دورًا فاعلًا في هذا الملف حاليًا -وحتى في العقود الأخيرة- إذ لا يوجد أي إجماع حول من يمثل الاتحاد ويتحدث باسمه أو يتخذ قرارات تحلحل القضية بشكل متوازن، خصوصًا وأن إسرائيل حليفة الاتحاد تعارض دومًا أي مبادرة أوروبية، هذا بجانب الانسياق الأوروبي المستمر وراء ما تقوله وتقرره واشنطن، فضلًا عن أن أوروبا لا تقدم الدعم لإسرائيل بالقدر الذي تقدمه الولايات المتحدة، وبالتالي لا تتمتع بنفس النوع من نفوذ واشنطن.

● نجد أيضًا أن النمسا وألمانيا، يعدان كل ما يتعلق بإسرائيل أمرًا دبلوماسيًا صعبًا بسبب الحرب العالمية الثانية ومحاولة الهروب من عقدة ذنب النازية، فقد أعرب المستشار الألماني “أولاف شولتس” عن تعازيه للضحايا الإسرائيليين، وأدان هجمات حماس، وأعاد التأكيد على نهج المستشارة السابقة “أنجيلا ميركل” بأن حماية إسرائيل هي جزء من “قانون الدولة” الألماني وجزء من سبب وجود البلاد، ولم يكن هناك أي تعاطف يذكر مع محنة سكان غزة، بل وتم تجميد أية مساعدات للطرف الفلسطيني، وكذلك فعلت الدنمارك والسويد.

● سعت البرتغال وإسبانيا اللتان تسيطر عليهما حكومات يسارية إلى إصدار قرارات أكثر قوة إزاء إسرائيل ردًا على المجازر المرتكبة بحق شعب غزة، هذا بجانب الدعوات إلى محاكمة نتنياهو بتهمة ارتكاب جرائم حرب في غزة وانتهاكه القانون الدولي، وسط مطالبات أخرى بضرورة الاعتراف بدولة فلسطين وحل الدولتين من أجل إنهاء الصراع. وكذلك دعمت سلوفينيا وأيرلندا مطالب الوقف الفوري لإطلاق النار، مؤكدتين أن الإفراط في تقديم الدعم لإسرائيل يتسبب في الإضرار بمصداقية الاتحاد الأوروبي كمدافع عن القانون الدولي، وخاصة بعد وقوع أعداد كبيرة من الضحايا بين المدنيين في قطاع غزة.

● أما فرنسا وإيطاليا والمجر وعدد من الدول الأوروبية، فقد أعربت عن أحقية إسرائيل في الدفاع عن نفسها، وتُرجم هذا الدعم بزيارات للزعماء إلى تل أبيب. ونجد أن هذا الدعم منطقي؛ نظرًا لوجود تيارات واسعة في تلك الدول ترى إسرائيل جزءًا أصيلًا من الثقافة الأوروبية وامتدادًا لها، بجانب أن اليمين الأوروبي المتطرف الذي بدأ يسيطر على عدد من تلك الدول يرى الاحتلال بمثابة “خط الدفاع” عن أوروبا ضد الإسلاميين وموجات الهجرة القادمة من الشرق الأوسط، وليس من المستغرب أن نرى شخصيات مثل فيكتور أوربان، وجورجيا ميلوني، ومارين لوبان، تصطف بشكل كامل مع السياسة الأمنية لحكومة نتنياهو.

● أما على صعيد الأحزاب، ففي بريطانيا التي لا تقع داخل الكتلة الأوروبية ولكنها تتبع نفسح النهج تقريبًا الداعم لإسرائيل، فقد صرح “كير ستارمر” زعيم حزب العمال أنه لن يدعو أبدًا لوقف إطلاق النار، الأمر الذي أثار ضجة داخل الحزب، وقوبل بوابل من الاستقالات من قبل أعضائه الذين يريدون التصويت لإنهاء الحملة الإسرائيلية العسكرية على غزة، وقوبل بتأييد أيضًا من قبل أعضاء آخرين، وبهذا يمكن التأكيد بأن الحزب المتقدم في استطلاعات الرأي والذي ينافس المحافظين بقوة على الحكم يواجه انقسامات شديدة. وفي فرنسا، رفض حزب “فرنسا الأبية” وصف عملية “حماس” في غلاف غزة بعملية “إرهابية”.

وباختصار، نحن أمام رؤية ثنائية أوروبية للصراع، فالحكومات والأحزاب وقطاعات المجتمع ذات الميول اليمينية تدعم الرد العسكري الإسرائيلي في غزة دون شروط، الأمر الذي يدعم الرواية الإسرائيلية التي تروج لاحتمالية امتداد هجمات السابع من أكتوبر في إسرائيل داخل المجتمعات الأوروبية، وبالتالي محو الصراع الإسرائيلي الفلسطيني تمامًا من المعادلة، وتصوير هجوم حماس وكأنه خطر وجودي يأتي نتاج للتطرف الإسلامي والإرهاب. بينما على الجانب الآخر، تدعم الجماعات ذات الميول اليسارية وكذلك مجتمعات المهاجرين القضية الفلسطينية دون قيد أو شرط، إلى حد عدم إدانة هجمات حماس، إن لم يكن إضفاء الشرعية عليها بوصفها عملًا مؤسفًا لكنه ضروري من أعمال المقاومة ضد إسرائيل.

وكل ما سبق يسلط الضوء على المخاطر السياسية المستقبلية التي تواجه أوروبا، فالصراع الحالي يمثل تحديًا للائتلافات اليسارية الهشة، وسط مخاوف من أن تصبح هذه القضية قضية “انتخابية”، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية العام المقبل في عدة دول، حيث يمكن لليسار الضعيف وغير المنظم أن يخلق فرصة أكبر لليمين المتطرف الصاعد.

الرأي الآخر للشعوب الأوروبية واستجابة الحكومات له

امتدت الانقسامات الأوروبية إلى الشعوب أيضًا، فظهرت فجوة كبيرة بين الحكومات والمجتمعات الأوروبية، وبلغت التعبيرات عن “معاداة السامية” أو “كراهية الإسلام” مستويات غير مسبوقة. وعلى مدار الشهر الماضي، شهد العديد من المدن الأوروبية مثل لندن وباريس ومدريد وأثينا وروما مظاهرات مؤيدة لفلسطين تجاوزت عشرات بل ومئات الآلاف تحت لواء انتقاد دعم حكوماتهم للحرب. 

وقد فاجأت التجمعات الحاشدة السلطات، ودفعت الاحتجاجات بعض السياسيين في الدول الغربية إلى الدعوة إلى وقف المسيرات المؤيدة لفلسطين، والتهديد بفرض عقوبات لمعاداة “السامية” التي يستخدمها الغرب لخنق أي انتقاد لإسرائيل، وحتى عقوبات للدعوات التي تنادي بمقاطعة المنتجات والجهات الداعمة للكيان الإسرائيلي، وتلك التي تدعو لعدم تصديق وسائل الإعلام التي تروج للدعاية الإسرائيلية على أنها ضحية اعتداءات السابع من أكتوبر وأن لها كامل الحق في الدفاع عن نفسها.

فداخل البرلمان الأوروبي، المدافع الأول عن حقوق الإنسان، تم إسكات كل الأصوات التي تبدي امتعاضًا من جرائم إسرائيل في قطاع غزة، وتم التضييق على النواب اليساريين المساندين للقضية من التعبير عن رأيهم بحرية، لتندلع الفوضى في البرلمان عقب منع عضو إسباني من اليسار المتحد “مانو بينيدا” من ارتداء الكوفية الفلسطينية خلال الجلسة التي عقدت بعد قصف المستشفى المعمداني، وكانت هذه الواقعة كاشفة للانقسام الحاد داخل البرلمان؛ فبالرغم من إدانة البرلمان بالإجماع لهجمات السابع من أكتوبر، فإن الكتلة منقسمة بالفعل حول ضربات الجيش الإسرائيلي، إذ يريد بعض أعضاء البرلمان الأوروبي تقليل كلمات التضامن مع إسرائيل وزيادة خطاب التوبيخ.

وفي بريطانيا، كانت “سويلا برافرمان” وزيرة الداخلية من أشد المناهضين للمظاهرات السلمية الداعمة لفلسطين، متجاهلة أهمية الحق في الاحتجاج السلمي، ومتجاوزة رئيس الحكومة “ريشي سوناك” الذي لم يمانع -على مضض- وجود مثل تلك المظاهرات، ووصفتها بأنها مسيرات تدعو للكراهية، وحذرت من وجود الإسلاميين في صفوف المسيرات، داعية الشرطة البريطانية إلى وقف هذه التظاهرات.

لكن دعوات “برافرمان” قوبلت بالرفض من قبل الشرطة التي رأت في تصريحاتها زيادة للتوترات وأنها رسائل خفية لليمين المتطرف حتى يتدخل لإفسادها، ما يعقد الوضع أكثر حول كل ما يتعلق بملفات حساسة كالهجرة والاندماج والعرق وصراع الحضارات عمومًا في المجتمع البريطاني. وتم إعطاء الضوء الأخضر في النهاية للمتظاهرين المؤيدين لفلسطين باستمرار احتجاجاتهم ضد العدوان الإسرائيلي، وحدث ما كان متوقعًا باشتباك متظاهرين من اليمين المتطرف والمعادي للإسلام معهم وتم اعتقال المئات وإصابة العشرات.

ويجدر القول إن المملكة المتحدة ليست وحدها التي تتعامل بالمثل في ظل المناخ الحالي؛ ففي فرنسا، حظرت الحكومة في البداية المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين على أساس أنها قد تؤدي إلى اضطرابات، وقد اتخذ وزير الداخلية الفرنسي قرارًا مفاجئًا بحظر الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين في جميع أنحاء البلاد، لكن أعلى محكمة إدارية قامت بإبطاله. ونادى عدد من أعضاء حكومة “ماكرون” بوجوب فرض قانون يسمح بحبس المحتجين الفرنسين المناهضين لإسرائيل لمدة تصل إلى خمس سنوات، بينما على الصعيد الآخر، تم السماح بمسيرة احتجاجية ضد معاداة السامية، وتم دعوة “ماكرون” إليها حتى يتضامن مع اليهود الفرنسيين في أعقاب تزايد الجرائم المعادية للسامية في فرنسا، وقد أعلن حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بالانضمام إلى المسيرة أيضا، الأمر الذي خلق كابوسًا لحزب النهضة الذي يتزعمه “ماكرون”، حيث أنه سيضطر للظهور جنبًا إلى جنب مع الحزب المنافس. 

أما في ألمانيا، التي تعد موطنًا لأكبر جالية فلسطينية في أوروبا، فأثارت الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين الجدل أيضًا؛ بدعوى معاداة السامية ومعاداة إسرائيل. وحاولت برلين كذلك استخدام الوسائل القانونية لخنق المظاهرات، خاصة تلك التي تحمل عناوين مثل “السلام في الشرق الأوسط”، ورفضت طلبات الاحتجاجات بالرغم من عدم قانونية هذا الرفض، بل ووصل الأمر إلى حد الاعتداء على المتظاهرين واستخدام القوة لتفريقهم واعتقالهم، وضرب نظرية الحق في التعبير وحرية الرأي بعرض الحائط.

ويرجع هذا القمع إلى عقدة الذنب الألمانية بالنازية تجاه اليهود، ولهذا نجد أن القادة السياسيين وجزءًا كبيرًا من الجمهور يعترفون بمسؤولية خاصة تجاه حماية أمن إسرائيل والحياة اليهودية في ألمانيا، لدرجة طرح أفكار بسحب الجنسية أو الإقامة أو مزايا الرعاية الاجتماعية أو التمويل من أي شخص متهم بالإدلاء بتصريحات معادية للسامية، بالإضافة إلى خطة للسماح فقط “للألمان الأصليين” بالاحتجاج.

وبعيدًا عن هذه الأحداث، يبدو أن الساسة الألمان يتنافسون فيما بينهم لمعرفة من يستطيع الترويج لمعاداة السامية بأعلى صوت، فهذه التصرفات ليست وليدة حرب غزة؛ ففي العام الماضي، حظرت السلطات الألمانية جميع الاحتفالات العامة بذكرى نكبة 1948، مستهدفة الفلسطينيين بترهيبهم، ومنعهم من ارتداء الكوفيات والرموز الفلسطينية. ومع ذلك، يجادل الألمانيون بأن حكوماتهم “تحرف” التهديد الحقيقي على الحياة اليهودية في ألمانيا، خاصة بعد أن أظهرت استطلاعات للرأي أن حوالي 84% من الجرائم المعادية للسامية يرتكبها اليمين المتطرف الألماني.

استمرار الضغط الشعبي وتغيير المواقف الحكومية

أثارت التصريحات الحكومية المتوعدة لمناصري القضية الفلسطينية حالة من العناد أسهمت في زيادة وتيرة التجمعات في الدول الغربية، الأمر الذي يضع مصير الحكومات الحالية على المحك، وجعل العديد من التصريحات تتغير. هذا بجاب عوامل أخرى أسهمت في تغيير السياسة الأوروبية للتعامل مع هذا الملف، أولها ارتفاع أعداد الضحايا من الفلسطينيين وزيادة معاناتهم الإنسانية التي لا يمكن إغفالها بأي شكل من الأشكال، وثانيها أنه بات من الواضح غياب أي حل أو خطة خروج إسرائيلية أو أي تقدم في ميدان المعركة، الأمر الذي يحرج الإدارات الغربية الداعمة لإسرائيل ويضعها في موقف يحسب كل كلمة تخرج بعناية، خوفًا من أن يمتد الحراك الشعبي ضدها. 

ففي فرنسا، تمت الموافقة بعد ضغط على بعض المسيرات المؤيدة للفلسطينيين، وإن كانت على نطاق أصغر بكثير من المظاهرات في الولايات المتحدة أو بريطانيا، ودعا الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” العالم إلى العمل من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة والحفاظ على أرواح المدنيين من خلال “هدنة إنسانية”، وهي التصريحات التي يرى فيها المحللون أنها محسوبة بعناية بعد أن كان يدعو إسرائيل للمضي قدمًا في عمليتها العسكرية دون الالتفات لأي خسائر. 

كذلك الأمر في بريطانيا، فقد أدى استمرار المظاهرات رغم التصريحات والتهديدات إلى زيادة الضغط وإحراج “ريشي سوناك” وزعيم حزب العمال “كير ستارمر” لدعم وقف إطلاق النار. وعقب الاشتباكات الأخيرة الناتجة عن تصريحات وزيرة الداخلية “برافرمان”، تزايد الضغط أيضًا على الحكومة البريطانية من قبل نواب حزب المحافظين لإقالتها؛ خوفًا من تهديد استقرار الحزب الحاكم لبريطانيا والذي يعاني من اضطرابات بالفعل خلال السنوات الأخيرة ويشهد تراجعًا في شعبيته. وقد استجاب “سوناك” لتلك الضغوطات، معلنًا إقالة “برافرمان” يوم 13 نوفمبر من حكومته، دون عرض أي منصب جديد عليها.

حرب غزة اختبار قاس للوحدة الأوروبية

تتصارع أوروبا -على عكس الولايات المتحدة- مع الكيفية التي تعمل بها سياستها الخارجية في التعامل مع إسرائيل وفلسطين على تعكير صفو السياسة الداخلية؛ فالخيارات التي تتخذها الكتلة أو لا تتخذها بشأن الصراع تعمل على تشكيل وكشف خطوط الصدع بين الدول الأعضاء وداخلها، خاصة عندما يتعلق الأمر بمعارضة مواقف واشنطن. وبالتأكيد لا تريد أوروبا أن تلعب دور المتفرج السلبي على هذا الصراع وتستقبل رواياته الاستقطابية التي تقوض الأمن الأوروبي وطموحاته في الاضطلاع بدور عالمي، خاصة وأن هذا الصراع تحديدًا قد هز صورة “أوروبا الموحدة” بشكل كبير، هذا بجانب المصداقية الأوروبية في أجزاء كبيرة من العالم، ولم يعد أحد يراها كوسيط “نزيه”.

والآن باتت أوروبا أمام تحدٍ كبير يكمن في إبقاء الحربين في أوكرانيا والشرق الأوسط في أعين الرأي العام دون أن يلتفت العالم إلى “ازدواجية المعايير” تجاههما، الأمر الذي سيؤثر بالتأكيد على كونها لاعبًا مؤثرًا يريد أن يحقق تقدمًا في سباق التنافسية الجيوسياسية المتزايدة. ويكمن الخطر كذلك في أن انتقائية المعايير تتماشى تمامًا مع ما تروّج له روسيا والصين بأن النظام العالمي يفضل مجموعة محددة من البلدان، وبالتأكيد ليست دول الجنوب العالمي منها، وأن ادعاءات أوروبا بأنها تقف على الجانب الصحيح من التاريخ والقانون الدولي تبدو الآن جوفاء ومنافقة إلى حد واضح، الأمر الذي يؤكد كل الانتقادات والصور النمطية عن أوروبا المتمثلة في العنصرية والمركزية وممارستها للاستعمارية الجديدة.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى