الأزمة الأوكرانية

دعم أوكرانيا بين مستجدات الدعم الأمريكي لإسرائيل وتفكك الوحدة الغربية

منذ اليوم الأول لشرارة الحرب الروسية الأوكرانية، عزم الغرب ألا يتأخر يومًا في الدفاع عن أوكرانيا بتقديم كل ما تحتاجه من أسلحة ومعدات للانتصار في هذه المعركة التي يعتبرها الغرب معركته الشخصية ضد روسيا، ولكن بتغير دفة المشاهد السياسية في كل دولة من الدول الغربية وصولًا إلى معركة “طوفان الأقصى” وتأكيد الولايات المتحدة دعمها إسرائيل؛  قد يتراجع دعم أوكرانيا شيئًا فشيئًا إلى حد التخلف عن الوفاء بوعود المساندة، ليتوسع الصدع داخل حلف شمال الأطلسي، وتصبح أوكرانيا أمام تحدٍ جديد بين الاستسلام أو الاعتماد على نفسها لمواصلة ما بدأته.

الدعم الأمريكي بين إسرائيل وأوكرانيا

إسرائيل: مجلس الوزراء الأمني قرر تدمير قدرات «حماس» العسكرية والحكومية

تشهد الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس جو بايدن عدة تحديات حول أولويات الدعم للحلفاء، فبعد أن كان التركيز منصبًا على الحرب الروسية الأوكرانية ودعم أوكرانيا، تغيرت الحسابات قليلًا عقب الهجمات الشرسة واسعة النطاق “طوفان الأقصى” التي شنها كتائب القسام على جنوب إسرائيل، ما جعل إسرائيل تطالب بنقل الأسلحة والمعدات بشكل عاجل إليها.

وبالفعل، أمر وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن بنشر المجموعة الهجومية لحاملة الطائرات الأمريكية ” USS Gerald R Ford” في شرق البحر المتوسط هذا بجانب الأسلحة لردع حزب الله والجهات الفاعلة الأخرى التي قد تنخرط في الصراع. وطالبت إسرائيل أيضًا بصواريخ اعتراضية من طراز القبة الحديدية، وهي صواريخ أرض جو تستهدف الصواريخ المضادة، وهو طلب بررته إسرائيل بأنه ليس دليلًا على نفاد ما لديها من مخزون، وإنما خطوة احترازية تحسبًا لأي عملية قصف مستقبلية، هذا بجانب القنابل ذات القطر الصغير وذخيرة للأسلحة الرشاشة، بجانب زيادة التعاون في تبادل المعلومات الاستخباراتية.

وتدور في الأذهان الآن أسئلة حول مصير الدعم الأمريكي لأوكرانيا، والذي كان يعد الأول والأكبر عالميًا منذ اندلاع الحرب (بما يقرب من 113 مليار دولار على 4 حزم)، حيث شهدت الولايات المتحدة تخبطات داخلية حول مسألة الإنفاق الحكومي “المؤقتة” بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلس النواب، والتي من المفترض أن تمول الحكومة حتى منتصف نوفمبر القادم، وكان الخلاف حول تخصيص جزء من الموازنة الحكومية لدعم أوكرانيا كما جرت العادة منذ بدء الحرب.

فيرى الحزب الديمقراطي أنه لا بديل عن الاستمرار في دعم أوكرانيا حتى لو مثل هذا الدعم عبئًا على الموازنة الفيدرالية، فيما يرى الحزب الجمهوري أنه يجب تخفيض الانفاق خشية ألا تتحمل الولايات المتحدة فاتورة هذا الدعم كما يحدث في أوروبا الآن، بينما يرى أعضاء مجلس الشيوخ من كلا الحزبين أن الكونجرس يجب أن يلتزم بمستويات التمويل الأعلى المنصوص عليها في الصفقة التي تفاوض عليها البرلمان مع الرئيس “بايدن” من أجل استمرار المساعدات لأوكرانيا.

وبالفعل، لم يتضمن مشروع القانون -الذي وقع عليه الرئيس بايدن وصوت عليه ائتلاف من الديمقراطيين والجمهوريين في الكونجرس- أموالًا لأوكرانيا، على الرغم من توصيات البيت الأبيض ومجلس الشيوخ. ويبدو أن تمرير مشروع القانون في مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون جاء بعد ضغط شديد وتهديد بإغلاق الحكومة في ظل غياب أي بديل، فتمت الموافقة بأغلبية 335 صوتًا مقابل 91، على أن يتم التخلي عن 6 مليارات دولار كان من المفترض أن تكون لصالح أوكرانيا.

وبالنظر إلى ما يحدث مع إسرائيل، نجد أن الأمر سيتخذ مسارًا مختلفًا، فبالتأكيد ستجتمع الأصوات داخل الإدارة الأمريكية دون اختلاف حول تخصيص حزمة جديدة وعاجلة من المساعدات إلى إسرائيل، وهذا ما أكده “بايدن”، ويمكن أن تكون عمليات نقل الأسلحة جزءًا من هذه الحزمة. ولكن من غير المعروف حتى الآن كيف سيتم الاتفاق والتصويت على هذه الحزمة دون وجود رئيس لمجلس النواب عقب إقالة الجمهوري “كيفن مكارثي” جراء الصراع الأخير داخل الكونجرس. ولكن هناك مخرج أمريكي لهذه المعضلة يتمثل في “الإفراج عن مخزون الذخيرة الأمريكية المخزن في إسرائيل” لحالات الطوارئ، والذي كان يستخدم أيضًا لإرسال جزءًا منه لأوكرانيا خلال عامي 2022 و 2023، على الرغم من موقف إسرائيل برفض هذا الدعم خوفًا من أجل الحفاظ على علاقتها بروسيا التي تجمعهما مصالح مشتركة.

وكانت إسرائيل قد طالبت مرارًا بتعويض الذخيرة المرسلة إلى أوكرانيا من المخزون الاحتياطي تحسبًا للمعارك المستمرة مع الفصائل الفلسطينية أو حزب الله وغيرها، خاصة وأنها تؤكد أن المخزون الحالي لم يحدَّث منذ ما قبل إدارة أوباما، كما أنه لا يحتوي إلا على قذائف غير موجهة، وهي التي لا تحتاجها بشدة حال اندلاع حرب، ولكن الولايات المتحدة بسبب التركيز على حرب أوكرانيا لم تقم بتحديث هذا المخزون، فالأمر كان يعتمد على وتيرة التصنيع الأمريكية لهذه الذخائر.

ومن هنا نجد أن كل هذه الإجراءات السريعة والعاجلة من أجل إسرائيل ستضع الإدارة الأمريكية في حرج واضح أمام أوكرانيا، ولكن الولايات المتحدة بدورها تؤكد أن أي مساعدة عسكرية لإسرائيل لن تؤثر على قدرتها على مواصلة إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا، حيث يستخدم البلدان أنظمة مختلفة.

وعلى الصعيد الشعبي الأمريكي من حرب أوكرانيا، فوفقًا لاستطلاع رأي أجراه “مركز شيكاغو للشؤون العالمية“، فقد أيد 63% من الأمريكيين استمرار المساعدات لأوكرانيا في حربها ضد روسيا مقارنة بـ 72% العام الماضي، في حين يرى 53% بشكل عام أن الحرب تستحق التكلفة التي تقدر بـ 43 مليار دولار من أصل 76 مليار دولار لصالح الأسلحة والمعدات والتدريب التي قدمتها الولايات المتحدة، بينما يرى 45% أن الأمر لا يستحق تلك التكلفة، مع العلم أن النسبة التي تراجعت عن تأييد استمرار المساعدات يدعمون الحزب الجمهوري.

وعلى الرغم من أن إدارة “بايدن” تواصل تأكيد التزامها بدعم أوكرانيا مهما استغرق الأمر، فإن الأمريكيين أصبحوا أقل تعاطفًا مع المجهود الحربي منذ بدء الحرب، وهي الورقة التي يستغلها الجمهوريون. ويُظهر استطلاع الرأي أيضًا أن ما يقرب من نصف الجمهور الأمريكي (47%) ما زال يقول إن الولايات المتحدة يجب أن تدعم أوكرانيا طوال الوقت، حتى على حساب ارتفاع أسعار الغاز والغذاء، بينما يريد النصف الآخر دعم الولايات المتحدة لحث أوكرانيا على بدء محادثات السلام مع روسيا، حتى ولو على حساب بعض الأراضي الأوكرانية. 

ومع استمرار التخبطات في الداخل الأمريكي واقتراب الانتخابات، قد يستمر تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا في ظل تراجع الاهتمام الشعبي بأخبار الحرب، وانخفاض الاعتقاد بأن روسيا تشكل تهديدًا خطيرًا لمصالح الولايات المتحدة. ولكن مع ذلك لا يبدو أن الحزب الديمقراطي سيتخلى عن وعوده للأوكرانيين بسهولة؛ فبالرغم من موافقته على الموازنة المؤقتة هذه المرة تحت ضغط إغلاق الحكومة، فإنه سيعمل الفترة المقبلة على تصحيح المسار بشأن المجهود الحربي لأوكرانيا، حتى لو أن ذلك يعني استمرار التوترات بينه وبين الحزب الجمهوري، خاصة وأن الرئيس “بايدن” يضغط أيضًا على الجمهوريين لدعم تشريع جديد لمساعدة أوكرانيا “بشكل منفصل” عن فجوة الإنفاق المؤقتة دون موافقة الكونجرس.

تزايد تصدعات الجبهة الأوروبية

على الرغم من الالتفاف الأوروبي وراء دعم أوكرانيا منذ بداية الحرب، وتوجيه مساعدات عسكرية ومالية ضخمة إلى أوكرانيا، جنبًا إلى جنب مع فرض حزم متوالية من العقوبات على روسيا؛ فإن هذا الالتفاف كان يُواجه دائمًا بتصدعات واختلافات كبيرة داخل الجبهة الأوروبية، بدأت في التزايد خلال الفترة الأخيرة.

1 – المجر.. الرفض منذ البداية: كانت المجر هي المُنشئ للشقاق بين دول أوروبا الشرقية، حيث رفضت إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا منذ البداية داعيةً إلى السلام وتكثيف المحادثات حوله كحل للحرب، محذرة الناتو من الانخراط في الصراع، ومنتقدةً للعقوبات المفروضة على روسيا، فهي ترى أن خطة بروكسل لإبعاد أوروبا عن الطاقة الروسية تتعارض مع مصالحها، خاصة وأن المجر تتأثر بشدة من قطع إمدادات النفط والغاز الروسية.

روسيا تجد حليفاً في أوروبا - 18.02.2015, سبوتنيك عربي

وفي 25 سبتمبر الماضي، أعلن رئيس الوزراء المجري “فيكتور أوربان” إنهاء دعمه لأوكرانيا في الشؤون الدولية، ويرجع السبب في ذلك إلى استياء حكومة “أوربان” من أوكرانيا بسبب قانون أوكراني أقرته كييف في 2017 “يقيّد” استخدام لغات الأقليات في أوكرانيا، وتدّعي المجر أن هذا القانون ينتهك حقوق ذوي الأصول المجرية البالغ عددهم 150 ألف شخص في أوكرانيا في استخدام اللغة المجرية، وخاصة في التعليم، ما يعني أن أوكرانيا تريد تحويل المدارس المجرية إلى أوكرانية أو إغلاقها، ولهذا ترى الحكومة المجرية أنها لن تدعم أوكرانيا في أي قضية حتى يتم تعديل القوانين بما يضمن حقوق المجريين.

وردًا على موقف بودابست، يفكر المسؤولون في الاتحاد الأوروبي في إطلاق ما يصل إلى 13 مليار دولار من المساعدات التي حجبها الاتحاد عن المجر بسبب المخاوف من أن “أوربان” قد تسبب في تقليص استقلال محاكم البلاد، ولعل التهديد بمثل هذه العقوبة قد يدفع المجر إلى أن توافق على تقديم المساعدات لأوكرانيا ودعم الجهود الرامية إلى فتح محادثات الانضمام للاتحاد الأوروبي.

2 – صدام الحلفاء بولندا وأوكرانيا: على غير المتوقع، أعلنت بولندا أنها لن تشارك بعد الآن في الاتفاق الجماعي على دعم أوكرانيا، بعد أن كانت من أوائل الدول التي نقلت أسطولًا كاملًا من طائراتها المقاتلة، وكانت أول دولة ترسل نظام دفاع جوي لكييف، وهو نظام “MiG-29″، وهو نظام الدفاع الجوي الوحيد من طراز S-300 الذي تمتلكه، ومنحت كييف نحو ثلث أسلحتها بقيمة 4 مليارات دولار، هذا بجانب المساعدات الإنسانية، فضلًا عن أنها كانت نقطة العبور الرئيسة لحركة أسلحة دول الناتو الأخرى إلى أوكرانيا، بالإضافة إلى دور وارسو المهم في الإصرار على انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي، وحث أعضاء الاتحاد الأوروبي والناتو لإرسال المزيد من الأسلحة لكييف. 

ولكن كان لوارسو أسبابها الخاصة لهذا التغير المفاجئ من كييف، ولعل أبرزها يكمن في: 

النزاع حول تصدير الحبوب الأوكرانية وتأثيرها على المصالح البولندية: ففي الأسابيع الأخيرة، قيدت وارسو استيراد الحبوب الأوكرانية إلى أوروبا نتيجة لإغلاق روسيا للبحر الأسود أمام التجارة البحرية الأوكرانية، وذلك لحماية المزارعين والأسواق البولندية، وانضم لهذا القرار المجر وسلوفاكيا في تحدٍ جماعيّ لقرار الاتحاد الأوروبي برفض الحظر.

صدام دبلوماسي في الأمم المتحدة: أدى قرار تقييد استيراد الحبوب البولندي إلى جعل أوكرانيا تتهم وارسو “بالخيانة”، وأدلى الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” بتصريحات قاسية أثناء مشاركته في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة تفيد بأن بعض الدول المجاورة، رغم تأييدها العلني لأوكرانيا، تتخذ خطوات من شأنها تعزيز جهود روسيا في الحرب، مشيرًا إلى بولندا، ليرد رئيس وزراء بولندا “ماتيوز موراوسكي” مشددًا على أن أوكرانيا بحاجة إلى أن تكون “أكثر امتنانًا” للدور الذي لعبته معها بولندا منذ بداية الحرب، ومن قبل الحرب بسنوات. ووصل الأمر إلى تعقيد دبلوماسي بين البلدين، واستدعى البلدان السفراء.

صراع داخلي بشأن استمرار دعم أوكرانيا: بعيدًا عن أزمة الحبوب، فهناك أسباب متجذرة في الداخل البولندي ساعدت على تأزم الوضع بين البلدين، فمنذ انخراط بولندا في عملية دعم أوكرانيا بالسلاح ولعب دور نقطة العبور للقوات والمعدات، بدأت الأصوات في الداخل تتهم الحكومة البولندية بهدر الموارد، وتؤكد أن هذا الدعم “يثقل” كاهل الاقتصاد البولندي الذي يعاني بالأساس، وهذه حجة جيدة تستخدمها أصوات المعارضة للحزب الحاكم الحالي لزعزعة الرأي العام مع اقتراب الانتخابات التشريعية.

الحاجة لتعزيز قدرات الجيش البولندي: نظرًا لعدم معرفة الوقت الذي ستحسم فيه هذه الحرب، ولعدم معرفة إلى متى يمكن أن تستمر عملية الدعم لأوكرانيا، تفكر بولندا في أسوأ السيناريوهات، وهو أن تندلع حرب عالمية ينخرط بها الجميع، وبالتالي سيكون من الأولوية أن يتم تعزيز الجيش البولندي للدفاع عن نفسه أولًا وقبل أي شيء.

استرجاع المواقف الأوكرانية الماضية المعادية لبولندا: لعل التصادمات الأخيرة كانت سببًا في استرجاع بعض المواقف في الماضي التي خذلت فيها أوكرانيا بولندا، ففي يوليو الماضي، تبنى البرلمان البولندي قرارًا يتضمن “اعتراف أوكرانيا بالذنب” فيما يتعلق بمذبحة “فولينيا”، وهي ما تعرف بمذبحة التطهير العرقي المناهض لبولندا الذي نفذه القوميون الأوكرانيون في بولندا التي احتلتها ألمانيا خلال صيف عام 1943، والتي كانت تستهدف العسكريين والمدنيين معًا.

وبرغم كل الأسباب الماضية، أعلنت بولندا أنها ستحترم اتفاقيات الأسلحة من جانبها التي تم إبرامها بالفعل مع أوكرانيا، هذا بجانب السماح للدول الأخرى بشحن أسلحتها إلى أوكرانيا عبر الأراضي البولندية، ولكن هذا النزاع يسلط الضوء على مدى الصعوبة التي سيواجهها الاتحاد الأوروبي في ضم أوكرانيا في ديسمبر المقبل، وهي خطوة تتطلب دعمًا بالإجماع من جميع الدول الأعضاء في الاتحاد البالغ عددها 27 دولة، وقد تقف بولندا –ودول أخرى- في وجه هذا الانضمام.

3 – سلوفاكيا تنتخب رئيسًا مواليًا لروسيا: اتسعت دائرة التخلي عن أوكرانيا واتسع الصدع داخل حلف شمال الأطلسي بانضمام سلوفاكيا –الدولة في حلف الناتو- إلى المجر وبولندا عقب الانتخابات الأخيرة، فقد أدى فوز “روبرت فيكو” وحزبه اليساري الشعبوي “Smer-SSD” بنسبة 23% من الأصوات، بتنفيذ وعوده التي على أساسها تم انتخابه، والتي تمثل أبرزها في التوقف عن إرسال ولو رصاصة واحدة إلى أوكرانيا” والتركيز على مشكلات الداخل السلوفاكي، ومعارضة العقوبات الغربية على روسيا والدعوة إلى التقارب مع موسكو عقب انتهاء الحرب، فضلًا عن التعهد باستخدام حق النقض ضد عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي إذا ما سنحت لسلوفاكيا هذه الإمكانية.

وبهذا، تتحول سلوفاكيا من أوائل الداعمين لكييف جارتها الشرقية في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي إلى آخر المتخلين عنها فيما يخص المساعدات العسكرية والتسليح، وسط تعهدات قد تكون إيجابية تتضمن عدم توقف المساعدات الإنسانية “حال انتهاء الحرب”، ومشاركة سلوفاكيا في إعادة إعمار أوكرانيا، وإذا استطاع “فيكو” تشكيل حكومة ائتلافية، فإن تنفيذ وعده سيصبح أمرًا واقعًا على أوكرانيا.

وكانت سلوفاكيا المشتركة في الحدود مع أوكرانيا قد أرسلت إليها منذ بداية الحرب ذخائر ومدافع هاوتزر ودفاعات جوية تنوعت بين صواريخ أرض جو وطائرات هليكوبتر، كما رحبت بعشرات الآلاف من اللاجئين، ليصل العدد إلى 100 ألف لاجئ، وهو رقم ملحوظ بالنسبة لبلد يبلغ عدد سكانه 5.4 ملايين نسمة فقط.

إلى أين يتجه الدعم الغربي لأوكرانيا؟

يتساءل الحلفاء الغربيون لأوكرانيا حول المدة التي سيستمرون فيها في دعمهم المالي والعسكري، خاصة وأن الهجوم المضاد الذي شنته أوكرانيا لم يحقق تقدمًا كبيرًا بعد، ما جعل زعماء الاتحاد الأوروبي يشعرون باليأس من هذا الدعم، ويعيدون ترتيب حساباتهم بما يحقق مصالح دولهم الشخصية، حتى ولو كان ذلك يعني التخلي عن الجبهة الموحدة ضد موسكو.

ومن الممكن أن نشهد تحالفات بين زعماء الدول الذين أعلنوا التراجع عن دعم كييف تضمن العودة إلى الصف الروسي وتوطيد العلاقات مع موسكو، مما يزيد من احتمال حدوث المزيد من الخلافات مع بروكسل التي تتبنى نهجًا موحدًا حول التعامل مع موسكو. وعليه، قد يستفيد الاتحاد الأوروبي من نفوذه ويقوم بحجب الدعم المالي عن تلك الدول أو فرض عقوبات، خاصة وأن “سلوفاكيا” مثلًا تحتاج لهذا الدعم بشدة، حيث من المتوقع أن يصل العجز المالي بها إلى 6,85% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وهو الأعلى في منطقة اليورو.

في صور ـ التسلسل الزمني لعام من الحرب في أوكرانيا

ويبقى الخوف من أن تتسع دائرة التخلف عن دعم أوكرانيا من قبل باقي الدول الأوروبية وإن لم يكن بها نفس الظروف، خاصة وأنه سيتعين عليها تعويض النقص الذي سيسببه انسحاب تلك الدول من عملية الدعم، الأمر الذي سيزيد من الأعباء على موازنات هذه الدول، وقد لا تصمد كثيرًا أمام تحمل تكلفة هذه الفاتورة.

وعلى المدى القصير، فهناك عقبة قادمة ألا وهي إقناع الدول الأصغر في الاتحاد الأوروبي بقبول تحول جوهري في التوازن الاقتصادي للكتلة بانضمام أوكرانيا إليها؛ إذ ستحصل أوكرانيا على دعم من الكتلة على مدار السنوات المقبلة، فقد قدر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب حتى ذلك الحين بنحو 411 مليار دولار، وستزداد هذه التكلفة بالطبع كلما طال أمد الحرب، مما يجبر بعض الدول الأعضاء على التحول من متلقٍ صافٍ لسخاء الاتحاد الأوروبي إلى دافعين فقط، وستصبح كييف أيضًا أكبر متلقٍ للإعانات الزراعية، حيث ستخفض المدفوعات لجميع الولايات الأخرى بنحو 20%، الأمر الذي يهدد دول الاتحاد ذات الصدارة في هذا المجال وقد لا يجتمع الأعضاء على رأي واحد لتوسيع الكتلة وبالتالي خذل أوكرانيا مجددًا.

ووفقًا لما سبق، نحن أمام احتمالات قائمة بأن ينقلب الوضع إلى صدع مؤثر في وحدة صف حلفاء أوكرانيا، فإما أن يحكم هذه الخلافات العوامل الظرفية التي قد تزول بمجرد زوال الأسباب، أو أنها ستستمر بما يضعف موقف كييف ويقوض وضعها أمام الانتصار في الحرب أمام روسيا التي ترى ما يحدث الآن من ارتباك في المعسكر الغربي بمثابة انتصار ولو كان مؤقتًا.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى