مقالات رأي

منافسة إقليمية كبرى على توسعات “تسلا” الجديدة

تمتلك شركة “تسلا” الأمريكية العملاقة حاليًا ستة مصانع لإنتاج السيارات الكهربائية، وتعمل على بناء مصنع سابع في المكسيك بولاية “نويفو ليون” الشمالية، كجزء من خطة الشركة الأولى لصناعة السيارات ذات التقنية المتطورة لتوسيع بصمتها العالمية. وما إن أعلن “إيلون ماسك” مؤسس ومالك شركة تسلا موتورز اعتزامها إنشاء مصنع جديد لها في منطقة الشرق الأوسط، حتى احتدمت المنافسة بين عديد من الدول التي تتطلع للاستحواذ على هذا النوع المتقدم من الاستثمار، بأن يكون المصنع الجديد على أراضيها من خلال إبرام صفقة تقدم أكبر قدر من التسهيلات للشركة الرائدة، من أجل إغرائها باتخاذ قرارها في هذا الصدد.

أول الدول التي أعلنت اهتمامها بهذا الأمر ودخلت فعليًا حلبة المنافسة من خلال تفاوض يجري في مراحله الأولى بينها وبين شركة “تسلا” هي المملكة العربية السعودية؛ فبحسب كل من “رويترز” و”وول ستريت جورنال”، بدأت السعودية مع الشركة تقديم عرض لإقامة مصنع لها في المملكة. والرياض، كما جاء في التقارير المنشورة، تحاول اجتذاب شركة “تسلا” عن طريق منحها حق شراء كميات معينة من المعادن والفلزات التي تحتاج إليها، من دول عديدة تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وجدير بالذكر أن هذا الاهتمام السعودي بتقنيات السيارات الكهربائية لم يبدأ مع إعلان شركة “تسلا موتورز” التوسع في منطقة الشرق الأوسط؛ فصندوق الثروة السيادي السعودي هو أكبر مستثمر في مجموعة “لوسيد موتورز” إحدى شركات السيارات الكهربائية الأمريكية الناشئة التي تتطلع إلى تحدي هيمنة “تسلا” على قطاع إنتاج السارات الكهربائية.

شركة “لوسيد” التي يقع مقرها الرئيس في “وادي السليكون” الشهير، تقدم نفسها منذ ضخ الاستثمارات السعودية فيها باعتبارها تستند إلى معرفة عميقة وخبرة استثنائية مكتسبة من مجالي التكنولوجيا وصناعة السيارات. ويقود هذا فريق محترف نحو مستقبل أكثر استدامة، بينما تستخدم تقنياتها الخاصة في صناعة المركبات الكهربائية لتعيد ابتكار تصنيف فئة كل نوع من السيارات التي تبنيها.

وهناك أيضًا في فلك الاهتمام السعودي شركة “ترافيجورا” العملاقة لتجارة السلع الأولية لتنفيذ مشروع متعثر لمعادن الكوبالت والنحاس في الكونغو الديمقراطية، هذا من شأنه أن يساعد المملكة على تزويد مصنع “تسلا موتورز” المحتمل بإمدادات المواد الأولية المطلوبة؛ فشركة “ترافيجورا” تمثل كيانًا عالميًا رائدًا في مجال تجارة المعادن والفلزات، وهي تعمل مع شركات التعدين والصهر والشركات المصنعة للمعادن المكررة والمؤسسات العامة المعنية بهذا المجال في عديد من بلدان العالم صاحبة الثروات الكبرى من تلك المواد.

كما أن لترافيجورا نشاط مواز لا يقل أهمية عن سابقه بل هو أكثر ارتباطًا به، عبر الاستثمار في محطات الخدمات اللوجستية متعددة القنوات، وتعمل على إقامة تحالفات استراتيجية والتفاوض بشأن إبرام اتفاقيات لشراء الطاقة، وتطوير الموانئ المتخصصة في تكرير البترول وتسويقه ونقله إلى مختلف مناطق الطلب والاستهلاك. المثير للانتباه أيضًا أن “ترافيجورا” وضعت على موقعها التعريفي أنها فضلًا عن انخراطها في تطوير سلاسل الإمداد التقليدية لإيجاد أسواق جديدة، إلا أن خبراتها في هذا المجال موجهة في هذه الفترة إلى نشاط “الطاقة المتغيرة”، وأنها بصدد إثبات وجودها وترسيخ مكانتها في قطاع مصادر الطاقة المتجددة، التي تعتبره الشركة العملاقة سريع التطور، تتجهز له عبر سلسلة جديدة من الارتباطات الاستراتيجية المستهدفة. 

هناك تركيا هي الأخرى دخلت على خط هذا التنافس؛ بغية تحقيق صفقة محتملة مع “تسلا موتورز”، بعد أن أُعلن أن هناك طلبًا من الرئيس التركي رجب أردوغان من الرئيس التنفيذي للشركة “إيلون ماسك”، كي يقوم الأخير ببناء مصنع للشركة في تركيا، وفقًا لما أعلنته دائرة الاتصالات بالرئاسة التركية مؤخرًا، وأفصحت أن “إيلون ماسك” يعتبر تركيا بالفعل ضمن أهم المرشحين لبناء مصنعه المقبل، نظرًا لسابق التعاون بين “تسلا موتورز” وعدد كبير من الموردين الأتراك.

على هامش زيارة الرئيس التركي الأخيرة للولايات المتحدة لحضور “الدورة 78” للجمعية العامة للأمم المتحدة، جرى لقاء بين الرئيس “أردوغان” وإيلون ماسك عقد فيما يسمى بـ”البيت التركي”، وهو ناطحة سحاب تقع بالقرب من مبنى الأمم المتحدة. وخلال هذا اللقاء، تعززت الخطوات التركية على مضمار المنافسة، خاصة بعد أن أكد الرئيس التركي اهتمام بلاده بالانفتاح على التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي ومشروع الإنترنت عبر الأقمار الصناعية الذي تعمل عليه شركة “سبيس إكس” “ستارلينك” التابعة لإيلون ماسك.

وقد أعرب “ماسك” بالفعل أن “سبيس إكس” تتشارك الاهتمام مع الجانب التركي، وترغب في العمل مع السلطات التركية للحصول على الترخيص اللازم لتقديم خدمة “ستارلينك” الفضائية في تركيا، وفي هذا السياق وكدلالة على قدر التوافق الكبير بين الرجلين، حرص إيلون ماسك على إعلان موافقته لحضور مهرجان “تكنوفست” التركي للفضاء والتكنولوجيا، الذي سيعقد في أزمير نهاية شهر سبتمبر الحالي، عقب تلقيه دعوة من الرئيس التركي.

المنافسة شرسة ومحتدمة ولم تقف عند حد السعودية وتركيا، فهناك أخبار تتداول لم تتكامل بعد عن دخول إسرائيل هي الأخرى على خط السعي للاستحواذ على المصنع الجديد على أراضيها. خاصة وأن المسعى الإسرائيلي يأتي بجهد شخصي من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حيث تردد أنه قام بنفسه بإجراء اتصالات مع “إيلون ماسك” وتحدث معه بهذا الشأن. وبدأت إسرائيل في تحريك بعض الشخصيات ذات الارتباط بها داخل الولايات المتحدة، كي تقوم بجهود وساطة من أجل إتمام تلك الخطوة التي ترى إسرائيل أنها الأولى بالحصول عليها.

وتراهن إسرائيل على قدراتها التكنولوجية التي تمتلك منها “بنية تحتية” متميزة، ستتعزز بلا شك في حال تمكنت من نسج شراكة مهمة بهذا الوزن. وقد بدأ عدد من رجال الأعمال اليهود الأمريكيين بالفعل السير على هذا المضمار، من أجل تحقيق السبق في اجتذاب هذا النوع المتطور من الاستثمار الذي يوصف بأنه “مضمار المستقبل” بلا منازع، خاصة وأن جزءًا من السعي الإسرائيلي بدأ يعد محفظة استثمارية متكاملة، ربما لا تقف عند حد الاستثمار التقني المتطور وحده، بل قد يشمله استثمار سياسي كبير أيضًا عبر إدخال شركاء إقليميين على خط المشروع الذي من الممكن أن يمثل بداية لشراكات قادمة تعبر عن متغيرات وتفاعلات الإقليم الذي يدخله “إيلون ماسك” بمجموعة شركاته الكبرى بخطواته الأولى التي ستطمح لاحقًا للمزيد دون شك.

د. خالد عكاشة

المدير العام للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى