أفريقيا

دوافع الصين للوساطة في النيجر

لم يكن الانقلاب الذي شهدته النيجر في يوليو الماضي الانقلاب الأول أو الأخير منذ تاريخ استقلالها قبل 63 عامًا والذي أسفر مؤخرًا عن الإطاحة بالرئيس محمد بازوم ودخول البلاد في فترة فرض عقوبات من قوى غربية ستؤدي إلى المزيد من الضغوطات على أوضاعها الاقتصادية المتراجعة حسب مؤشر التنمية العالمي ووجود تقديرات من البنك الدولي لعام 2021 حول أن 40% من سكان النيجر يعيشون تحت خط الفقر المدقع وذلك رغم الثروات التي تمتلكها نيامي.

تباينت مواقف القوى الكبرى من انقلاب النيجر في حدتها وليس في اتجاهها، فقد ذهبت أغلب الاتجاهات تقريبًا إلى إدانة الانقلاب والمطالبة بالعودة للمسار الديمقراطي، وتتباين الدوافع التي جعلت هذا الموقف موحدًا تقريبًا؛ ففي الوقت الذي تحركت فيه دول لإدانة العدوان حماية لمصالحها السياسية، تحركت قوى أخرى وعلى رأسها الصين مدفوعة بحماية مصالحها الاقتصادية، فمنهج بكين أنها لا تتدخل في الأمور السياسية وما يهمها فقط هو المكاسب الاقتصادية. 

الاقتصاد أولًا

في بعض الأحيان، يُنظر إلى التعاملات الاقتصادية الصينية مع الدول الأفريقية التي تحدث فيها انقلابات بأنها هي التي تساعد هذه القوى الانقلابية على الاستمرار لأن بكين ستتعامل مع أي قوى في السلطة لحماية مصالحها الاقتصادية دون الاهتمام كثيرًا لمدى شرعيتها.

وفي هذا الإطار، أبدت بكين رغبة مؤخرًا في التوسط في أزمة النيجر، مشيرة إلى أنها تأمل في أن تتمكن النيجر والدول الإقليمية من حل الأمور بنفسها. وتشير السوابق في منطقة الساحل -وهي المنطقة التي تمتد أفقيًا جنوب الصحراء، والتي عانت مؤخرًا من عدم الاستقرار السياسي- إلى أن الصين لن تتدخل خارج نطاق بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وبينما فرض الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ومجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس) عقوبات على الرئيس النيجري مامادو تانجا في عام 2009 بسبب حل البرلمان والسلطة القضائية في مسعى لإلغاء الحدود القصوى لفترات الرئاسة، واصلت الصين سياسة عدم التدخل. 

ويعد من أهم دوافع الصين للعب دور الوسيط في النيجر حجم الاستثمارات التي تريد بكين حمايتها في نيامي؛ فقد وقعت شركة سينوبك الصينية اتفاقًا مع حكومة النيجر لمزيد من التعاون في مشروعات النفط والغاز. ولكن مصالح الصين في النيجر تمتد إلى ما هو أبعد من النفط، فتشمل: محطات الطاقة الشمسية، والتنمية الزراعية، والبنية الأساسية، والبناء. وبصرف النظر عن مواردها الوفيرة من النفط واليورانيوم، تعد النيجر أيضًا شريكًا مهمًا في مكافحة الإرهاب، حيث تستضيف الآلاف من القوات الغربية وقواعد الطائرات بدون طيار، بوصفها كانت واحدة من آخر الديمقراطيات في منطقة الساحل التي تمتد من ساحل غرب المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر. 

 في إطار الاستثمارات، تأتي الكثير من المشاريع من شركة بتروتشاينا الذراع التجارية لشركة النفط المملوكة للدولة والتي أنفقت المليارات في بناء مصافي النفط الرئيسة في النيجر واستكشاف حقولها النفطية، على أمل الحصول على الحصة الأكبر من عائدات النفط، حيث كانت بكين أول الواصلين عندما بدأت الحفر في منطقة الساحل في 2008 واحتلت اقتصاديًا مكان الغرب الذي غادر بعد أن أصبحت المنطقة محفوفة بالمخاطر بفعل موجات الإرهاب.

وتنفق الشركة الصينية ستة مليارات دولار على توسيع إنتاج حقول “أجاديم” للتصدير إلى السوق الدولية، وعند اكتمال خط الأنابيب الجاري إنشاؤه سوف يمتد لمسافة 1200 ميل من حقول نفط أجاديم في النيجر عبر بنين إلى المحيط الأطلسي، وسيزيد إنتاج البلاد من النفط بأكثر من 450%. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع المشروع قد اكتمل في مارس لكن ما يحدث له الآن غير واضح خصوصًا بعد الانقلاب الذي شهدته النيجر وحجم العقوبات المفروضة عليها.

ذلك في الوقت الذي تصر فيه بنين على أن العقوبات لم تؤثر على البناء، لكنها اعترفت بأنه سيكون هناك تأخير مع الأخذ بالحسبان أن عائدات التصدير من الخط الجديد تعد بمثابة شريان حياة مستقبلي للحكومة العسكرية في النيجر. وقد وصفت حكومة النيجر مشروع خط الأنابيب الذي تبلغ تكلفته 4 مليارات دولار -والذي سيربط حقل أجاديم النفطي في النيجر بميناء كوتونو في بنين- بأنه أكبر استثمار في البلاد منذ استقلالها عن فرنسا في عام 1960.

ومن هنا يمكننا أن نفهم أن الصين ستدعم أيًا من يكون في السلطة؛ لحماية مصالحها الاقتصادية، وربما تسعى حاليًا للوصول إلى الاستقرار السياسي في النيجر بغض النظر عن نوع الحكومة الموجودة أو شرعيتها لأن بعض مشاريع الصين الاستثمارية الضخمة في النيجر باتت مهددة وعلى وجه التحديد مشروع السد الصيني بقيمة 800 مليون دولار، فقد حيث أشارت مصادر إعلامية إلى إمكانية تعليق أعمال البناء وهو ما أكدته  مجموعة جيزوبا الصينية المسؤولة عن مشروع كاندادجي للطاقة الكهرومائية في النيجر حول تعليق أعمال البناء، مشيرة إلى تجميد جزء كبير من أموالها بسبب العقوبات السائدة في أعقاب الانقلاب. إضافة إلى الانتكاسة المتوقعة لخط الأنابيب والذي كان من المقرر له أن ينتهي بنهاية هذا العام.

لكن الانقلاب في النيجر ليس هو الأزمة الوحيدة التي تواجه الصين؛ فمنطقة الساحل الأفريقي تمر بحالة من عدم اليقين حيث يعكس المشهد الجيوسياسي الحالي خروجًا صارخًا عن أية توقعات متفائلة. وقد ألقى تصاعد التوترات الأخيرة في المنطقة، والذي حفزه التدخل العسكري الوشيك من جانب المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا بظلاله على استقرار المنطقة برمتها، خصوصًا أن أي تدخل عسكري -ما لم يكن قصير الأمد وفعال- يمكن أن يتصاعد ويحدث فوضى ويسبب المزيد من الاضطراب الاقتصادي. 

ونتيجة لذلك، فقد أصبحت جدوى مشروع خط الأنابيب والنطاق الأوسع للاستثمارات الصينية في المنطقة موضع شك متزايد، مما يستدعي إعادة تقييم التوقعات والاستراتيجيات في ضوء الديناميكيات الجيوسياسية المتطورة. ولكن حتى الآن لا يبدو أن المسألة تمثل رادعًا على المستوى الاقتصادي لبكين التي أكدت أنها ملتزمة بمشاريعها، وربما الرادع الوحيد لها هو تحول المسألة إلى حرب أهلية.

تنافس مع القوى الكبرى

ليست الصين هي القوة الدولية الوحيدة المهتمة بالنيجر؛ فهناك اهتمامات متباينة من فرنسا وروسيا والولايات المتحدة. وبالتركيز على الولايات المتحدة، ففي السنوات الأخيرة، أصبحت النيجر أهم مركز عسكري أمريكي في غرب أفريقيا. وللولايات المتحدة 1100 جندي في البلاد، بالإضافة إلى قواعد جوية للاستطلاع. وتعد القواعد العسكرية لواشنطن -والتي توجد في كل منطقة من مناطق العالم تقريبًا، بما في ذلك عدد من القواعد العسكرية في النيجر- واحدة من أكثر الطرق فاعلية للولايات المتحدة لإبراز القوة والحفاظ على مكانتها كقوة عسكرية عظمى في مواجهة الإرهاب. 

وما بدا واضحًا أن الولايات المتحدة تريد الاحتفاظ بقواعدها العسكرية في النيجر ومواصلة جمع المعلومات الاستخبارية والعمليات الهجومية ضد الجماعات الإرهابية، وهو ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحفاظ على علاقات دبلوماسية وعسكرية مميزة مع السلطات السياسية في البلاد. ففي الثالث من أغسطس الماضي دعا الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى إطلاق سراح “بازوم” وعائلته على الفور، وإلى “الحفاظ على الديمقراطية التي اكتسبتها النيجر بشق الأنفس”. وفي العاشر من نفس الشهر، قال وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إن “الولايات المتحدة تقدر تصميم المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على استكشاف جميع الخيارات للحل السلمي للأزمة”.

وفي غياب استعادة فورية للنظام الدستوري، وهو أمر مستبعد إلى حد كبير الآن، فمن المعقول الافتراض أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية مرحلة انتقالية من شأنها أن تضمن العودة السريعة إلى النظام الدستوري؛ خصوصًا مع تخوف البيت الأبيض من الرفض الشعبي للوجود الأجنبي والذي بدأت شرارته برفض الوجود الفرنسي.

إجمالَا لما تقدم، قد تشير الإطاحة “ببازوم” إلى تحول في التحالفات تجاه الصين وروسيا. وقد التقطت هذه الإشارات بعد ظهور الأعلام الروسية التي لوح بها بعض مؤيدي الانقلاب إلى تكرار سيناريو مالي وبوركينا فاسو. ولكن من السابق لأوانه القول إن نيامي سوف تتحول من عاصمة الساحل الأكثر ترحيبًا بالشركاء المدنيين والعسكريين الأوروبيين والأمريكيين إلى عاصمة معادية لتلك المصالح في غضون بضعة أسابيع ومرحبة بوجود أجنبي من نوع آخر.

نيرمين سعيد

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى