كتب عربية ودولية

لماذا نحن هناك؟ ” مآرب الانجلو امريكي في الخليج العربي “

توم ستيفنسن، سبتمبر 2018

عرض: ألاء برانيه

ارتبطت دول الخليج العربي والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة بعلاقة استراتيجية متينة في مجالات النفط والغاز والاقتصاد، وترجع بواكير تلك العلاقة إلى عام 1931، مع اكتشاف النفط بالمملكة العربية السعودية، حينها شكلت حماية نفط دول الخليج العربي والتصدي لأي عملية تعيق انسيابية تدفق النفط بسلاسة إلى السوق العالمية أحد ركائز السياسة الأمريكية، وهو ما أكد عليه الرؤساء الأمريكان، بمن فيهم الرئيس الحالي دونالد ترامب.

وفي هذا الإطار، يأتي كتاب ” لماذا نحن هناك؟”  للكاتب البريطاني “توم ستيفنسن”، الصحفي بجريدة الاندبندنت، والمتخصص في شئون الشرق الأوسط وشمال افريقيا، والذي يناقش فيه أسباب تنامي العلاقات الانجلو امريكية في منطقة الخليج العربي خلال السنوات الأخيرة، ايضًا يساهم الكاتب ” ديفيد ويرينج” الحاصل على الدكتوراه في الدراسات الشرقية والافريقية، في الكتاب بفصل عنوان ” لماذا يعد الخليج مهمًا للمملكة المتحدة والولايات المتحدة الامريكية؟” والذي يعيد فيه استكشاف الهياكل المعقدة والمتشابكة للعلاقات الانجلو امريكية والخليج في التجارة والاستثمار ومبيعات الأسلحة والتعاون العسكري والطاقة.

مقدمة لفهم العلاقة

بدايًة، نوه الكاتب ان هوس الولايات المتحدة الامريكية والمملكة المتحدة بالنفط الخليجي يُعد من الكليشيهات المتعارف عليها، ولكن غالباً ما يتم تشخيص اسباب الهوس خطأً.  فالاهتمام الأنجلو أمريكي في احتياطيات الهيدروكربون الضخمة في الخليج العربي أصبح لا ينبع من الحاجة إلى دعم الاستهلاك الغربي، ولم يعد الاهتمام بالخليج العربي يقتصر فقط على النفط، فالعديد من المتغيرات قد طرأت على شكل العلاقة بينهم وفيما يلي توضيح لأهم تلك المتغيرات من وجهة نظر الكاتب:

المتغير الأول؛ انخفاض الواردات البريطانية من نفط الشرق الأوسط، فقد اعتادت بريطانيا على استيراد كميات كبيرة من النفط السعودي في الثمانيات، لكنها تحصل الان على معظم ما تحتاجه من بحر الشمال، حيث يمثل النفط السعودي حاليًا حوالي 3 في المائة فقط من واردات المملكة المتحدة.

المتغير الثاني؛ انخفاض الواردات الأمريكية من نفط الشرق الأوسط، وتبنيها في السنوات الخمسة عشر الأخيرة استراتيجية ترتكز على تخفيض وارداتها النفطية من الشرق الأوسط بما في ذلك المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربي، حيث قامت أمريكا بتنويع مصادرها النفطية لتشمل دولاً مثل المكسيك وفنزويلا ونيجيريا والمملكة المتحدة والنرويج وأنغولا والجزائر وكولومبيا. فباتت كندا اليوم تشكل المورد الرئيس للنفط الخام للولايات المتحدة، حيث استوردت منها الأخيرة نحو (3.3) ملايين برميل يوميًا تمثل نحو (41%) من إجمالي الواردات الأمريكية من النفط الخام للعام 2016م، وهي نسبة تفوق نسبة صادرات ” أوبك” مع الولايات المتحدة.

وبناء على تلك المتغيرات، يستنتج الكاتب ان المشاركة الأنجلو أمريكية في الشرق الأوسط تدور حول الميزة الاستراتيجية المكتسبة من السيطرة على الهيدروكربونات في الخليج العربي، وليس احتياجات النفط الغربية باعتبار السيطرة على هذه البقعة تمثل “مصدرًا هائلاً للقوة الاستراتيجية”.

الاسباب الحقيقية للاهتمام الامريكي بالهيمنة الخليج العربي

اشار “ويرينج” الى امتلاك دول اخرى مثل روسيا وكندا رواسب كبيرة من النفط الخام، فتشير التقديرات الحالية إلى أن فنزويلا لديها احتياطيات مثبتة أكثر من المملكة العربية السعودية. لكن يُرجع الكاتب الاهتمام بنفط الخليج تحديدًا لأسباب عدة:

أولًا؛ وقوع النفط بمنطقة الخليج بالقرب من السطح، مما يسهل الوصول إليه عن طريق الحفر وتميزه بدرجة نقاء وثراء عالية.

ثانيًا؛ وقوع النفط بالقرب من منتصف مساحة اليابسة في أوروبا وآسيا، وخارج منطقة أي قوة عالمية.

ثالثًا؛ المؤشرات المستقبلية توحي ببدء اعتماد كلًا من الصين واليابان واوروبا الغربية على نفط الخليج كمورد طاقة حيوي لها يتوقف عليه استقرارهم الاقتصادي والسياسي، لذلك تريد الولايات المتحدة الامريكية تثبيط تلك القوى عن تطوير وسائل حماية هذا المورد واحتكاره لأنفسهم. لأن السيطرة على هذه الموارد تشكل مصدراً رئيسياً للقوة الجيو استراتيجية لأي دولة مهتمة بالهيمنة العالمية.

رابعًا؛ اعتماد الاقتصادات الآسيوية المتقدمة بدرجة كبيرة على نفط الخليج العربي والغاز الطبيعي القطري. حيث تذهب ثلاثة أرباع صادرات النفط الخليجية إلى الاقتصادات الآسيوية، وأكبر خمسة مستوردين للغاز من قطر هي اليابان وكوريا الجنوبية والهند والصين وسنغافورة. لذلك فالهيمنة الأمريكية في الخليج تمنحها تأثيرًا استراتيجيًا حاسمًا على أي منافس آسيوي محتمل.

علامات الهيمنة للولايات المتحدة الأمريكية في الخليج العربي

قدم الكاتب عدة من البراهين والأدلة التي من سبيلها تدعيم رؤيته حول اعتبار الولايات المتحدة الخليج بمثابة مصدرًا للتأثير الاستراتيجي في المنطقة، وكان من اهمها؛ أن للولايات المتحدة وجود عسكري كبير في المنطقة: حيث تتمركز قيادتها المركزية في قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي أكبر قاعدة جوية في العالم، وتحتوي على ما يزيد عن عشرة آلاف جندي أمريكي.

اما البحرين فهي الرصيف الدائم للأسطول الخامس، فضلاً عن احتوائها على قاعدة جوية أمريكية وسبعة آلاف عسكري أمريكي منهم خمسة آلاف جندي دائم.

وفي الإمارات العربية المتحدة تنتشر للولايات المتحدة الامريكية قاعدتان بحريتان وقاعدة جوية. علاوة على إمكانية الوصول إلى ثلاث قواعد للجيش وقاعدة سلاح الجو في دولة الكويت. اما في عمان، فلديها أربع قواعد جوية وقاعدتان بحريتان. وفي العراق، لا يزال لدى الولايات المتحدة قوات متمركزة في قاعدة الأسد الجوية شمال غرب بغداد. حتى المملكة العربية السعودية نفسها، تدير الولايات المتحدة فيها مهمة تدريب عسكري مقرها بقرية إسكان.

التنافس البريطاني الأمريكي في الهيمنة على الخليج العربي

عن تاريخ التنافس الأنجلو امريكي في الخليج العربي، يستعرض الكاتب اولى هذه المحاولات وهي اول اتفاقية سياسية موقعة من قبل الممثلين البريطانيين والسلطان العماني سلطان بن احمد عام 1798، التي اصبحت بموجبها سلطنة عمان أول مروج للإمبراطورية البريطانية في الشرق الأوسط ” كما كانت آخر ملكية استعمارية لبريطانيا في الخليج” والتي تعهد فيها السلطان بتأييد الحكومة البريطانية في القضايا الدولية، والامتناع عن منح أي امتيازات تجارية في أراضيه إلى كلًا من فرنسا وهولندا.

كما ذكر الكاتب إنشاء المملكة المتحدة لـ ” شركة الهند الشرقية” في عام 1763 باعتبارها مركزًا تجاريًا في بوشهر، الآن في إيران، حيث تم من خلالها إدارة الأعمال الخليجية المتنامية في الإمبراطورية.

واشار الكاتب الى مساعدة القوات البريطانية في إخماد المتمردين الاخوان على النظام السعودي عام 1929، واستمرار بريطانيا في القيام بدور الممول للسعودية بعد عام 1943 ” بمساعدة الولايات المتحدة” حتى أنهت صناعة النفط الحاجة إلى الدعم.

واعتبر الكاتب الانقلاب العراقي عام 1958 الذي اطاح بالمملكة العراقية الهاشمية وحرب اليمن الاهلية عام 1962، بمثابة بداية الانتقال من السيطرة البريطانية الى الهيمنة الأمريكية في المنطقة، أما تكلفة “الحماية” العسكرية للخليج هي التي فرضت نهاية الإمبراطورية الرسمية لبريطانيا هناك في عام 1971، وبداية الهيمنة الأمريكية.

علامات الهيمنة للمملكة المتحدة

عن نفوذ المملكة المتحدة الان في الخليج، استطرد الكاتب في الحديث عن وضع الحكومة البريطانية ضباطاً عسكريين متقاعدين كمستشارين لملوك الخليج قبيل انسحاب المملكة المتحدة من تبعياتها والذي تم تنصيبهم من أجل حماية “النفط وغيرها من المصالح”.

وحتى الآن، هناك عدد هائل من حكام الشرق الأوسط من خريجي اكاديمية ساندهيرست بإنجلترا، بما في ذلك ملوك البحرين والأردن وسلطان عُمان وأمير دبي وأمير وولي عهد أبو ظبي وأمير قطر وامير الكويت. في حين ان معظم القادة السعوديين تلقوا تعليمهم في الولايات المتحدة، الا ان الرؤساء السابقين للحرس الوطني السعودي والمخابرات العامة، وكذلك أعضاء مجلس الولاء ووزراء الدفاع، درسوا أيضًا بأكاديمية ساندهيرست.

علاوة على استمرار وجود عسكري بريطاني في الخليج. ففي عام 2016، تعهدت تيريزا ماي بزيادة الالتزامات العسكرية لبريطانيا هناك، مع إرسال عدد أكبر من السفن الحربية البريطانية والطائرات والأفراد، والذي تم نشرهم بكثافة أكبر من أي جزء آخر من العالم.

وفي أبريل 2018، أعادت القوات البحرية الملكية فتح قاعدة بحرية في البحرين ومن المقرر افتتاح قاعدة بحرية أخرى في عمان في وقت لاحق من هذا العام.

لم يعد النفط الفيصل في معادلة الخليج العربي

وضح “ويرينج” أنه كان هناك حديثًا، العديد من الادعاءات في ظل كل من فترتي أوباما ودونالد ترامب، عن خطط لانسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط إلى آسيا. ويري الكاتب انه إذا كانت هناك بالفعل مثل هذه الخطط، فإن الإدارة الأمريكية الحديثة ترتكب خطًأ فادحًا، وبرهن على كذب هذه الادعاءات من خلال عدة ادلة:

أولًا؛ أثبتت دول الخليج العربي أنها مناسبة تمامًا لوضعها كدولة صديقة للولايات المتحدة، ويعزى ذلك جزئيًا إلى العلاقة الحديثة بين الحكومات الغربية وملوك الخليج والتي يصفها ويرينج بأنها “ترابط غير متماثل“، مما يوضح أن كليهما يحصلان على الكثير من الصفقات منذ أن قام الغرب بتثبيت حكم الملوك مقابل النفط، فلا يوجد أي سبب يستدعي انسحاب الهيمنة الأنجلو أمريكية المستمرة على الخليج.

ثانيًا؛ تُعَد المملكة العربية السعودية والأعضاء الخمسة الآخرون في مجلس التعاون الخليجي أكبر مشترٍ في العالم للمعدات العسكرية بهامش كبير، حيث يتم توفير معظم أسلحتهم من قِبل الولايات المتحدة، وتقدم كلاً من بريطانيا وفرنسا مساهمات كبيرة في هذا الصدد. ففي عام 2017، وقعت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية أكبر صفقة أسلحة في التاريخ، والتي قُدَرت قيمتها بحوالي 350 مليار دولار. وبين عامي 1985 و2006 وقعَت بريطانيا سلسلة من العقود “صفقة اليمامة” بقيمة عشرات المليارات. وتزايدت المبيعات بشكل أكبر مع بدء الحرب في اليمن: حيث باعت بريطانيا أسلحة للسعودية بقيمة 3.3 مليار جنيه إسترليني في عام 2015 فقط، مقارنة بـ 107 مليون جنيه إسترليني في العام السابق له. لذلك تُعَد مبيعات الأسلحة مفيدة بشكل أساسي كوسيلة لربط ممالك الخليج بالجيش الأنجلو أمريكي.

ثالثًا؛ كانت السيطرة على الخليج تحقق فوائد أقل وضوحًا حتى عام 1971، عندما ربطت دول الخليج عملاتها بالجنيه الاسترليني، الذي نافس الدولار كعملة احتياطية دولية. حينها سافر وزير الخزانة الأمريكي وليام سيمون، سراً إلى المملكة العربية السعودية لتأمين اتفاق يظل حتى يومنا هذا أساس الهيمنة العالمية للدولار.

كما وثق الكاتب ديفيد سبيرو في “اليد الخفية للهيمنة الأمريكية”، تقديم الولايات المتحدة ضماناتها للأمن السعودي والخليجي العربي بشرط استخدام مبيعات النفط لدعم الدولار. وبموجب اتفاق سيمون، وافقت المملكة العربية السعودية على شراء شرائح ضخمة من سندات الخزينة الأمريكية في معاملات سرية خارج السوق. بالإضافة إلى ذلك، أجبرت الولايات المتحدة المملكة العربية السعودية ودول أوبك الأخرى على تحديد أسعار النفط بالدولار، مما يضمن استمرار تعاظم قيمة الدولار وتميزه.

رابعًا؛ منذ بداية الحرب في اليمن عام 2015، قدمت بريطانيا أسلحة تبلغ قيمتها حوالي 5 مليارات جنيه إسترليني للتحالف السعودي الذي يقاتل مليشيات الحوثي وقام الجيش البريطاني بتزويد وصيانة الطائرات طوال الحملة؛ من خلال تمركز أفراد عسكريين بريطانيين وأمريكيين في غرف القيادة في الرياض؛ كما قامت القوات البريطانية الخاصة بتدريب الجنود السعوديين الذين يقاتلون داخل اليمن. وما زال الطيارون السعوديون يتلقون التدريب حتى الان في وادي سلاح الجو الملكي البريطاني في انغلسي. بينما وفرت الولايات المتحدة القوات الجوية الأمريكية لتزود بالوقود في الجو للطائرات السعودية والإماراتية “بدون تكلفة“.

وختامًا يشير “ويرينج” الى أنه من الأصعب على الولايات المتحدة الانسحاب من المنطقة على عكس الكثير من التعليقات والتكهنات في واشنطن، حيث تزداد الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط يومًا بعد يوم وهناك تداخل كبير في الموارد المالية وتبادل المنفعة بين الانجلو امريكي والخليج العربي واعتماد كبير لاقتصادهم على الاستثمارات الخليجية وتدفقات رأس المال. فلم يعد النفط الفيصل في معادلة الخليج العربي لأنه ربما تقوم الولايات المتحدة الآن بتصدير المواد الهيدروكربونية ولا تحتاج الى الدعم النفطي كما كان سابقًا لكن هذا لا يمكن مقارنته بحجم النفوذ الذي تحصل عليه من السيطرة على الخليج نفسه.

مصدر الكتاب:

Tom Stevenson,  What are we there for?, polity press , September 2018

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى