مكافحة الإرهاب

رواية مغايرة… قراءة في إعلان داعش مقتل زعيمه “أبي الحسين القرشي”

بعد مُضي ثلاثة أشهر على إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مقتل الزعيم الرابع لتنظيم داعش “أبي الحسين الحسيني القرشي” في 29 إبريل 2023، جاء تأكيد التنظيم لمقتل الأخير في كلمة صوتية مُسجلة للمتحدث الرسمي الجديد باسم داعش “أبي حذيفة الأنصاري” بثتها مؤسسة الفرقان (الذراع الإعلامية المركزية لداعش) في 3 أغسطس الجاري. حيثُ أفاد “الأنصاري” في كلمته التي استمرت 30 دقيقة و12 ثانية وحملت عنوان ” فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به” بأن “أبا الحسين” قُتل مُتأثرًا بجراحه في مواجهة مع “هيئة تحرير الشام” في إدلب، وأن أهل الحل والعقد داخل التنظيم استقروا على اختيار  المكنى بـ “أبي حفص الهاشمي القرشي” زعيمًا جديدًا للتنظيم، ودعا أنصار ومفارز داعش في الفضاءات الجغرافية المختلفة إلى إعلان بيعتهم للزعيم الجديد.

مُلاحظات أساسية

في ضوء ما ورد في رواية المُتحدث الجديد باسم داعش “أبي حذيفة الأنصاري” حول تفاصيل عملية مقتل الزعيم الرابع للتنظيم “أبي الحسين القرشي” وتنصيب خليفه له، يمكن قراءة بعض المُلاحظات الواردة في ثنايا هذه الرواية والتي تحمل دلالات عديدة، سواء من حيثُ توقيت إعلانها، أو من حيث ما تطرحه من غموض حول الفاعل الرئيس في عملية مقتله، وذلك على النحو التالي:

1. يأتي إعلان تنظيم داعش عن مقتل “أبي الحسين القرشي” متأخرًا بأكثر من 3 أشهر على إعلان الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” مقتله في 29 إبريل 2023. وتعد هذه أطول مدة يستغرقها داعش للإعلان عن مقتل أحد زعمائه؛ ففي السابق كانت عملية الإقرار بمقتل الزعيم واختيار خليفه له تستغرق أقل من أسبوع “كما حدث بعد مقتل الزعيم الأول للتنظيم “أبي بكر البغدادي”، أو نحو شهر كما حدث في الإعلان عن مقتل الزعيم الثاني “أبي إبراهيم الهاشمي القرشي”، وأقصى مدة كانت تُقارب الشهر ونصف مثلما حدث في الإعلان عن مقتل الزعيم الثالث “أبي الحسن القرشي”. 

ويُمكن إيعاز تأخر داعش في الإقرار بمقتل زعيمه الرابع وتنصيب خليفته إلى جملة من العوامل: 

أولها: احتياج التنظيم إلى بعض الوقت حتى يتسنى له ترتيب صفوفه الداخلية واختيار زعيم جديد، خصوصًا أن هذه المسألة باتت أكثر صعوبة في الوقت الذي يُعاني فيه داعش من عجز كبير في صفيه الأول والثاني جراء الضربات الأمنية التي لحقت به خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل “خياراته محدودة” في اختيار قائد جديد يحظى بثقة مجلس شورى التنظيم، ويتمكن من الحصول على مبايعة أفرعه المختلفة. 

وثانيها: تلقي المصفوفة القيادية للتنظيم ضربة مزدوجة في عملية مقتل “أبي الحسين القرشي”؛ إذ تزامنت مع اعتقال المُتحدث السابق باسم التنظيم “أبي عمر المهاجر” برفقة مجموعة أخري من عناصر داعش، وهو ما أثّر بطبيعة الحال على سرعة إعلان الأخير عن تنصيب الزعيم الجديد. 

وثالثها، احتمالية قيام التنظيم بالتمهل قليلًا قبل إعلان الزعيم الجديد، حتى يتسنّى له إجراء عملية مراجعة داخلية لصفوفه لسد أي خرق استخباري قد يُعجل اصطياد الزعيم الجديد على يد قوات مكافحة الإرهاب، خصوصًا أن عمليات الاستهداف المتوالية لقادته مؤخرًا ربما تسببت في أحداث حالة من الاستنفار الداخلي؛ كونها تعتمد بالأساس على معلومات استخباراتية نوعية دقيقة تنبئ بأن ثمة عناصر داخل صفوف التنظيم تتعاون مع الأجهزة الأمنية وتدلي إليهم بمعلومات تُسهم في نجاعة عمليات استهداف رؤوس العديد من قادته. 

2. لم يتضمن إعلان التنظيم أي ملامح حول هوية الزعيم الجديد أو جنسيته واكتفى بذكر كُنيته “أبو حفص الهاشمي القرشي”، وهو ما يعني استمرار التنظيم في استراتيجية التعتيم التي ينتهجها مؤخرًا في عدم الإفصاح عن هوية كبار قادته وزعمائه، وإخفاء آية معلومات عنهم، والاكتفاء بإعطائهم أسماء حركية؛ تجنبًا لاستهدافهم. 

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاستراتيجية لن تكون حائلًا بالضرورة أمام الجهود الاستخباراتية الرامية إلى تعقب واستهداف الزعيم الجديد، وليس أدل على ذلك من مقتل الزعيمين الثالث والرابع لداعش “أبي الحسن القرشي” و”أبي الحسين القرشي”، رغم حرص التنظيم الشديد على الإفصاح فقط عن أسمائهم الحركية المضاف إليها لقب “القرشي” والإثناء عليهم ببعض مرادفات المدح الجهادية دونما الإفصاح عن هويتهم.

3. تُثير كلمة المُتحدث الجديد باسم داعش “أبي حذيفة الأنصاري” حالة من الجدل حول الفاعل الرئيس في عملية مقتل الزعيم الرابع “أبي الحسين الحسيني القرشي”، وتكشف كذلك عن التناقض بين رواية التنظيم حول تفاصيل مقتل الأخير ورواية السلطات التركية؛ إذ أعلن الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” مقتل “القرشي” في عملية للمخابرات التركية في شمال سوريا، مُشيرًا إلى أن الأجهزة كانت تتعقبه منذ وقت طويل حتى تمكنت من استهدافه في إطار عملية نفذتها في سوريا يوم السبت 29 أبريل 2023. 

وفي المقابل، كذّب المتحدث باسم التنظيم السردية التركية، وقال إن “القرشي” قُتل في مواجهة مباشرة من عناصر من هيئة تحرير الشام بعد أن حاولت الأخيرة إلقاء القبض عليه حيًا أثناء ممارسته لمهامه، لكنه اشتبك معها مستخدمًا سلاحه، حتى مات متأثرًا بجراحة. واتّهم الهيئة بتسليم جثة الزعيم المقتول إلى السلطات التركية كخدمة سياسية لمساعدة الرئيس التركي في حملته للانتخابات الرئاسية التي عُقدت في مايو 2023. واتهمها أيضًا باعتقال المتحدث السابق باسم داعش “أبي عمر المهاجر” برفقه عدد من العناصر، بينهم عناصر نسائية تحاول الهيئة ابتزازهن للكشف عن معلومات سرية متعلقة بالتنظيم.

لكن سارع جهاز الأمن العام التابع لهيئة تحرير الشام في بيان له بنفي اتهامات التنظيم جملةً وتفصيلًا، وأكد أن موقف الهيئة واضح من التنظيم وجرائمه، لافتًا إلى أنه لو كانت الهيئة هي من قتلت “القرشي” لكانت “بشّرت المسلمين بذلك”. ويشير اختلاف الروايات السابقة إلى أن عملية استهداف الزعيم المقتول ربما تمت بإحدى طريقتين: فإما تمت في عملية للقوات التركية استنادًا إلى معلومات وفرتها هيئة تحرير الشام، وإما قامت الأخيرة وحدها بعملية الاستهداف وبعد ذلك سلمت جثته للسلطات التركية، وبعيدًا عن أي الروايتين أكثر صحة، يبقى دور هيئة تحرير الشام حاضرًا في استهداف “القرشي” سواء أكان دور رئيس أو دور مساعد.

ويُعزز من هذه الفرضية عدة شواهد: أولها، مقتل الزعيمين الأول والثاني للتنظيم “أبي بكر البغدادي” و”أبي إبراهيم القرشي” وغيرهما الكثير من قادة وعناصر التنظيم في المناطق الواقعة تحت سيطرة الهيئة في الشمال السوري. وثانيها، تُشير بعض التحليلات إلى أن هيئة تحرير الشام تستغل عناصر وقادة داعش المتمركزين في مناطق سيطرتها كورقة مربحة تستطيع من خلالها جمع الكثير من المعلومات حول التنظيم وتوظفها في محاولاتها الرامية إلى تحسين صورتها كفاعل شرعي محلي، ورفع اسمها من قوائم الإرهاب، سواء من خلال استهدافها لعناصر وقادة داعش بشكل مباشر أو من خلال تقديم المعلومات التي تساعد أجهزة الاستخبارات في تتبع قادة التنظيم واستهدافهم.

وعليه، ربما لجأت هيئة تحرير الشام إلى نفي ضلوعها في عملية مقتل القرشي؛ رغبةً منها في تجنب سلسلة الهجمات الانتقامية التي قد تواجهها من قبل التنظيم؛ إذ إن قيام الأخير ولأول مره بتوجيه أصابع الاتهام في مقتل أحد خلفائه نحو الهيئة يُشير إلى تصاعد لهجة التوتر بينهما واتخاذها منحًى تصاعديًا في الفترة المُقبلة.

4. لم يفت المتحدث الجديد باسم التنظيم “أبي حذيفة الأنصاري” الإثناء على زعيمه المقتول، وتسليط الضوء على بطولاته وقيادته للتنظيم خلال فترة حرجة وصعبة، مؤكدًا أنه لم يتزعزع وتفوق في قيادته، ولم يستسلم واستمر في أداء مهام التنظيم حتى مقتله. وهذا النهج يتبعه داعش في كل مره يتم فيه الإعلان عن مقتل أحد زعمائه؛ إذ يحاول التنظيم عبر أدواته الإعلامية المختلفة تجاوز الأثر النفسي لمقتل قادته، من خلال صياغة سرديات بطولية حول بطولاتهم وتضحياتهم و”كاريزميتهم” ونكرانهم لذواتهم والإثناء عليهم بعبارات المدح والشهادة، بما يسهم في عمليات الترميم النفسي لعناصر التنظيم وجذب وتجنيد عناصر جديدة. 

5. يأتي إعلان داعش عن تنصيب زعيم جديد في إطار حرص التنظيم على الحفاظ على تماسك صفوفه وإثبات قدرته على الصمود أمام عمليات استهداف قادته، وهو بذلك يبعث برسالتين: الأولى إلى القوى الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب ومفادها أن استراتيجية قطع رؤوس التنظيم لن تثني الأخير عن التمدد وتحقيق حلم خلافته المزعومة، والثانية بمثابة “رافعة معنوية” تضمن الحفاظ على ولاء عناصره وخلاياه وأفرعه المختلفة، خصوصًا أن الخسائر المتوالية التي تكبدها التنظيم في صفوفه القيادية مؤخرًا تكشف عجزه عن توفير مساحات آمنة تضمن إطالة دورة حياة زعمائه، وهو ما قد يؤثر سلبًا على معنويات مكونه البشري.

6. تكشف عملية استهداف الزعيم الرابع لداعش “أبي الحسين الحسيني القرشي”-بعد نحو 5 أشهر من تنصيبه زعيمًا للتنظيم في 30 نوفمبر 2022 خلفًا لمقتل سلفه أبي الحسن الهاشمي القرشي- عن تناقص المدة الزمنية بين استهداف زعيم وآخر من زعماء التنظيم بمرور الوقت؛ لتصبح عامين (بين استهداف أبي بكر البغدادي في أكتوبر 2019 وخلفه أبي إبراهيم القرشي في فبراير 2022) ثم تسعة أشهر (بين استهداف أبي إبراهيم القرشي وخلفه أبي الحسن القرشي) وصولًا إلى قرابة 5 أشهر فقط بين (استهداف أبي الحسن القرشي والزعيم الأخير أبي الحسين القرشي). وهو ما يشي بأن عملية تعقب واستهداف قادة التنظيم من قبل الأجهزة الأمنية باتت أسرع من السابق، وأن مساحة الاختراق الأمني في صفوف التنظيم يتسع مداها بمرور الوقت، وأن قدرته على ضمان معايير السلامة للحفاظ على حياة زعمائه لأطول فترة تراجعت بشكل كبير أمام العمليات الاستخباراتية النوعية التي تستهدف التنظيم بين الفينة والأخرى.

7. يأتي إعلان داعش عن تنصيب زعيمه الجديد متزامنًا مع حلول الذكرى السنوية الأولى لمقتل زعيم القاعدة “أيمن الظواهري” العام الماضي في العاصمة الأفغانية كابول. وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على مقتل الأخير إلا أن “القاعدة” التزمت الصمت حتى الآن بخصوص الحديث بالنفي أو التأكيد عن عملية مقتله أو عن خليفته المحتمل –الذي استقرت التقارير الأمريكية والأممية على أنه “سيف العدل”– وهو ما قد يستثمره داعش في جذب عناصر القاعدة التي تأثرت معنوياتها سلبًا بعد مقتل “الظواهري”، على خلفية الصراع الجهادي المحتدم بين التنظيمين مؤخرًا خصوصًا في أفريقيا. ختامًا، رغم ما تخلفه عمليات استهداف قادة وزعماء تنظيم داعش من تأثيرات سلبية على القدرات التشغيلية للتنظيم ومنظومته القيادية ومعنويات مكونه البشري، فإن هذا التأثير قد يستمر على المدى القصير فقط؛ بالنظر إلى أن داعش يتمتع بخبرة ومرونة كافية في التعاطي مع مقتل قادته، ولديه قدرة كبيرة على التكيف مع المتغيرات الميدانية. لذا من المرجح أن تأخذ عمليات التنظيم في الفترة المقبلة منحىً تصاعديًا على مستوى أفرعه المختلفة كنوع من أنواع الثأر لمقتل زعمائه وكبار قادته. وكذلك من المتوقع أن يلجأ التنظيم في المرحلة المقبلة –في ضوء خساراته المتتالية التي تتلقاها مصفوفته القيادية- إلى التفكير في إيجاد مساحات جغرافية أكثر أمانًا لقادته تكون بعيدة عن عدسات مكافحة الإرهاب التي تلاحقهم في معاقله التقليدية بالعراق وسوريا.

منى قشطة

باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى