كتب عربية ودولية

The Changing Security Dynamics of the Persian Gulf”” “ديناميات الأمن المتغيرة في الخليج الفارسي”


عرض: هايدي الشافعي

أفسحت الاضطرابات السياسية والاقتصادية الناجمة عن انتفاضات عام 2011 التي مرت بها بعض دول منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، والظهور السريع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش“، في العراق وسوريا في عام 2014،  المجال لسلسلة من التحولات السياسية التي تركت المجتمعات مفككة وأشعلت العنف داخل الدول فيما بينها، وعلى الرغم من ان الجزء الأكبر من هذه الاحتجاجات، وقع خارج منطقة الخليج، إلا أنها أثرت بشكل مباشر على أمن دول الخليج وساهمت في إعادة رسم سياستها تجاه دول المنطقة، ومن هنا تأتى أهمية هذا الكتاب الذى يوفر دراسة مقارنة حول كيفية تطور الأمن في الخليج، وتكييفه مع حالة اللايقين في المشهد الإقليمي لما بعد عام 2011، بالإضافة إلى القضايا التي تغذي عملية صنع السياسات الأمنية على مختلف مستوياتها.

تم تحرير الكتاب من قِبل “كريستين كوتس أولريخسن“، زميل الشرق الأوسط بمعهد بيكر للسياسة العامة بجامعة رايس وزميل مشارك في المعهد الملكي للشؤون الدولية، الذى انفرد بكتابة فصل يبحث في العلاقة بين الأمن المحلي والإقليمي في دول الخليج، كما يساهم تسعة كتاب آخرين في كتابة فصول الكتاب، ويقدمون وجهات نظر متعددة حول السياسة الخارجية لدول الخليج تجاه دول شمال إفريقيا ؛ والطاقة؛ وأهمية الهند المتزايدة في المنطقة؛ وظهور تنظيم الدولة الاسلامية (داعش) وتأثيره على الأمن الإقليمي؛ العلاقات السعودية الإيرانية؛ بالإضافة الى احتجاجات الشباب في الكويت.

وكانت أهم الأفكار التي تناولها الكتاب ما يلي:

  1. السياسة الخارجية لدول الخليج تجاه دول شمال إفريقيا:

قدم “توبي ماتيسين” ، أستاذ بكلية القديس أنتوني في أوكسفورد، فصلاً يتناول العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي (GCC) ودول شمال إفريقيا الثلاث التي شهدت انتفاضات جماعية (تونس ومصر وليبيا) منذ عام 2011، ويبحث الفصل في الطرق التي حاولت بها مختلف دول الخليج، خاصة دولة قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت بدرجة أقل، التأثير على التحولات السياسية في تونس ومصر وليبيا. ويذهب الكاتب الى إن الفترة منذ عام 2011 شهدت تحولًا عميقًا في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي من دبلوماسية النفط إلى المشاركة الشاملة، مع الإشارة الى ان الصراع على فرض النفوذ في العالم العربي لم يعد يقتصر فقط على البلدان الإقليمية غير العربية مثل إيران وتركيا وإسرائيل، بل أيضًا تعدى الى دول مجلس التعاون الخليجي.

  • الإمارات العربية المتحدة – حالة فريدة:

منذ عام 2011 ، تخطت قرارات السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة السلوكيات التقليدية المتعارف عليها للدول الصغيرة، خاصة فيما يتعلق بالخلط بين استخدام القوة “الصلبة” و “الناعمة”، فقد حققت الإمارات العربية المتحدة أداءً منفردًا ومستقلًا أعلى من قدرة الدولة الصغيرة الكلاسيكية التي تفضل العمل تحت مظلة دول أقوى وأكبر، وهى تمثل حالة شاذه في إدارة العلاقات الدولية من قبل الدول الصغيرة، حيث اختارت الإمارات العربية المتحدة التصرف بشكل فردي والتحالف مع القوى الإقليمية، استجابةً للقضايا الأمنية الناشئة عن التهديدات المحلية والإقليمية . وتُظهر حالة دولة الإمارات أن هناك دولًا صغيرة مميزة يمكنها التأثير على النظام الدولي من خلال قدراتها الاقتصادية والعسكرية ، وكذلك مهاراتها الدبلوماسية.

ويتمحور الفصل الذى تناوله ” د.خالد المزينى“، مدرس مساعد بجامعة قطر، حول ثلاثة أسئلة رئيسية:

أولاً، إلى أي مدى تطور السلوك الإماراتي الخارجي منذ عام 2011؟ ثانياً، ما الذي دفع هذه الدولة الصغيرة إلى الجمع بين استخدام القوة الناعمة والصلبة؟ ثالثًا، إلى أي مدى تعكس حالة هذه الدولة الصغيرة عودة الموضوعية في تحليل سلوك الدولة الصغيرة.

ويتم الرد على هذه الأسئلة عن طريق تقديم تعريفي  وتحليلي للدول الصغيرة، بالإضافة الى عرض خلفية موجزة للسياسة الخارجية لدولة الإمارات قبل عام 2011؛ ايضا  عن طريق دراسة سلوك الإمارات المتغير منذ عام 2011؛ وتوضيح كيفية تحول الامارات إلى استخدام مزيج من القوة الناعمة والصلبة ؛ علاوة على تقديم منظوراً واقعيا عن الدولة الصغيرة.

  • العلاقات السعودية الإيرانية:

وعلى صعيدٍ آخر، تناول “د. نادر انتصار“، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية والعدالة الجنائية في جامعة جنوب ألاباما، في دراسة اخرى،  سلسلة من المراحل في العلاقة بين إيران والمملكة العربية السعودية، ويوضح آثارها على المشهد الأمني ​​الإقليمي المتقلب وتوازن القوى في الخليج. حيث تشير العلاقة المتوترة بين إيران والمملكة العربية السعودية منذ الثورة الإيرانية وتأسيس جمهورية إيران الإسلامية في عام 1979،  إلى وجود عجز في الدبلوماسية أدى إلى تفاقم حدة التقلبات وانعدام الأمن في الخليج.

ويمكن اعتبار كلاً من إيران والسعودية قوى إقليمية تمتلك بدرجات متفاوتة، القدرة على التأثير أو قيادة البلدان في منطقة جغرافية محددة، إلا أن مستوى ودرجة التأثير الإقليمي ليست ثابتة ومتقلبة مع تغير الظروف السياسية والاستراتيجية المحلية والإقليمية والعالمية.

هذه التقلبات ميزت بالفعل العلاقات الإيرانية السعودية وسياساتها الخارجية الإقليمية. ترى السعودية أن إيران دولة توسعية تسعى إلى بسط نفوذها إقليميًا وتستخدم الطائفية لدفع سياساتها إلى الأمام. أما طهران فتري، أن إيران هي التي عانت من “الوحدة الاستراتيجية” ، كونها دولة شيعية فارسية محاطة بالسنة والعرب. والجلي هنا أن كلا الطرفين سوف يتوصلان في النهاية إلى إدراك أن أمن الخليج لا يمكن تحقيقه من خلال المباراة الصفرية. 

  • تأثير صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على أمن الخليج:

دفع صعود تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (داعش) إلى العمل الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي الستة، التي تواجه تحديًا جديدًا للأمن الإقليمي على حدودها.

عندما حقق تنظيم داعش تطورات في العراق في يونيو 2014، حينها كانت دول مجلس التعاون الخليجي غارقة في صراع داخلي بين الدول ذات الاستجابات الأيديولوجية المختلفة لانتفاضات عام2011. و لكن بظهور تهديد مفاجئ للمصالح الأمنية الجماعية دفع دول مجلس التعاون الخليجي إلى التجمع ، على الرغم من خلافاتها ، وحشد جهودها لهندسة قوة دفاعية مشتركة ضد داعش.

أشارت الدراسة التي أجرتها “نسيبة يونس” زميل غير مقيم في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط، الى كيفية تأثير صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في تغير السياسة الأمنية للخليج، حيث أظهرت دول مجلس التعاون الخليجي انه على الرغم من خلافاتها، إلا أنه عندما تتعرض مصالحها الأساسية للتهديد، فيمكنها أن تتضافر معًا لإقامة تسوية أو على الأقل تجنيب خلافاتها والتصرف بشكل جماعي دفاعًا عن أمنها، وظهر ذلك جليًا في حربها ضد داعش بالإضافة الى تنامى النفوذ الإيراني في المنطقة، كما توضح الدراسة في المقابل صعوبة حفاظ دول الخليج على تماسكها معًا عند حدوث انخفاض حدة  التهديد الأمني المشترك.

وأخيرا، يمكن القول ان كتاب “ديناميات الأمن المتغيرة في الخليج ” يقدم العديد من وجهات النظر الثاقبة فيما يتعلق بالمنطقة، ويُعَد خطوة هامة وأساسية لفهم ديناميات الأمن المتغيرة لدول الخليج، إلا أنه لم يذهب بعيدا بما فيه الكفاية، فمنذ إعداد الكتاب حدثت تطورات في المنطقة جعلت المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدوا عليه، كما ان الموضوعات المختارة لا تمثل بالكامل القضايا الأمنية الرئيسية التي تواجه المنطقة، لذا فهو كتاب هام ولكنه غير كافي.

مصدر الكتاب :

 Kristian Coates Ulrichsen: The Changing Security Dynamics of the Persian Gulf (New York, NY: Oxford University Press, 2017)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى