مصر

دور المجتمع المدني في تعزيز المبادرات الصحية في مصر

شهدت الدولة المصرية خلال العقد الأخير طفرة في دور المجتمع المدني باعتباره شريك أساسي في عملية التنمية، حيث لم تعد المشاركة مجرد اختيارًا بل أصبحت مطلبًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الحالية، وأصبحت المشاركة بين المنظومة الثلاثية (الدولة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني) ضرورة أساسية ومُلحة، فضلًا عن أن هيمنة جهة واحدة من جهات المشاركة يشكل عائق يحد من فعالية الجهات الأخرى.

ويعرف المجتمع المدني بأنه “مجموعة المنظمات التطوعية التي تنشأ لتحقيق مصالح أعضائها أو لتقديم خدمات للمواطنين أو لممارسة أنشطة إنسانية متنوعة، وتلتزم في وجودها ونشاطها بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والمشاركة”، وهكذا يستبعد من التعريف المؤسسات الاجتماعية كالأسرة والقبيلة والطائفة والمذهبية أو الدينية، كذلك يستبعد منه المؤسسات السياسية والحكومية، ويبقى بذلك في نطاق المجتمع المدني والمؤسسات والمنظمات غير الحكومية التي يقوم نشاطها على العمل التطوعي.

دور منظمات المجتمع المدني في تنمية المجتمع المصري

نص دستور 2014 بشأن المجتمع المدني في المواد من (75: 77)، على حق المواطنين في تكوين المنظمات غير الحكومية، سواء جمعيات ومؤسسات أهلية أو اتحادات ونقابات مهنية وعمالية، وأنها تتمتع بالحرية والاستقلالية في إدارة شؤونها، وأنه لا يجوز حلها إلا بحكم قضائي. وأقر الدستور في المواد الخاصة بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية على دور المجتمع المدني ومساهمته في الحياة العامة.

حيث تسهم منظمات المجتمع المدني بعمل مجهودات تطوعية في مجالات مختلفة، وتقوم بترجمة الاحتياجات المحلية إلى أهداف وخطط عمل قابلة للتنفيذ، فلا توجد دولة قوية دون وجود مجتمع مدني قوى، وبالتالي فإن أهم مكونات المجتمع المدني تتمثل في التالي:

  •  أن يكون للمؤسسة موقعًا متميزًا على شبكة التخطيط وصنع واتخاذ القرار في المجتمع المدني.
  •  تكيف منظمات المجتمع المدني مع التطورات البيئية والتغيرات العالمية الجديدة.
  • مرونة تغيير أهداف منظمات المجتمع المدني، بحيث تستوعب دائما وبدرجة عالية من السرعة أي تغييرات تطرأ على المجتمع.
  • تحديد وتوقع أدوار المشاركة الجماعية في أي خطة اجتماعية لتطوير خدمات الرعاية الاجتماعية وتنفيذ سياساتها.
  • تحقيق صورة فاعلة للاندماج بين المؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، بما يدعم القدرة المجتمعية في الاعتماد الذاتي المتبادل بين مؤسسات المجتمع المختلفة، وبما يعظم القوة التفاوضية لمنظمات المجتمع المدني في صنع سياسات الرعاية الاجتماعية ويعيد قدرتها على المنافسة.

وبناء عليه، رسخت الدولة دور المجتمع المدني كشريك أساسي معها في عملية التنمية، تزامنًا مع عملها خلال السنوات الماضية على تطوير البنية التحتية بكافة مجالاتها، إيمانًا منها بأن الظروف الاقتصادية والاجتماعية تستدعى تضافر كافة الجهود سواء القطاع الخاص أو المجتمع المدني. 

وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن “مؤسسات المجتمع المدني تحقق دورًا لا تستطيع الحكومة أن تقوم به وحدها”، حيث يوجد في مصر نحو 50 ألف جمعية تعمل في مجالات مختلفة، سواء في مجالات الرعاية (رعاية الطفولة – رعاية الأسرة- المساعدات الاجتماعية وغيرها)، والمجالات الثقافية (الخدمات التعليمية والثقافية والدينية)، والمجالات التنموية (تنمية المجتمعات المحلية- تنمية اقتصاد الأسرة).

وانطلق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي في شهر مارس ٢٠٢٢، بمشاركة وعضوية ما يقرب من 30 جمعية ومؤسسة أهلية وكيانًا خدميًا وتنمويًا، تعمل في مختلف مجالات التنمية (خدمية وصحية وتوعوية، وتعليمية، وعمرانية)، وغيرها، وفى إطار دعم الإرادة السياسية لتعزيز دور المجتمع المدني، دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى “انضمام باقي الكيانات للتحالف من أجل تقديم مساعدات أكبر للمجتمع على المستويات الاقتصادية والصحية وغيرها من المجالات”، مع العمل على تكثيف جهود التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي وكافة كيانات المجتمع المدني خلال عام 2023، نظرًا للظروف الاقتصادية العالمية المستمرة.

الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني في دعم الصحة

في إطار حرص الدولة على تطوير القطاع الصحي، كانت البداية من نص المادة (18) من دستور 2014، التي نصت على أن “لكل مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقًا لمعايير الجودة”، كذلك “تلتزم الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض”.

وبداية من عام 2014، تم تدشين العديد من المبادرات الصحية لتعزيز النظـام الصحي، والتي ساهمت في تحقيق الرعاية الصحية الشاملة، من خلال التركيز على مكافحة الأمراض الأكثر تأثيرًا على المواطن بهدف خفض معدلات انتشارها والوفيات، مثل الأمراض المعدية (أمراض التهاب الكبد الفيروسي والبلهارسيا والدرن)، والأمراض المزمنة الغير السارية (القلب والسكر والفشل الكلوي)، وبناء عليه، كان لمؤسسات المجتمع المدني دور كبير في قطاع الصحة نستعرضه كالتالي:

  • الشراكة مع الدولة في تنفيذ المبادرات الصحية: ساهمت الجمعيات الأهلية بدور كبير في تنفيذ عدد من المبادرات الصحية مثل: مبادرة القضاء على فيروس سي، ومبادرة 100 مليون صحة، ومبادرة الكشف المبكر عن سرطان الثدي، ومبادرة الكشف المبكر عن أمراض الأنيميا والسمنة والتقزم، وغيرها. كما ساهمت في مكافحة جائحة كورونا من خلال توعية المواطنين بالإجراءات الاحترازية ثم التوعية بتلقي لقاحات كورونا، وخلال مبادرة “100 يوم صحة” شاركت الجمعيات الأهلية بدعم من الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية، في تنفيذ المبادرة بالعيادات والمستشفيات والقوافل وندوات التوعية.
  • تدشين مبادرات صحية من جانب المجتمع المدني: لم يقف دور مؤسسات المجتمع المدني عند مجرد المشاركة مع مؤسسات الدولة في تنفيذ المبادرات الصحية، بل تم التوسع في تدشين مبادرات صحية من جانبها مثل التحالف الوطني للعمل الأهلي في عام 2022 قوافل “ستر وعافية” في مختلف محافظات الجمهورية خاصة الصعيد، لدعم الفئات الأكثر استحقاقًا، وقدمت القافلة مجموعة متنوعة من الخدمات للمواطنين، تشمل قافلة طبية تضم العديد من التخصصات للكشف والعلاج والمتابعة وقياس النظر والضغط والسكر، وكذلك تركيب أجهزة تعويضية لذوي الهمم وتسليمهم عددًا من الكراسي المتحركة، بالإضافة إلى حملات توعوية بكارت الخدمات المتكاملة لذوي الهمم والكشف المبكر عن سرطان الثدي.

كذلك أطلق التحالف خلال الأيام الماضية أول مبادرة لإجراء المسح الطبي في مجال الحد من مسببات العمى في جميع محافظات الجمهورية، بالإضافة إلى سعيها إلى تحسين مستوى الخدمات الطبية المخصصة لها بهدف التغيير الإيجابي في خريطة انتشار أمراض العيون، والعمل على وضع نموذج متكامل للمجتمع المدني يسهل تطبيقه في مناطق أخرى، بميزانية تقارب 30 مليون جنيه.

علاوة على إطلاق قوافل للتوعية من مرض السكر بشكل عام والقدم السكري بشكل خاص، من خلال طرق الوقاية والتعامل مع الجروح، وتحويل الحالات للعلاج في نطاقها الجغرافي، بهدف إعلان مركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم خاليًا تمامًا من بتر القدم السكري.

ختامًا، يمكن القول إن التعاون المثمر بين الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني في كل المجالات بداية من المشروعات القومية الكبرى مرورًا بالجهود المختلفة للحماية الاجتماعية وصولًا إلى المبادرات الصحية وغيرها من المجالات، يؤكد رغبة الأطراف المشاركة على تحقيق صالح الشعب المصري وتحسين مستوى جودة حياته بما يحقق في النهاية تنمية شاملة ومستدامة.

+ posts

باحثة بالمرصد المصري

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى