آسيامصر

هل تكون زيارة “مودي” بداية جديدة لتعاون اقتصادي أرحب بين مصر والهند؟

بدأ رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” زيارة إلى مصر في 24 يونيو 2023. وعلى الرغم من كونها الزيارة الأولى لرئيس الوزراء الهندي إلى مصر، فإنها تشهد اللقاء الثاني له مع الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال العام الجاري؛ إذ سبقت تلك الزيارة زيارة الرئيس السيسي إلى نيودلهي في 24 يناير 2023 عندما حل ضيف شرف على احتفالات الهند بيوم الجمهورية الموافق 26 يناير من كل عام. 

وقد كانت زيارة الرئيس السيسي في يناير 2023 هي الثالثة إلى الهند منذ تولية سدة الحكم، حيث كانت الزيارة الأولى في أكتوبر 2015 لحضور القمة الثالثة لمنتدى الهند وأفريقيا، فيما كانت الزيارة الثانية في سبتمبر 2016 والتي مهدت الطريق لتعزيز العلاقات ما بين البلدين، وذلك بالاستناد إلى ثلاثة محاور رئيسة تمثل أساس الشراكة الثنائية وهي: التعاون السياسي والأمني، والمشاركة الاقتصادية والتعاون العلمي، والعلاقات الثقافية والشعبية.

الهند وغرب آسيا

يمكن وضع زيارة رئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” إلى مصر في سياق مساعٍ مشتركة بين الجانبين لتعزيز الدور الإقليمي والعالمي للدولتين. لكن للهند أيضًا أهدافًا خاصة من تلك الزيارة؛ إذ تتحرك نيودلهي بشكل مستدام على مختلف المستويات الإقليمية سعيًا إلى تبوء موقع متقدم في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب، خاصة وأن الهند بدت تبرز سياسة “النظر إلى الغرب” والتي بدأها رئيس الوزراء الهندي السابق “مانموهان سينغ” عام 2005، واستكملها من بعده “ناريندرا مودي”، وتستهدف تلك السياسة إرساء حضور هندي قوي بمنطقة غرب آسيا التي تتعاظم أهميتها الاستراتيجية يومًا بعد يوم نتيجة لزيادة اعداد الجالية الهندية بتلك المنطقة.

لكن ليس ذلك هو السبب الوحيد؛ إذ إن تأمين الطاقة الهندية وتأمين تجارتها البحرية التي تمر عبر تلك المنطقة، ومحاولة موازنه الحضور الصيني المتزايد ومقابلة التراجع الأمريكي في الاهتمام بالمنطقة أحد الأهداف الأساسية من وراء الاهتمام الهندي بهذه المنطقة. 

الهند ومصر

ترسم ملامح العلاقة المصرية الهندية مجموعة من المحددات والأبعاد الرئيسة، وهي تشمل أبعادًا جيوسياسية واقتصادية وسياسية وعسكرية وأمنية، نلقي الضوء هنا على الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية والتي نرى أنها الأكثر أهمية؛ إذ إنها تمثل القوة الناعمة لكلا الدولتين، فالموقع الجيوسياسي لمصر كونها تقع في موقع جغرافي يخلق لها نشاطًا في أربع مواقع استراتيجية بالنسبة للهند وهي: البحر المتوسط، والبحر الأحمر، وأفريقيا، وغرب آسيا.

ذلك فضلًا عن أن مصر هي مدخل أفريقيا والشرق الأوسط، وتمتلك أحد أهم الممرات الملاحية عالميًا “قناة السويس” الذي يربط التجارة بين الهند وأوروبا، هذا فضلا عن وجود مصر في منتدى غاز شرق المتوسط واكتشافات الغاز الطبيعي المتتالية والتي عززت من مكانة مصر بمنطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط وعززت موقعها كدولة مركزية استراتيجية بالمنطقة.

أما البعد الثاني فهو البعد الاقتصادي؛ إذ تربط الهند -صاحبة التعداد السكاني البالغ 1.4 مليار نسمة- علاقات اقتصادية جيدة بمصر التي تعد الأكبر من حيث عدد السكان بمنطقة الشرق الأوسط، فهي تستورد من القاهرة: النفط الخام، والأسمدة، والقطن، والكيماويات غير العضوية. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2021/22 حوالى 7.26 مليارات دولار أمريكي، بزيادة قدرها 75% عن العام السابق عليه 2020/21، ومن المستهدف ان يصل حجم التجارة بين البلدين إلى 12 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2027. فتنظر الهند إلى مصر كسوق نافذة لأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا، بفضل اتفاقاتها التجارية والتي تمكنها الوصول إلى عدد 1.4 مليار مستهلك تقريبًا. 

الشكل 1: المصدر – قاعدة بيانات OEC

*- البيانات الخاصة بعام 2022 هي بيانات فعليه عن 10 أشهر وتم ترجيحها لتمثل 12 شهرًا بافتراض ثبات المتوسط الشهري لبيانات العشرة أشهر الفعلية

ومن جانب آخر، فقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين مصر والهند تطورًا كبيرًا بالتعاون في مجال إنتاج الهيدروجين الأخضر، والذي تمثلت أهم خطواته في توقيع صندوق مصر السيادي والشركة المصرية لنقل الكهرباء والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وهيئة الطاقة الجديدة والمتجددة مذكرة تفاهم مع شركة الطاقة المتجددة الهندسة “Renew Power” لإنشاء مصنع لإنتاج الهيدروجين الأخضر باستثمارات تبلغ 8 مليارات دولار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتتمثل أهم الصادرات المصرية للهند في النفط الخام والذي يمثل 63% من الصادرات بقيمة (1.1 مليار دولار)، أما المنتجات الكيماوية فهي تمثل حوالى 22% من إجمالي الصادرات المصرية للهند. وعليه فإن المنتجات السابقة فقط تشكل حوالي 85% من إجمالي الصادرات المصرية للهند. من جانب آخر، فإن هيكل الواردات المصرية من الهند مفتت إلى حد كبير، حيث تستورد مصر من الهند لحومًا ومنتجات حيوانية بحوالي 580 مليون دولار (17%)، ومنتجات بترولية بحوالي 439 مليون دولار أي ما يمثل 12.8%، وتتمثل باقي الواردات المصرية من الهند في الملابس والمعادن والمركبات والدراجات النارية.

وقد كان للحرب الروسية الأوكرانية أثر كبير على تغير هيكل الواردات المصرية من الهند؛ فقد شهد العام 2022 اتفاقًا مصريًا هنديًا لشراء 500 ألف طن من القمح الهندي، بعد أن وضعت الهند مصر في مكانه خاصة لتسمح ببيع الحبوب لها في وقت كان يمر فيه العالم بأزمات شديدة من الجفاف والارتفاع في أسعار القمح عالميًا إبان الحرب الروسية الأوكرانية والحظر الذي فرضته روسيا على تصدير الحبوب للعالم، وهو الأمر الذي دفع مصر إلى تغيير استراتيجيتها في شراء القمح والتي كانت مركزية إلى حد كبير في الحصول على شحنات القمح من روسيا وأوكرانيا بنسبة 80% تقريبًا، وتوسيعها لتشمل دولًا أخرى بالمنطقة بعيدة عن بؤرة الصراع مثل الهند وفرنسا بالإضافة إلى دول أخرى بمختلف أرجاء العالم.ختامًا، يمكن للعلاقات الاقتصادية بين القاهرة ونيودلهي النمو إلى آفاق أرحب وأوسع؛ إذ تسمح زيارة رئيس الوزراء الهندي إلى مصر ببحث العديد من الملفات المشتركة بين البلدين، وتمهد لتعزيز سبل التعاون التجاري بين الجانبين بهدف الوصول إلى مستهدف 12 مليار دولار من التبادل التجاري، وتسهم في تعزيز الاستثمارات الهندية بمصر والتي تبلغ 3.2 مليار دولار أمريكي، تنتشر في حوالي 50 مشروعًا هنديًا على الأراضي المصرية.

أحمد بيومي

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى