الحوار الوطني

سياسات الدولة المصرية لتعزيز مفهوم تنمية وتمكين الشباب بعد عام 2014 والتحديات الحالية على مائدة الحوار الوطني

تمثل فئة الشباب في مصر من سن 18 إلى 40 عامًا ثلث المجتمع المصري، بما يُمثل ثقلًا ديموغرافيًا مهمًا في تفاعلات المجتمع المصري الذي يمر بفترة انتقالية مهمة بعد ثورتي 2011 و2013. واجهت تلك الفئة أزمات جمة غيرت من سلوكهم السياسي والاقتصادي مما ألقى بظواهر سلبية على ظلال الدولة المصرية. ولكن انتهجت القيادة السياسية الجديدة منذ عام 2014 مجموعة من التطبيقات السياسية التي استهدفت معالجة الخلل الذي واجه الشباب قبل ذلك، ولا يُستبعد من تلك التطبيقات مجموعة من التحديات المطلوب أخذها في الاعتبار، والتي من الممكن أن تناقشها طاولة الحوار الوطني والعمل على حلها، من أجل الاستغلال الأمثل لطاقات الشباب وبما يحقق الاستفادة القصوى من جهود الدولة في هذا الشأن.

أولًا: الواقع المتأزم للشباب المصري قبل 2011

عانى الشباب المصري قبل يناير 2011 من جملة من الأزمات تلخصت في ظاهرة التهميش على المستوى السياسي، إذ لم يتمكن الشباب من الانخراط في الحياة السياسية والتعبير عن آرائهم والوصول إلى المناصب التنفيذية؛ أو على المستوى الاقتصادي، الذي لم تتلاءم فرص العمل فيه مع مهاراتهم أو تطلعاتهم المعيشية؛ أو على المستوى الاجتماعي، المتمثل في عدم توفر خدمات جيدة من قبل الدولة في مجالات الصحة والتعليم والإسكان.

استمرت النسبة الديموغرافية للشباب المصري من المجموع الكلي للمجتمع (الذين هم من سن 18 حتى 40 عامًا)، تمثل ثلثي المجتمع المصري (أي 45 مليونًا من أصل 80 مليون نسمة في 2009 و2010)، ومع ذلك لم تنتبه لهم الحكومات المصرية المتعاقبة، كونهم ثقلًا ديموغرافيًا مهمًا يعبر عن سوء حال الأوضاع السائدة حينها ومستقبل مظلم بعد ذلك. وبعد أحداث ثورة يناير 2011، واجهت مصر ثلاثة تحديات أساسية يمكن تقديرها على النحو التالي:

  • انعدام الصوت السياسي للشباب المصري: بيّن مسح على الشباب في مصر، أجرته في العام 2009 منظمة “مجلس السكان” الدولية، أن أقلّ من 1% فقط من الشباب في الفئة العمرية ما بين 18 و29 عامًا ينتمون إلى أحد الأحزاب السياسية، وأن نسبة 16% فقط أيضًا من الشباب الذين يحقّ لهم الانتخاب أدلوا بأصواتهم في الانتخابات الأخيرة.
  • انهيار مفهوم النخبة السياسية: لم يكن في مصر (قبل عام 2011) أكثر من 21 حزبًا سياسيًا فقط، لم يتبنوا ممارسة الديموقراطية الداخلية في أحزابهم، وتبنوا نهجًا سياسيًا عفا عليه الزمن يغيب عنه القدرة على التخطيط وصياغة البرامج الحزبية الرشيدة، معتمدين فقط على اللغة والرموز التي لا تحظى بأي جاذبية لدى الشباب. فما كان من الشباب إلا الانخراط في تشكيلات وحركات اجتماعية وسياسية غير منضبطة، هدفت إلى التعبير السياسي عبر مفهوم “التظاهر”، وبالتالي عملت تلك الحركات على كسر الثقة السياسية بين المجتمع والشباب بالتحديد، وبين المؤسسات العاملة في الدولة المعنية بتسيير السياسة.
  • بيئة أعمال مهترئة: كانت أحد انعكاسات انتشار العولمة هو تنامي ظاهرة الاستقلالية الفردية والرغبة للهروب من روتين الوظيفة إلى السعي لخلق مشروع اقتصادي مستقل.

ولكن في الواقع، واجه الشباب حينها نوعين من الواقع؛ الأول: هو غياب التشريعات والإرادة السياسية بهدف تنظيم بيئة أعمال حاضنة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة. الثاني: عدم قدرة الشباب على تسيير عملهم الخاص لغياب التدريب والتأهيل الكافيين لتشغيل المشروع، مما دفعهم للانتحار أو الهجرة.

انعكست هذه التحديات على بروز مجموعة من الظواهر السياسية السلبية التي انخرط فيها الشباب، وتنامت في الفترة بين ثورتي 2011 و30 يونيو، ويمكن تقديرها على النحو التالي:

  • الشارع هو الرمز السياسي الأول: في دراسة للمركز المصري للحقوق الاجتماعية والاقتصادية (2012) تبين أنه في عام واحد تقريبًا كان هناك: 851 وقفة، و561 قطع طرق، و558 مظاهرة، و514 إضرابًا، و500 اعتصام، و140 مسيرة. وشارك في النزول تباعًا من نهاية 2011 وعام 2012 جميع فئات الشعب تقريبًا، وعلى رأسهم الشباب.
  • اختفاء المثقف السياسي: حضر بدلًا من المثقف السياسي “الناشط السياسي” غير الملم بالأيديولوجيات، ولكن لديه القدرة على الحشد.
  • صعود ظاهرة “الحشود الجماهيرية“: التي حلت محل ظاهرة “الجمهور”، وتتصف الأولى بالأعداد الهائلة التي تستطيع التغلب على أي استنفار أمني. ويبدو أنها ظاهرة عالمية وجدت لها مستقرًا كبيرًا في مصر في الفترة التي تلت 2011.
  • الصراع بين الشرعية الثورية والشرعية المؤسسية: بعد 25 يناير تناطحت شرعيتان الأولى ثورية انعكست في تبني جماعة الإخوان الإرهابية عبارة “نظام بنكهة الثورة”، والثانية ديموقراطية انعكست في نزول الملايين من المصريين في انتخابات عامة، أفرزت عن تشكل خريطة سياسية جديدة في مصر لا تنحصر فقط في حزب الأغلبية “الحزب الوطني”. فتماهت مصر بين الإيمان بالشرعية الثورية التي تسعى لإسقاط أي إرث سياسي للدولة، وبين الشرعية الدستورية التي تسعى لبناء مؤسسات مستقرة تحتضن التفاعلات السياسية وتنظمها.

ثانيا: التطبيقات السياسية الوطنية

عالجت القيادة السياسية المصرية بعد ثورة 30 يونيو، وتقلد السيد الرئيس عبد الفتاح السياسي مقاليد الحكم في يونيو 2014، ملف الشباب عبر مجموعة من الآليات والأدوات نذكرها في النقاط التالية:

1- البرامج التدريبية

(أ)- البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة: بدأت فكرة البرنامج بالإعلان عن مبادرة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية “للبرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة” في سبتمبر عام 2015، بهدف إنشاء قاعدة قوية وغنية من الكفاءات الشبابية كي تكون مؤهلة للعمل السياسي، والإداري، والمجتمعي بالدولة، من خلال اطلاعها على أحدث نظريات الإدارة والتخطيط العلمي والعملي، وزيادة قدرتها على تطبيق الأساليب الحديثة لمواجهة المشكلات التي تحيط بالدولة المصرية.

يعد البرنامج كيانًا مستقلًا تابعًا لرئاسة الجمهورية من خلال إدارة متخصصة محترفة، ويتعاون في تنفيذه عدد من هيئات ومؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ويطبق البرنامج نموذجًا تعليميًّا مبنيًا على مفهوم اكتساب الخبرات، حيث يتلقى الدارسون المادة العلمية في صورة محاضرات نظرية يليها تطبيق عملي مباشر على أرض الواقع من خلال تطبيق المحاكاة للنماذج المختلفة. ويلتقي الدارسون خلال فترة البرنامج بعدد من رموز الفكر والثقافة لإثراء القاعدة المعرفية لديهم.

وتم إنشاء “الأكاديمية الوطنية للتدريب”، لتكون الشكل المؤسسي لبرامج تدريب وتأهيل الشباب، وهي ثاني آليات تمكين الشباب والتي تهدف إلى تحقيق متطلبات التنمية البشرية للكوادر الشبابية بجميع قطاعات الدولة، والارتقاء بقدراتهم ومهاراتهم. وجاء إنشاؤها كأحد توجيهات المؤتمر الوطني الأول للشباب بشرم الشيخ، وتعد المشروع القومي لبناء الإنسان، فعلى مدار السنوات الماضية، تخرج فيها ثلاث دفعات من البرنامج الرئاسي، ضمت 1500 شاب وفتاة في الفئة العمرية بين 20و30 عامًا.

(ب)- المشروع القومي لتأهيل الشباب للمحليات والمشاركة السياسية: يستهدف العمل على دعم الكوادر الشبابية المصرية، من أجل الانضمام بالمجلس المحلي المصري، بالإضافة إلى رفع الوعي الفكري سواء كان الثقافي أو السياسي لديهم، فضلًا عن تأهيلهم لفهم الشارع المصري والعمل على حل التحديات التي تواجه المواطن المصري، وكذلك العمل على التقائهم مع أصحاب الفكر والرؤى والرموز السياسية البارزة، من أجل التعلم واكتساب الخبرات وذلك من خلال الحوار البناء والمناقشات الثرية، حيث يشمل البرنامج لقاءات حوارية مفتوحة مع شخصيات سياسية بارزة.

وتم تدشين المبادرة بمشاركة بين وزارتي الشباب والرياضة (كمشرف عام على المشروع)، ووزارة التنمية المحلية (كشريك أساسي بالمشروع).

(ج)- مبادرة شباب من أجل التنمية: هي برنامج يسعى إلى توفير مجالات مختلفة للحوار مع الشباب، لتحقيق مبدأ الاتصال السياسي المباشر مع الشباب، وتم إطلاق المبادرة من وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية بالشراكة مع المجلس الأعلى للجامعات. ويهدف البرنامج إلى رفع مستوى الوعي الشبابي بأهداف التنمية المستدامة، من خلال التدريب على تقديم مشروعات تنموية مبتكرة تحل قضايا قومية ومحلية. ويعد الهدف الاستراتيجي من جراء هذه المبادرة هو إعداد جيل شبابي قادر على قيادة العمل العام.

2- مستويات التمكين الشاملة

أضفت الدولة المصرية حماية واهتمامًا خاصًا بتمكين ورعاية الشباب في الوثيقة الدستورية 2014. حيث نص الباب الثالث من الدستور المصري (الخاص بالحقوق والحريات والواجبات العامة)، في المادة 82 على أن: “تكفل الدولة رعاية الشباب والنشء، وتعمل على اكتشاف مواهبهم، وتنمية قدراتهم الثقافية والعلمية والنفسية والبدنية والإبداعية، وتشجيعهم على العمل الجماعي والتطوعي، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة”.

(أ) التمكين السياسي

يعد التمكين السياسي هو أهم مراحل ومستويات التمكين التي تقدمها القيادة السياسية المصرية لفئة الشباب؛ سعيا من الدولة لدفع الشباب للتعبير السياسي المؤسسي من خلال الاندماج داخل المؤسسات السياسية المتعددة. وتمت خطوات التمكين من خلال الأطر التالية:

1- الأحزاب:

تم تدشين مبادرة تجمع الشباب الحزبي والمستقل، تحت مظلة تنسيقية سياسية لتقديم نموذج للحوار القائم على الأهداف والرؤى المشتركة، من أجل تنمية الحياة السياسية وتقديم مشروع وطني يجمع كل الأطياف، وهي “تنسيقية شباب الأحزاب” وتضم 27 حزبًا ومجموعة من السياسيين المستقلين.

كذلك شجعت الدولة انخراط الشباب للانضمام إلى مختلف الأحزاب، لما تسهم فيه فئة الشباب من دور أساسي في ضمان نجاح عملية التحول من المرحلة الانتقالية إلى الدولة الوطنية المؤسسية (الجمهورية الجديدة).

2- التنفيذيين:

تضمنت حركة المحافظين عام 2019 تمثيلًا فعليًا للشباب، وهذا ما يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن التمكين أصبح حقيقة وليس شعارًا، فضمت الحركة 39 قيادة جديدة ما بين محافظ ونائب للمحافظ، من بينهم 60 % من الشباب، حيث ضمت اختيار 16 محافظًا، و23 نائبًا، وجاء عدد الشباب 25 قيادة، منها اثنان من المحافظين، و23 نائبًا للمحافظين. كما بلغ عدد الأعضاء من الشباب تحت سن الأربعين بمجلس النواب في دورته الحالية 2021-2026، نحو 124 نائبًا بنسبة 21% من إجمالي عدد النواب بالبرلمان.

3- المحليات:

نص دستور2014 على تخصيص 25% من مقاعد المجالس المحلية للشباب، وهو ما يشير إلى اهتمام الدولة بضرورة تمكين الشباب وتدريبه وتأهيله للقيادة في دولة يشكل فيها الشباب السواد الأعظم من عدد سكانها. وتستعد مصر لتمكين الشباب على مستوى المحليات، ولكن بعد إتمام المرحلة التمهيدية والتدريبية لضمان نجاح التجربة.

ومن أهم المبادرات التي أطلقتها الحكومة (بجانب مشروع التأهيل الشبابي للمحليات) لدعم وتمكين الشباب على مستوى المحليات “مبادرة شغلك فى قريتك”، التي يتم تنفيذها في 27 محافظة لديها كوادر مؤهلة من الشباب لدخول المجال العام، حيث بلغ عدد الجمعيات الأهلية التي ساهمت في تنفيذ البرنامج واكتسبت القدرة اللازمة لأداء البرامج الخاصة بتمكين الشباب 80 جمعية ومؤسسة أهلية، وشارك 522 مدربًا مؤهلًا لتنفيذ برامج إعداد الكوادر الشبابية، كما يوجد 35 ألفًا و330 شابًا وفتاة مدربين ومؤهلين للترشح للمحليات والمشاركة في العمل العام. علاوة على ذلك يوجد 2 مليون و128 ألفًا و868 مواطنًا لديهم الوعي بالمحليات وأهمية المشاركة في الشأن العام.

(ب)- التمكين الاقتصادي

1- مبادرة ابدأ: انطلقت المبادرة تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لشباب البرنامج الرئاسي، بربط مبادرة حياة كريمة بمشروع متكامل للصناعة وتنمية العنصر البشري، لتحقيق 3 أهداف أساسية، وهي توفير فرص عمل للشباب، وتوطين الصناعات الحديثة، وتقليل الفاتورة الاستيرادية.

2- مبادرة “مشروعك”: يقدم المشروع القومي للتنمية المجتمعية والبشرية والمحلية “مشروعك” بوزارة التنمية المحلية قروضًا ميسرة للشباب لتنفيذ مشروعاتهم الصغيرة ومتناهية الصغر، بفائدة لا تتعدى 5%، وساهم المشروع منذ انطلاقه حتى الآن في تنفيذ ما يقرب من 190 ألف مشروع بقروض 22,6 مليار جنيه، ووفرت هذه المشروعات أكثر من 1,4 مليون فرصة عمل.

كما أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي في مطلع عام 2016، مبادرة تضمنت تكليف البنك المركزي بتوفير 200 مليار جنيه لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بفائدة لا تتعدى 5%.

3- تشجيع الشباب بمنح أراضي بالمجان لمحافظات الصعيد: قامت الدولة المصرية بمنح أراضي كاملة المرافق بالمجان لمحافظات الصعيد من بني سويف حتى أسوان تشجيعًا للشباب والمستثمرين، ووضعت خطة مستقبلية لتنمية ما تملكه كل محافظة من مقومات وموارد وفرص استثمارية لخلق فرص عمل للشباب. وكذلك وضعت خطط لتنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتشجيع الحرف اليدوية التي تنتشر بالصعيد.

4- تدشين مشروع “إمكان” لتشغيل الشباب: تم تدشين مشروع “إمكان” لتشغيل الشباب ودعم ريادة الأعمال في صعيد مصر، وهو مشروع تابع لمنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو” بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة وهيئة التنمية الصناعية ومحافظة الأقصر بتمويل من حكومة اليابان، ويهدف المشروع إلى تنويع وسائل تنمية وتطوير الاقتصاد والقطاع الخاص المحلى وتعزيز فرص تشغيل الشباب. وقد عرضت محافظة الأقصر 56 فرصة استثمارية صناعية بالمحافظة في نوفمبر 2017 عبر فعاليات مؤتمر “استثمر في الأقصر – إيجاد الفرص الصناعية”.

(ج) التمكين الاجتماعي

تقدم الدولة ثلاثة أنواع من الإسكان، وهي: الإسكان الاجتماعي، ومشروع الإسكان الفاخر، والإسكان المتوسط والذي بدوره ينقسم إلى مشروع سكن مصر، ودار مصر.  أما على مستوى مراكز الشباب، فحسب إحصائية تعود إلى عام 2021 فيشمل مصر 4449 مركز شباب على مستوى القطر المصري، 88.5% في الريف فيما 11.5% في الحضر.

ولكن بشكل عام، يعد “التطوع” هو أهم آليات الدولة في تمكين الشباب اجتماعيًا التي يمكن من خلالها النهوض بالمجتمع والارتقاء به والعمل على تحسين مستوى حياة المواطن، كما أنها إحدى أدوات إدماج الشباب في المجتمع، ودعم الولاء والانتماء بالإضافة إلى اكتساب العديد من المهارات الشخصية. ويعد مشروع حياة كريمة والتحالف الوطني للجمعيات الأهلية أبرز التطبيقات المجتمعية لدعم ثقافة التطوع بين الشباب المصري.

ثالثًا: القضايا العالقة

1- الإطار المؤسسي

يتمثل المعيار الأهم لنجاح الاستراتيجيات الوطنية في وجود مؤسسة حكومية جامعة للصلاحيات التشريعية، أي الحق في تقديم مشاريع قوانين لتنظيم ملف الشباب، والسياسات التنفيذية في إطار التنسيق مع الجهات المعنية.

لكن يبدو أنه على الرغم من أن الحكومة هي المقدم الموضوعي لخدمة إدارة ملف الشباب في مصر، إلا أن هناك ازدواجية بين بعض الجهات المسؤولة عن تقديم الخدمات إلى الشباب مثل وزارة الشباب والرياضة، أو وزارة التخطيط التي تقدم خدمات تدريبية، أو وزارة الصحة التي تقدم خدمات صحية ونفسية للشباب. وهناك على مستوى المحافظات فتعد مديريات الشباب فاعل أساسي في تنفيذ بعض السياسات مع جهات أخرى وزارية أو إدارية غير وزارة الشباب والرياضة.

ويمكن حل هذه الازدواجية من خلال إنشاء مجلس وطني أعلى للشباب يكون له صلاحيات إصدار مشروعات القوانين المنظمة لعمل السياسات التنفيذية، وأن يكون للمجلس سلطة متابعة تنفيذ السياسات المعنية بتمكين الشباب.

2- التشريعات القانونية

يزخر ملف الشباب في مصر بوجود عدد كبير من اللوائح والتشريعات المنظمة لسياسات الشباب، لكن هناك ازدواجية ملحوظة في عدد من التشريعات الخاصة (على سبيل المثال) هناك فرق بين اللوائح المنظمة لمراكز الشباب، عن تلك المنظمة لمديريات الشباب في الوحدات المحلية. كذلك الحال فيما يتعلق بقوانين المحليات، والجمعيات الأهلية، والقوانين الخاصة بمباشرة الحقوق السياسية.

ويمكن القضاء على الازدواجية التشريعية في تبعية الجهات المعنية بالشباب مثل المديريات والمراكز والجمعيات الشبابية لأكثر من لائحة قانونية، وتوحيد الخريطة التشريعية لكافة لوائح المنظمات الشبابية العاملة في الملف.

3- الوعي والتثقيف السياسي

تعتبر فئة الشباب الجامعي، من أكثر فئات المجتمع التي تأثرت بالتغيرات المستحدثة في القيم ونمط التفكير ودرجة الطموح والمسؤولية ومستوى الانتماء للمجتمع، الأمر الذي يؤكد على ضرورة تضافر كافة الهيئات العاملة في مجال رعاية الشباب، لتقديم الرعاية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والثقافية لهذه الفئة، للنهوض بها واستثمار ما لديها من إمكانات وقدرات هائلة في تنمية المجتمع.

وتشير جميع الاستراتيجيات الوطنية (مثل: استراتيجية حقوق الإنسان، وتمكين المرأة ومكافحة العنف، وتنمية الشباب) في تقديماتها إلى أن فئة الشباب واجهت تغيرات وظواهر سلبية تسببت في تبنيهم سلوكًا لا يتفق مع مشروع الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو، وأشارت إلى أن هناك حاجة ماسة لتضافر الجهود لرفع درجات الوعي؛ بهدف تعزيز قدرتهم على الاندماج في قضايا الإصلاح الشاملة.

ويحتاج ملف تنمية الوعي والتثقيف السياسي إلى تطبيق مفهوم الحوكمة (أي دمج القطاعات الثلاثة؛ الحكومة والأحزاب والمجتمع المدني)، واهتم المجتمع المدني في الوقت الراهن بمنح أولوية للعمل الأهلي والحرص على مشاركة الشباب في قضايا الإصلاح والتنمية. فيما لا تشمل مصر نوعًا واحدًا للأحزاب فهناك أحزاب جماهيرية، وأحزاب برامج، وأحزاب أيديولوجية، وتعاني تلك الأنواع من غياب الديموقراطية فيها والتحديات التمويلية، وبالتالي لا تستطيع أن تساهم بقوة في تقديم التوعية والتثقيف لا سيما أن ذلك يتطلب نوعًا محددًا من الأحزاب وهو أحزاب البرامج.

يتبقى الحكومة وحدها المسؤولة عن الوعي والتثقيف السياسي، وهو ما يعني افتقاد مبدأ الحوكمة عن المتطلب المذكور. وتقدم الحكومة مجموعة من المبادرات بهدف التثقيف مثل وزارة الشباب والرياضة، ولكنها تفتقد إلى الاتصال التفاعلي من أعلى إلى أسفل، ومن أسفل إلى أعلى.

4- عدم اكتمال قاعدة البيانات

تمثل قاعدة البيانات ركيزة أساسية لدى المؤسسات المعنية بإدارة ملف تمكين الشباب وتوجيه الأولوية السياسية نحو الفئات الشبابية الأولى بالرعاية. ولكن يبدو أنه على الرغم من تدشين مشروع قومي لاكتمال قواعد البيانات لرصد الخريطة الديموغرافية والتنموية للمجتمع المصري، إلا أنها لم تصل إلى مستويات إيجابية متقدمة تكشف كامل المجتمع.

ختامًا، يمكن الإشارة إلى أن الحوار الوطني إحدى المنصات السياسية ذات البعد الاستراتيجي لتحقيق مبدأ التشاركية والحوار الشامل بين مكونات المجتمع المصري؛ للوصول إلى استراتيجيات وطنية تعالج مواطن الخلل على المستويات المتعددة. كذلك يمكن القول إن القيادة السياسية الجديدة منذ عام 2014 اهتمت بفئة الشباب واعتبرته الثقل الديموغرافي الاستراتيجي في البلاد، من خلال تطبيق مقاربة تنموية متعددة المستويات.

شادي محسن

باحث ببرنامج العلاقات الدولية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى