الحوار الوطني

نحو واقع وآفاق أكثر فعالية للعمل الأهلي

تُعد ديمقراطية المجتمعات والحكومات هي العامل الأهم في زيادة عدد مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي وموارده المالية وعدد أعضائه ودرجة مشاركتهم الحقيقية في أنشطته. فالديمقراطية هي وجود علاقة معينة بين الحاكم والمحكوم، يتمتع فيها المحكوم بحرية التعبير وحق مراقبة الحاكم ومحاسبته والتأثير في صنع السياسات. لذا فأي مجتمع يسعى إلى بناء نظام ديمقراطي يجب أن ينشئ في نفس الوقت مجتمعه المدني الخاص به.

وتوفر في مصر للمجتمع المدني والعمل الأهلي بيئة قانونية وسياسية تمكينية؛ ونأمل أن يقوم بالدور المفترض أن تلعبه مؤسسات العمل الأهلي نظرًا لأهميته في توضيح التطلعات الموجودة في المجتمع، وأن يكون صوت الضعفاء والمهمشين، وأن يعمل على ضمان الوصول إلى الخدمات المهمة، وتوفير الخبرة في صنع السياسات، وتعزيز المواطنة النشطة، لأن الفضاء المدني والعمل الأهلي هو عنصر لا يتجزأ من الديمقراطية، وسيادة القانون والحقوق الأساسية.

تاريخ وماهية العمل الأهلي

بدأت الجمعيات الأهلية في مصر بشكل منظم عام 1821 حينما ظهرت الجمعية الخيرية اليونانية الأولى بالإسكندرية، لتظهر في تسعينيات القرن التاسع عشر عشر جمعيات أخرى ذات صبغة دينية وكان أشهرها الجمعية الخيرية الإسلامية عام 1878 وجمعية المساعي الخيرية القبطية عام 1881. بينما نشأت وزارة الشؤون الاجتماعية في مصر علام 1939، وتناول دستور 1923 نشاط تلك الجمعيات، وظلت جميع الدساتير المصرية وأخرهم دستور 2014 معولًا على الجمعيات الأهلية في تحقيق التنمية.

وشهدت الأعوام الأخيرة تزايدًا مستمرًا في أعداد الجمعيات الأهلية في مصر، إذ بلغ عدد الجمعيات الأهلية المسجلة في وزارة التضامن الاجتماعي عام 2012 قرابة 37.500 ألف جمعية أهلية، وظل العدد في الارتفاع حتى بلغ 43.500 ألف جمعية ومؤسسة أهلية في عام 2013. وفي عام 2019، ازداد العدد إلى 52.500 ألف جمعية. وفي مطلع عام 2021، أعلنت وزارة التضامن الاجتماعي أن مجموع الجمعيات الأهلية المسجلة في مصر قد وصل إلى 57.500 ألف جمعية ومؤسسة.

وتتنوع الجمعيات الخيرية ما بين: الجمعيات القاعدية الصغيرة: والتي تتمركز وتنتشر في الريف، ويطلق على عدد كبير منها جمعيات تنمية المجتمع المحلي؛ حيث تركز نشاطها على القرية أو النجع التي تتواجد فيه، فضلًا عن توجهها للعمل الخيري بالأساس. والجمعيات المتوسطة الحجم: والتي تتمركز غالبيتها في المدن. والجمعيات الكبيرة والمركزية: والتي تمتد أنشطتها إلى مناطق كثيرة وتتعدد فروعها في أماكن عديدة بين الريف والحضر، وهي قليلة العدد مثل بنك الطعام، والجمعية الشرعية، وجمعية أنصار السنة المحمدية، وجمعية الأورمان، والهيئة القبطية الإنجيلية، وجمعية الصعيد للتربية والتنمية وغيرها.

وللعمل الأهلي دور مهم كشريك أساسي في عملية تعزيز وحماية حقوق الإنسان، بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونشر الوعي بحقوق الإنسان في المجتمع ونشر ثقافة العمل التطوعي، والإسهام في جهود مكافحة التطرف والتوجهات المناهضة لقيم مجتمعنا المصري، إلى جانب التشارك في تحقيق الأهداف التنموية الخاصة بالدولة، ومواجهة الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطنين، من خلال توفير الخدمات الصحية والتعليمية والتشغيلية، والقيام بالأعمال البحثية والاستقصائية التي تسهم في تحديد المشكلات المجتمعية، والمساعدة في حلها، إضافةً إلى رفع الوعي بالقضايا والتحديات المجتمعية. 

وسعيًا إلى دعم مبادئ الديمقراطية بالتنمية عن طريق توحيد الجهود والتنسيق والتعاون المستمر بين المؤسسات الجمعيات الأهلية، بعد معاناة العمل الأهلي من العشوائية، وغياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي؛ تم توقيع ميثاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، في ١٣ مارس ٢٠٢٢، من خلال التعاون بين مؤسسات العمل الأهلي ومؤسسة حياة كريمة. 

ويضم التحالف أكثر من 30 مؤسسة وجمعية أهلية وكيانًا خدميًا وتنمويًا، وفي مقدمتها مؤسسة حياة كريمة والاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية. وتعمل هذه الجمعيات في مختلف مجالات التنمية على تنوعها من: خدمية، وصحية، وتوعوية، وتعليمية، وعمرانية، وغيرها. حيث وضعت المؤسسات والجمعيات الأهلية مجتمعة اللبنة الأولى للتحالف، وما زالت ترحب بانضمام العديد من المؤسسات والهيئات بعد توفيق أوضاعهم لتوحيد الجهود؛ بحيث يتم تكوين قاعدة بيانات موحدة تعمل عليها جميع المؤسسات في التحالف، لضمان عدم تكرار المساعدات ووصولها لمستحقيها، في ظل وجود مشروعات قومية في الدولة وعلى رأسها المشروع القومي التنموي “حياة كريمة” الذي وحد جهود التنمية تحت مظلته.

الإطار التشريعي للعمل الأهلي

إن الهدف السادس من أهداف أجندة التنمية المستدامة 2030؛ هو حوكمة مؤسسات الدولة والمجتمع، حيث تحقق حوكمة مؤسسات الدولة والمجتمع الكفاءة والفاعلية لأجهزة الدولة الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، لذا فرؤية مصر للمستقبل تضع الحوكمة والالتزام بالقوانين والقواعد والإجراءات في ظل سيادة القانون وإطار مؤسسي، ضرورة لتحقيق الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد.

وفي عام 2017 تم إقرار القانون رقم (70) لسنة 2017؛ وأدى إلى حالة من التخبط نتيجة بعض المواد التي يتضمنها، وطالبت بعض منظمات المجتمع المدني بعدم تفعيله وإعادة النظر فيه، وكان القانون محور نقاش في منتدى شباب العالم عام 2018، حيث استجاب الرئيس عبد الفتاح السيسي لمطالب المجتمع المدني، وأعلن عدم تفعيل هذا القانون وفتح حوار مجتمعي لإعداد قانون يشارك فيه الجمعيات والمؤسسات الأهلية والشباب، وتم الانتهاء من قانون (149) لسنة 2019، الذي جاءت بنوده متوافقة مع نص دستور 2014 في المادة (75) والتي تنص على أن “للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية ويكون لها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار”. 

وبهذا فقد جاءت التشريعات داعمة لمنظمات المجتمع المدني والعمل الأهلي، حيث يحقق قانون (149) لسنة 2019 بشأن تنظيم العمل الأهلي، عددًا من المكاسب المهمة تتمثل بالأساس في معالجة الإشكاليات القانونية والدستورية التي صاحبت عملية تشريع وإصدار قانون (70) لسنة 2017، ومنها السماح بتأسيس الجمعيات الأهلية بمجرد الإخطار، والسماح للأجانب بعضوية الجمعيات الأهلية المصرية بنسبة 25% من مجموع أعضائها، وإيجاد إطار أفضل لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية في مصر، فضلًا عن إجازته للجاليات الأجنبية إنشاء جمعية تعني بشؤون أعضائها، وإعادة الاختصاص بالرقابة على الجمعيات لأجهزة الوزارة، والسماح بالحصول على التمويل الأجنبي بشرط إخطار السلطات وعدم انتهاك المنظمة أيًا من القوانين القائمة، وإلغاء عقوبة الحبس والعقوبات السالبة للحريات عند مخالفة أحكامه والاكتفاء بالغرامات المالية. 

ولم يقف الأمر عند صدور قانون (149) لسنة 2019، ولكن في خطة تعد نقلة نوعية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني على أساس من الثقة المتبادلة بين الطرفين، ودعم خطط التنمية المستقبلية، وافق مجلس النواب خلال الأسابيع الماضية من حيث المبدأ على مشروع قانون مُقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم (149) لسنة 2019.

ويهدف مشروع القانون إلى تعديل بعض أحكام القانون رقم (149) لسنة 2019 بإصدار قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي، إلى منح جميع الجمعيات والمؤسسات الأهلية وغيرها من المنظمات والكيانات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم ممارسة العمل الأهلي المشار إليه “مهلة مؤقتة إضافية لتوفيق الأوضاع”، لمنح الفرصة كاملة لمؤسسات المجتمع الأهلي للتمتع بكافة ما تضمنه القانون من مزايا وتسهيلات، وعدم حرمانها من تلك المزايا والتسهيلات.

حيث إن اللائحة التنفيذية كانت قد صدرت بتاريخ 11 يناير عام 2021، وبدأ العمل بها في اليوم التالي للنشر، مما يستتبع أن تنتهي مهلة توفيق أوضاع الجمعيات والمؤسسات الأهلية الخاضعة لأحكام القانون رقم (149) لسنة 2019 في تاريخ 11 يناير 2022.

تحديات العمل الأهلي في مصر 

  • صعوبة تصور تصنيف جامع للجمعيات الأهلية بين خيرية- رعائية من جانب، وتنموية من جانب ثان، ودفاعية حقوقية من جانب ثالث، حيث يتداخل الثلاثة معًا.
  • الافتقار للتنسيق والتعاون بين هذه الجمعيات، فكل جمعية تعمل بمفردها مما يؤدي إلى تكرار الجهود وعدم تكاملها.
  • عدم نجاح الجمعيات الدفاعية والتي من مهامها الأساسية الاشتباك الإيجابي مع عملية صنع السياسات من أجل ترشيدها وضمان عدالتها، بسبب التوتر الذي ساد علاقتها بالدولة لفترات زمنية طويلة سابقة.
  • معاناة منظمات العمل الأهلي من مشكلة في التطوع، والذي هو أساس عملها.
  • زيادة التوظيف الديني والسياسي داخل الجمعيات الأهلية والنقابات، مما أسهم في اختراق قوى الإسلام السياسي لهذه التنظيمات الأهلية، وغلبة الشخصنة على المؤسسية.
  • انخراط نشطاء الأحزاب السياسية في الجمعيات الأهلية بغرض استخدامها لتحقيق أهداف أحزابهم أو تياراتهم.
  • اعتماد المنظمات الحقوقية على التمويل الأجنبي، وتنفيذ سياسات الجهات المانحة وأجندتها الدولية حتى لو لم تتناسب مع احتياجات المجتمع، والتدخل الدولي المرتبط بتسييس القضايا الحقوقية، وضعف انتشار الثقافة الحقوقية. 
  • عدم توفر قاعدة بيانات ومعلومات حول حجم الإسهام الاقتصادي والاجتماعي لجمعيات العمل الأهلي حتى يمكن تحديد أنماط ومجال المشاركة، وبالتالي يمكن الوقوف على حجم الاختلالات على مستوى التوزيع الجغرافي ومجالات العمل.
  • ضعف المنظمات الأهلية في صياغة أجندة جديدة تتضمن التحديات التنموية والاجتماعية والثقافية التي تترجمها القضايا المجتمعية والتفاعلات الاجتماعية.
  • عدم تحديد الأولويات والسياسات والبرامج وفقًا للاحتياجات والمتطلبات التنموية للدولة والمجتمع.
  • انتقال مسؤولية العمل الأهلي من الدولة إلى الأفراد والمجموعات الأهلية؛ فانتشرت الجمعيات الأهلية دون تنسيق كافٍ مع الدولة.  

حلول نحو فعالية العمل الأهلي

إن القانون الجديد لتنظيم العمل الأهلي رقم 149 لسنة 2019، فرصة جيدة يمكن البناء عليها لإعادة تنظيم العمل الأهلي بشكل يُسهم في عملية التنمية المستدامة، من خلال شراكة حقيقية مع مؤسسات الدولة تتمثل في وضع الأجندة تحديد الأولويات مرورًا بالتخطيط ثم التنفيذ وأخيرًا المتابعة والتقييم. 

بالإضافة إلى أن ميثاق التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي، الذي تم توقيعه في ١٣ مارس ٢٠٢٢، من خلال التعاون بين مؤسسات العمل الأهلي ومؤسسة حياة كريمة، يؤدي إلى توحيد الجهود والتنسيق والتعاون المستمر بين المؤسسات الجمعيات الأهلية، بعد معاناة العمل الأهلي من العشوائية، وغياب الرؤية والتخطيط الاستراتيجي، إضافةً إلى أن التحالف يعمل على رسم خريطة بيانات موحدة لمصر تشمل كل المؤسسات والجمعيات الأهلية. هذا إلى جانب مبادرة “حياة كريمة” التي تعد مشروع القرن، إذ نجحت في إقامة شراكة مؤسسية وحقيقية ومتوازنة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات الأهلية.

فضلًا عن وجود الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أُطلقت عام 2022، والتي تستهدف زيادة التنسيق والتكامل بين شركاء التنمية “الحكومة – المجتمع المدني- القطاع الخاص”، إضافة إلى تعزيز وتنمية القدرات الموسمية للجمعيات الأهلية، وعقد الشراكات مع المجتمع المدني في أكثر من مجال حقوقي.

ولفعالية العمل الأهلي من الممكن العمل على:

  • البناء على القانون الجديد للعمل الأهلي واعتباره خطوة أولى لبناء الثقة من ناحية وأساسًا قانونيًا لوضع إطار مؤسسي للشراكة.
  • إعادة صياغة كافة القوانين والتشريعات المرتبطة بمكونات المجتمع المدني والعمل الأهلي، بحيث تشكل منظومة متكاملة للأدوار والمسؤوليات في تنفيذ السياسات العامة.
  • تفعيل آليات مواجهة اختلالات التوظيف السياسي والديني للعمل الأهلي، وضبط تسييس الملف الحقوقي وتدويله ووضع آليات وطنية له.
  • حل التدخل الدولي المرتبط بتسييس القضايا الحقوقية؛ وذلك عن طريق المجلس القومي لحقوق الإنسان، بأن يكون هو المظلة الراعية للمنظمات الحقوقية.
  • العمل على تفعيل العلاقة بين المجلس القومي لحقوق الإنسان والمنظمات الحقوقية، بحيث تمثل مظلة للمنظمات الحقوقية في دعمها وتدريبها وبحث سُبل تمويلها.
  • التصدي لمظاهر التطرف وخاصة الديني منها، والعمل على عزلها اجتماعيًا؛ فالتطرف أيًّا كانت أشكاله أو اتجاهاته يُضعف الدولة.
  • الاهتمام بتوسيع المفهوم الحقوقي ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
  • تعميق أواصر الحوار بين مؤسسات العمل الأهلي؛ لتوحيد الصفوف، وتجنب ازدواجية العمل.
  •  إعداد قاعدة بيانات مشتركة لتوحيد الجهود وتكاملها وضمان عدالة التوزيع، وتنظيم دور العمل الأهلي بما يتوافق مع الأجندة التنموية للدولة.
  • بناء استراتيجية إصلاح متكاملة لمنظمات المجتمع المدني والعمل الأهلي، وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين الدولة من جهة والمواطن من جهة أخرى.
  • توجيه مؤسسات العمل الأهلي للطاقات الشبابية نحو الإسهام الحقيقي في التنمية، وتكوين كوادر شبابية قادرة على العمل الجماعي والتطوعي، مما يسهم في تشجيع وتعميق مفهوم التطوع، وتكوين قاعدة شبابية للعمل الأهلي.
  • تنمية الوعي وبناء القدرات لمؤسسات العمل الأهلي الناشئة من خلال عقد المنظمات لندوات وورش عمل.
  • تفهم مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي للاعتبارات الأمنية والسياسية والعمل على إزالة أي شكوك حوالها بكل الطرق الممكنة؛ حيث لا يمكن أن ينشط المجتمع المدني إلا في دولة مستقلة ومستقرة وآمنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى