الحوار الوطني

العمل الأهلي على طاولة الحوار الوطني: الفرص والتحديات

يُعد تنظيم أجندة العمل الأهلي في مصر وطرحها على طاولة الحوار الوطني من أهم القضايا التي تشغل بال منظمات المجتمع المدني، خاصة في ظل قيادة سياسية داعمة، ووجود ركائز أساسية ينطلق منها بعد إقرار القانون رقم 149 لسنة 2019 المنظم لعمل منظمات المجتمع المدني، وإطلاق الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2022 عام المجتمع المدني خلال مؤتمر الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، والذي أكد من خلاله أهمية شراكة الدولة مع المجتمع المدني في أكثر من موضع.  وفيما يلي استعراض لخريطة العمل الأهلي في مصر.

الوضع الراهن

يتكون العمل الأهلي في مصر من مجموعة من التنظيمات والمؤسسات التطوعية المستقلة ذاتيًّا، غير الربحية، والتي تمارس عملًا ينطلق من قواعد فكرية وفق رؤى محددة، ومرتبطة بتحقيق منافع ومصالح للمجتمع ككل، أو لبعض الفئات المهمشة التي لا تحظى بالاهتمام المطلوب.

ويأخذ المجتمع المدني في مصر أشكالًا متعددة؛ فهناك الجمعيات الأهلية والتي تشمل “الجمعيات الخيرية- الجمعيات التنموية- الجمعيات الدفاعية والحقوقية”، والنقابات المهنية التي تلعب دورًا مهمًا في العملية الإنتاجية والخدمية وتضم الشرائح الأكثر تعليمًا، والنقابات العمالية التي تدافع عن مصالح العمال، ونادى القضاة، وجمعيات رجال الأعمال، والغرف التجارية والصناعية وهي عبارة عن هيئات تمثل المصالح التجارية والصناعية لدى سلطات الحكومة. ورغم تزايد أعداد الجمعيات الأهلية وتنوعها بين حقوقية وخدمية، فإن الفئة العظمى من تلك الجمعيات غير فعالة على أرض الواقع؛ نتيجة افتقارها إلى وجود أجندة تنموية وثقافية تعمل على أساسها.

وللمجتمع المدني أيضًا أدوار متعددة: أولها التشارك في تحقيق الأهداف التنموية الخاصة بالدولة، ومواجهة الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطنين، بجانب الاهتمام بملفات حقوق الإنسان والأقليات وغيرها من الحقوق السياسية. وثانيها؛ القيام بالأعمال البحثية والاستقصائية التي تسهم في تحديد المشكلات المجتمعية، والسبل المثلى لمواجهتها وتقديم البدائل المناسبة لصناع القرار. كذلك، تختص منظمات المجتمع المدني بدور رقابي أثناء سير العملية الانتخابية، بجانب أدوار أخرى متعددة، منها: رفع الوعي بالقضايا والتحديات المجتمعية، وتدريب وتأهيل القيادات الشابة على العمل الجماعي والتطوعي.

وقد شهدت الأعوام الأخيرة تزايدًا مستمرًا في أعداد الجمعيات الأهلية في مصر؛ فقد بلغ عدد الجمعيات الأهلية المسجلة في وزارة التضامن الاجتماعي عام 2012 قرابة 37.500 ألف جمعية أهلية، وظل العدد في الارتفاع حتى بلغ 43.500 ألف جمعية ومؤسسة أهلية في عام 2013. وفي عام 2021، ازداد العدد إلى 52.500 ألف جمعية. وكشفت الوزارة أن تمويل الجمعيات الأهلية في مصر خلال نفس العام أصبح أكثر اعتمادًا على التمويل المحلي بعكس السنوات الماضية، لافتة إلى أن إجمالي تمويل الجمعيات الأهلية في مصر بلغ 2.5 مليار جنيه من التمويل الأجنبي، و5 مليارات من التمويل المحلى. وهو ما يعكس اهتمام القيادة السياسية في السنوات الأخيرة بالعمل الأهلي.

ويتسق تزايد أعداد جمعيات العمل الأهلي مع ما تم بلورته من الرئيس خلال مؤتمر إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان بأن المجتمع المدني يعد شريكًا أساسيًا مهمًا في عملية تعزيز وحماية حقوق الإنسان بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ونشر الوعي بحقوق الإنسان في المجتمع، ونشر ثقافة العمل التطوعي، والإسهام في جهود مكافحة التطرف والتوجهات المناهضة لقيم المجتمع المصري. في إشارة إلى أن المجتمع المدني له عظيم الأثر في تعزيز جميع مجالات العمل الحقوقي.

قانون العمل الأهلي 149 لعام 2019

صدّق الرئيس عبد الفتاح السيسي، في اغسطس 2019 على القانون رقم 149 لسنة 2019 بشأن تنظيم ممارسة العمل الأهلي المعروف باسم “الجمعيات الأهلية“. وذلك بعد موافقة مجلس النواب على مشروع القانون نهائيًا بمجمل ثلثي عدد أعضائه. وكانت تلك هي المرة الثانية التي يتم فيها إدخال تعديلات على قانون الجمعيات الأهلية في مصر، بعد إقراره في 29 نوفمبر 2016، والتصديق عليه في مايو 2017، ليكون بديلًا عن القانون رقم 84 لسنة 2002، والذي قوبل حينها باعتراض كبير من الحقوقيين والعاملين بالجمعيات الأهلية.

ونص قانون عام 2019 على تأسيس الجمعية الأهلية بموجب إخطار يُقَدم للجهة الإدارية المختصة، وذلك التزامًا بنص المادة 75 من الدستور التي نصت كذلك على ثبوت الشخصية الاعتبارية لها بمجرد الإخطار ومنح الحق لكل شخص في الانضمام إليها أو الانسحاب منها، وفقًا لأحكام القانون. وأجاز أيضًا لغير المصريين ممن لهم إقامة قانونية دائمة أو مؤقته في مصر الاشتراك في عضويه الجمعية أو مجلس إدارتها بما لا يجاوز نسبة 25% من عدد الأعضاء. وأجازت المادة (7) لأي من الجاليات الأجنبية في مصر بترخيص من الوزير المختص إنشاء جمعية تعنى بشئون أعضائها بشرط المعاملة بالمثل.

بالإضافة إلى ذلك، ألزم القانون الجهة الإدارية بالتنسيق والتعاون مع الجهات المعنية لإنشاء قاعدة للبيانات تُقَيدّ فيها جميع مؤسسات المجتمع الأهلي الخاضعة لأحكام القانون وأنشطتها وبرامجها ومصادر تمويلها، وحينها يكون لكل مؤسسة مجتمع أهلي على مستوى الجمهورية رقم وعلامة مميزة تدل عليها في تلك القاعدة. وبالتالي أصبح القانون يمنح العديد من التسهيلات والمرونة في ممارسة أعمال المنظمات والجمعيات الأهلية وتلقِّى الأموال من الداخل أو الخارج دون مساس بالأمن القومي، بل والسماح بعمل المنظمات الأجنبية في مصر، طالما لا تخالف القانون.

الجمعيات الأهلية ومؤسسات الدولة: شراكة استراتيجية وجهود مؤسسية

تُعد مشاركة منظمات العمل الأهلي ركنًا مهمًا في عملية التنمية الشاملة والمستدامة التي تستهدفها الدولة، حيث تتكامل مع جهود المؤسسات الرسمية والقطاع الخاص في دعم وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية؛ وذلك لتحقيق أقصى درجات التنمية المجتمعية والأنشطة الخدمية للمواطنين على مستوى محافظات الجمهورية. وقد استهدفت الجمعيات الأهلية المجتمعة تحت مظلة التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي المواطنين في الأماكن الأكثر احتياجًا بمجموعة من التدخلات في جميع المجالات، حيث استفاد ما يزيد على ٣٠ مليون مواطن مصري من خدمات التحالف الوطني.

وترتكز خطط الحماية التي يقدمها التحالف على تقديم المساعدات النقدية والغذائية، وتوفير الرعاية والمساعدات الطبية والصحية والاجتماعية. حيث انتقلت كل القوافل الطبية في كل ربوع مصر؛ لتقديم الرعاية الصحية لكل مستحقيها، فضلًا عن القوافل الغذائية التي قُدّمت لملايين الأسر في مختلف المحافظات. فيما يستمر التحالف في تقديم المساعدات للفئات الأولى بالرعاية خلال الأزمات الاقتصادية التي تضرب العالم حاليًا بدعم من الحكومة المصرية، حيث تم تقديم معاشات شهرية لأكثر من 600 ألف أسرة، وقدم خدمات غذائية لـ ٥ ملايين أسرة بواقع ٢٥ مليون مواطن. 

تحديات تواجه العمل الأهلي

رغم الجهود المبذولة لتذليل العقبات أمام العمل الأهلي، لا تزال هناك مجموعة من العقبات والعراقيل التي تواجه العمل الأهلي في مصر، وتتمثل هذه العراقيل في: 

أولًا: تحديات قانونية:

تعالت بعض أصوات الحقوقيين مطالبين بضرورة تعديل القانون الجديد في نصه على المعاقبة بغرامات مالية باهظة تصل إلى مليون جنيه بدلًا من العقوبات السالبة للحرية لتلقي أو إرسال أموال من جهة أجنبية أو محلية أو جمع التبرعات بما يخالف لأحكام القانون. وكذلك في اعتبار أموال الجمعيات في حكم الأموال العامة، وإخضاعها لرقابة الجهاز المركزي للمحاسبات ولقانون العقوبات. إضافة إلى المطالبة بإلغاء الكيان الذي يضمّ جهات أمنيّة للإشراف على المنظّمات الأجنبيّة في القانون رقم 70 وأن تحل محله وحدة مركزيّة تسمى “الوحدة المركزية للجمعيات والعمل الأهلي” تكون تابعة للوزارة المختصّة الممثلة في وزارة التضامن الاجتماعي.

وبالنظر إلى هذه الاعتراضات، نجد أن العقوبات المالية الباهظة واجبة ولازمة لتحقيق عامل الردع بعد إلغاء العقوبات السالبة للحريات تمامًا والتي كانت تتعارض بالأساس مع مبدأ العمل التطوعي والمشاركة الأهلية. أمّا فيما يخص بند اعتبار أموال الجمعيّات بمثابة مال عامّ فيعود إلى رغبة الدولة في مراقبة حسن استغلال أموال تلك الجمعيّات، وخصوصًا التي تتلقّى أموالًا ضخمة؛ حتى لا يحدث مثلما حدث عقب احداث يناير 2011. لذلك فالقانون الجديد يمثل انطلاقة جديدة ومهمه في تاريخ العمل التطوعي في مصر.

ثانيًا: تحديات إجرائية 

تنقسم التحديات الإجرائية إلى عدة جوانب: أولها أن هناك عددًا كبيرًا من الجمعيات التي لم توفق أوضاعها طبقًا للقانون 149 لعام 2019، ومن ثم فإن تلك الجمعيات مهددة بالحل إن لم يوضع لها إطار قانوني يمكّنها من ممارسة عملها دون تهديد بالحل. والثاني أن عدد الجمعيات المتزايد لا يتناسب مع الأدوار القائمة علي أرض الواقع وإسهاماتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. والثالث أن هناك بعض التراكمات السلبية في أذهان المواطنين عن العمل الأهلي بسبب الدور المشبوه الذي لعبته بعض الجمعيات الأهلية عام 2011 والتي استغلت الأموال التي حصلت عليها من الخارج في أعمال غير قانونية. لذلك؛ هناك بعض الفرص التي قد تذلل تلك التحديات يبرز أهمها في: 

● بدء منظمات المجتمع المدني في تصحيح الصورة الذهنية السلبية المتراكمة لدى المواطن المصري تجاه تلك المنظمات؛ من خلال عمل استراتيجية إصلاح متكاملة لمنظمات المجتمع المدني، وإعادة بناء جسور الثقة بينها وبين الدولة من جهة وبينها وبين المواطن من جهة أخرى.

ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، ويتم ذلك عن طريق التشارك بين مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني لتحقيق الأهداف المنشودة من الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان التي أُطلقت عام 2022، والتي تستهدف زيادة التنسيق والتكامل بين شركاء التنمية “الحكومة – المجتمع المدني- القطاع الخاص”، إضافة إلى تعزيز وتنمية القدرات الموسمية للجمعيات الأهلية، وعقد الشراكات مع المجتمع المدني في أكثر من مجال حقوقي.

● الاهتمام بتكوين كوادر شبابية قادرة على العمل الجماعي والتطوعي، مما يسهم في إفراز قيادات شبابية قادرة على ممارسة أدوار سياسية واقتصادية واجتماعية.

● التمسك بالحياد السياسي والديني الذي يفرضه القانون على طبيعة العمل الأهلي؛ لكسب مصداقية فئة أكبر من المواطنين.

● رفع الوعي المجتمعي بأهمية العمل الأهلي والتطوعي.

● إشراك النساء بصورة أوسع في العمل الأهلي والتطوعي لتكوين كوادر نسائية في هذا المجال وبوصفها شريكًا قويًا في عملية التنمية والإصلاح.

المصادر:

1- جريدة الشروق. التضامن: عدد الجمعيات المسجلة في مصر 52 الفا و500 جمعية. 2 ديسمبر.2022.

2- جريدة اليوم السابع: التضامن: فرص التمويل المحلى من الجمعيات الأهلية وصلت لـ 5 مليارات جنيه في 2021. يوليو 2022.

3- د. حسن سلامة، قراءة في نصوص قانون تنظيم العمل الأهلي الجديد، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.

4- حياة كريمة تطلق المرحلة الرابعة من مبادرة وصل الخير لتوزيع ٢٠٠ ألف صندوق مواد غذائية، مصراوي، يناير 2023.

5- الرئيس السيسي يشهد احتفالية “كتف في كتف”، الهيئة العامة للاستعلامات، مارس 2023.

6- أمنية السيد حجاج، التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي وعملية التنمية الشاملة، مجلة السياسة الدولية، 21 مارس 2023.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى