مكافحة الإرهاب

التنظيم الدولي: محور صراع جديد بين جبهات الإخوان المتصارعة

عقب إعلانها في مارس الماضي عن اختيار صلاح عبد الحق قائمًا بأعمال المرشد، أفاد العديد من التقارير واللجان الإلكترونية الإخوانية بتوجه جبهة لندن نحو اختيار القيادي بالجماعة محمود الإبياري أمينًا عامًا جديدًا للتنظيم الدولي للإخوان، وهو اختيار كان متوقعًا؛ في ضوء الثقل الذي يتمتع به “الإبياري” داخل صفوف الجماعة، وعلاقاته المتشعبة في الخارج، وإدارته للعديد من المفاصل الاقتصادية للتنظيم، وهي اعتبارات عززت من فرصه في تولي هذا المنصب خلفًا لإبراهيم منير، فضلًا عن كون الخطوة تأتي في إطار المساعي الحثيثة لجبهة لندن لسد أي فراغ تنظيمي قد تستغله جبهة إسطنبول بقيادة محمود حسين، في ظل الصراع المحتدم بين الجبهتين على قيادة الجماعة والسيطرة على مراكز القوة بها.

اعتبارات عديدة

تحظى خطوة اختيار أمين عام للتنظيم الدولي للإخوان بأهمية كبيرة تجعلها لا تقل أهمية عن الخطوة السابقة الخاصة باختيار صلاح عبد الحق قائمًا بأعمال المرشد، في ضوء اعتبارين أساسيين: الأول يرتبط بالأهمية التي يحظى بها التنظيم الدولي في البناء التنظيمي لجماعة الإخوان لكونه يمثل الذراع الخارجية للجماعة المسؤول عن إدارة علاقاتها وتفاعلاتها الخارجية سواءً مع الدول أو التنظيمات الإسلامية الأخرى الموجودة في معظم دول العالم، وتوفير التمويلات الخاصة بالتنظيم وإدارة اقتصادياته، فضلًا عن دوره في إدارة الهياكل المؤسسية الخاصة بالجماعة في الخارج.

أما الاعتبار الثاني فيرتبط بخصوصية اللحظة الراهنة التي تعيشها الجماعة؛ بمعنى أن الخطوة ترتبط بشكل رئيس بسعي جبهة لندن إلى سد أي فراغ تنظيمي قد تستغله جبهة إسطنبول لتعزيز نفوذها. ومن هنا جاء حرص الجبهة في الأشهر الأخيرة على استكمال إعادة بناء الهياكل المؤسسية الخاصة بها. ويمكن إبراز الأسباب التي تقف خلف اختيار “الإبياري” أمينًا عامًا للتنظيم الدولي على النحو التالي:

1 – تُسيطر حالة من “الغموض” على شخصية “الإبياري” داخل تنظيم الإخوان؛ إذ يشبه في ذلك القيادة السرية للجماعة التي كانت تُدير كافة شؤونها وترسم توجهاتها، خصوصًا ما يتعلق بالتنظيم الدولي من خلف الأسوار. وعاش “الإبياري” منذ عقود في النمسا، ثم انتقل منها إلى لندن التي يقيم بها حتى اليوم، وشغل مؤخرًا منصب عضو الهيئة العليا للجماعة، فضلًا عن عضويته لمجلس شورى الإخوان بأوروبا. 

2- كان “الإبياري” مسؤولًا بشكل رئيس عن كتابة بيانات الإخوان ورسم توجهاتها، وكذلك عن إدارة عدد من شركات الإخوان في بريطانيا، ومن بينها: “نيل فالي”، و”ميديا سيرفس”. فضلًا عن سيطرته على عدد من أصول الجماعة في تركيا في منطقة كوجاتيبي في إسطنبول، وكذا إدارته رفقة شقيقه محمد الإبياري لمجموعة من الشركات في الولايات المتحدة وكندا، وكان “الإبياري” مسؤولًا بشكل رئيس في السنوات الأخيرة عن نشاط شركات ومؤسسات الجماعة في أوروبا، بتكليف من التنظيم الدولي، ويتولى مسؤولية الإشراف على رعاية عناصر الجماعة الموجودين في أوروبا.

3- تُشير المعلومات المتوفرة عن “الإبياري” إلى أنه كان مسؤولًا عن التنسيق بين الإخوان والعديد من الجهات الخارجية، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح في عام 2014 عندما تم تسريب معلومات تداولها العديد من وكالات الأنباء والصحف بخصوص لقاء عُقد في تركيا بين الإخوان والحرس الثوري وفيلق القدس الإيراني، وشارك فيه عن الإخوان: يوسف ندا – إبراهيم منير – محمود الإبياري، وقد أقر إبراهيم منير ومحمود الإبياري لاحقًا بعقد هذا اللقاء. ذلك فضلًا عن العلاقات القوية التي تربط “الإبياري” بقادة تنظيمات الإسلام السياسي في سوريا ولبنان وتونس وليبيا واليمن وفلسطين وغيرها من الدول.

هيكل تنظيمي نوعي

يحظى البناء التنظيمي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين بهيكل مشابه إلى حد كبير للبناء الأم الخاص بالجماعة، متمثلًا في الأمين العام للتنظيم الدولي (الذي يقوم بدور المرشد)، ومكتب الإرشاد العام للتنظيم الدولي، ومجلس الشورى العام للتنظيم الدولي. لكن التنظيم الدولي يضم بين طياته العديد من المنظمات السياسية والدينية والإعلامية التي تقوم بالعديد من المهام التي تخدم أنشطة التنظيم.

وللوقوف على أهمية خطوة اختيار “الإبياري” أمينًا عامًا للتنظيم الدولي للإخوان، يجب أولًا بيان الطبيعة التنظيمية لهذا الكيان الإخواني، وطبيعة المهام التي يقوم بها كل هيكل. ويمكن القول إن الهيكل البنائي للتنظيم الدولي للإخوان يتألف من بعض الوحدات البنائية، وفق ما حددته اللائحة المعدلة للنظام العام للإخوان المسلمين في 28 مارس 1994، وذلك على النحو التالي:

1- الأمين / المرشد العام للتنظيم الدولي: ذكرت لائحة الجماعة أن الأمين العام للتنظيم الدولي يعد “مركز القرار والتوجيه في التنظيم الدولي للإخوان، وممثلها الشرعي، ومرجعها العقدي والسياسي خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية العامة”، وفق نص هذه اللائحة. ويعكس ذلك طبيعة المهام الاستثنائية للأمين العام للتنظيم الدولي للجماعة؛ فهو المشرف على إدارة شؤون الجماعة في الخارج، وكذا إدارة الأفرع المختلفة والتنظيمات التي تدخل في كنف الجماعة وتنتمي إليها.

ورغم أن الجماعة حاولت وتحاول دائمًا إضفاء الطابع المؤسسي على عملها بما في ذلك ما يرتبط بالأمين العام للتنظيم الدولي، فإن هناك اعتبارين يفندان هذه السردية: الأول يتمثل في مخالفة هذا الاختيار للوائح التنظيمية الخاصة بالجماعة، والتي تنص على ضرورة موافقة قادة الإخوان في الأقطار المختلفة المعتمدة لدى التنظيم الدولي على هذا الاختيار، أو ثلث أعضاء مجلس الشورى الخاص بالجماعة.

أما الاعتبار الثاني فيرتبط التجربة التاريخية للإخوان والتي تُشير إلى أن التنظيم الدولي وأمينه العام يُديران الأمور بشكل تسلطي، وهو ما يتجسد في تعامل التنظيم مع أي أفرع إقليمية تتبنى وجهات نظر مخالفة، وهو ما عبر عنه نهج التنظيم الدولي مع عصام العطار المراقب العام السابق للإخوان المسلمين في سوريا، وحسن الترابي الزعيم الأسبق للجبهة القومية الإسلامية في السودان.

وبشكل عام، تعبر طبيعة المهام التي حددتها اللائحة العامة للإخوان المسلمين عن طبيعة الأهمية التي يحظى بها منصب الأمين العام للتنظيم الدولي، الأمر الذي يمكن في ضوئه فهم أهمية خطوة جبهة لندن.

2- مكتب الإرشاد العام للتنظيم الدولي: يوازي هذا الهيكل في طبيعته مكتب الإرشاد الخاص بالجماعة في الأقطار المحلية، ويعد وفقًا للائحة الجماعة “القيادة العليا التنفيذية للإخوان المسلمين في الخارج، ويتألف من ثلاثة عشر عضوًا إلى جانب الأمين العام”. وبالنسبة لتقسيمة أعضاء مكتب الإرشاد العام للتنظيم الدولي، فقد حددتها لائحة الجماعة بالقول بأن “ثمانية أعضاء ينتخبهم مجلس من بين أعضائه”، و”خمسة أعضاء ينتخبهم مجلس الشورى من أعضائه ويراعي في اختيارهم التمثيل الإقليمي”.

وتُشير بعض الأدبيات التي تناولت طبيعة التنظيم الدولي للإخوان إلى أن القيادات الإخوانية المختلفة في أقطار العالم والتي بايعت الجماعة تلتزم في عملية اتخاذ أي قرارات سياسية مهمة بالحصول على موافقة مكتب الإرشاد الخاص بالتنظيم الدولي، حتى أن عدنان سعد الدين المراقب العام الثالث لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا قال في إحدى حلقاته ببرنامج “شاهد على العصر” على قناة الجزيرة القطرية إن “مكتب الإرشاد الدولي له الهيمنة الأدبية الأبوية على تنظيمات الإخوان في العالم” وفق تعبيره.

3- مجلس الشورى العام للتنظيم الدولي: وهو السلطة التشريعية الخاصة بالتنظيم الدولي للإخوان، ويتكون من ثلاثين عضوًا تكون أغليتهم من المصريين، وباقي الأعضاء يمثلون التنظيمات الإخوانية في العالم المعتمدة لدى التنظيم الدولي، ويتم ترشيحهم من مجالس الشورى المحلية في كل دولة، وتستمر فترة هذا المجلس لأربع سنوات.

وكما سبقت الإشارة، فإن التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يضم بعض الهياكل الأخرى التي لم تتضمنها اللائحة الداخلية بالضرورة، مثل منصب مفوض العلاقات الخارجية للإخوان والذي شغله لسنوات طويلة رجل الأعمال والقيادي الإخواني يوسف ندا، فضلًا عن العديد من المؤسسات والمنظمات الخارجية التي تدور في كنف الإخوان وتسيطر عليها قيادات إخوانية.

احتدام الأزمة

سوف تدفع خطوة جبهة لندن باختيار “محمود الإبياري” كأمين عام للتنظيم الدولي -متى تم الإعلان عنها بشكل رسمي- باتجاه تفاقم الأزمة البنيوية الكبيرة التي تعيشها الجماعة بالأساس. وفي ضوء ذلك يمكن القول إن هناك العديد من الإجراءات المتوقعة التي ستتخذها الجبهتان، وذلك على النحو التالي:

1- سوف تسعى جبهة لندن إلى إحكام سيطرتها على مفاصل التنظيم الدولي للجماعة، كجزء من مساعيها للسيطرة على كافة الهياكل المؤسسية. وفي هذا الإطار، لا يُستبعد أن يُقدم صلاح عبد الحق ومن خلفه محمد البحيري وحلمي الجزار ومحمود الإبياري على إعادة بناء مكتب الإرشاد الدولي ومجلس شورى التنظيم الدولي، على أن تشمل هذه التعيينات الجديدة اختيار الشخصيات المحسوبة على جبهة لندن.

2- سوف تبدأ جبهة اسطنبول في تبني مجموعة من التحركات التي تستهدف احتواء وتطويق تحركات جبهة لندن، لعل أولها سيكون استنساخ محمود حسين لنموذج إبراهيم منير على مستوى الجمع بين القيام بأعمال المرشد العام والأمين العام للتنظيم الدولي، وسوف يستغل في ذلك كونه أحد أعضاء مجلس شورى الجماعة المتبقيين، وسيكون الهدف من ذلك إطالة أمد الصراع والتأكيد على عدم شرعية قرارات جبهة لندن، لحين حدوث متغيرات جديدة ترجح كفة أحد الطرفين.

وفي الختام، يمكن القول إن التنظيم الدولي للإخوان سيكون في الفترات المقبلة محور صراع رئيس بالنسبة لجبهتي لندن وإسطنبول؛ في ضوء إدراك الجانبين لما يحظى به التنظيم الدولي من أهمية، سواءً على مستوى إدارته للعلاقات الخارجية الخاصة بالجماعة، أو على مستوى الاقتصاديات التي ستتاح للطرف الذي سيسيطر عليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى