مصر

خدمات التاكسي الطائر.. داعم جديد لقطاعي السياحة والنقل

تعتبر خدمات التاكسي الجوي من الحلول الحديثة في عالم النقل، وتسعى العديد من الدول المتقدمة ودول الاقتصادات الناشئة إلى تحفيز وجودها ودعمها لتكون جزءًا من منظومة النقل الوطنية، وهو ما سيساعد بدوره على توفير وسائل نقل مريحة وسريعة للمواطنين والسائحين الأجانب على حد سواء، ويعد تطبيق الفكرة في مصر من الحلول المطروحة لدعم حركة السياحة الوافدة إلى البلاد، خاصة فئة السائحين ذوي الإنفاق المرتفع، بالإضافة إلى توفير وسائل نقل لمسافات طويلة بين المحافظات المصرية المختلفة، خاصة بين محافظات الوادي والدلتا من جهة والمحافظات الحدودية من جهة أخرى، وهو ما سيؤدي إلى تقليل وقت الرحلة مقارنة بقطع ذات المسافات عبر الطرق البرية المعتادة.     

تواجد عالمي 

ظهرت خدمات النقل الجوي مدفوعة الأجر أو التاكسي الجوي في أواخر عشرينيات القرن الماضي، على يد عدد من رواد الأعمال الأمريكيين مثل كلايد سيسنا Clyde Cessna ولويد ستيرمان Lloyd Stearman ، واقترن ظهور تلك الخدمات بحجم الطائرات التي كانت متوفرة في أوائل القرن العشرين والتي كانت توصف بصغر حجمها، حيث لم تكن تحمل في أفضل الأحوال أكثر من ثلاثة أو أربعة ركاب، وهو ما جعلها أسبق من الناحية التاريخية على خدمات النقل التجاري المعتادة في يومنا هذا، حيث ظهرت تلك الأخيرة مع اختراع الطائرات ذات الحجم الكبير، والتي باستطاعتها حمل العشرات من المسافرين دفعة واحدة.

أخذ نموذج التاكسي الجوي في الانتشار السريع على مستوى العالم نظرًا لتميز الخدمة التي يقدمها، لأنه ظهر في زمن كان لا يسوده سوى المركبات البرية البطيئة أو قطارات السكك الحديدية بالإضافة إلى السفن البحرية والبواخر والقوارب النهرية، هذا ما دفع حكومات الدول الغربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة إلى تنظيم خدمات التاكسي الجوي كنشاط مستقل، شأنه في ذلك شأن أي خدمة نقل جوي أخرى، كذلك ظهرت أيضا خلال الخمسينيات من ذات القرن المنظمات التي تجمع رجال ورواد الأعمال في هذا المجال، وكان من أشهرها الرابطة الوطنية الأمريكية للتاكسي الطائر.

واستمر الطلب خدمات التاكسي الجوي في التصاعد على مدار النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك على الرغم من التطورات الكبيرة التي شهدها الطيران التجاري، ويعزى هذا الأمر إلى قدرة خدمات التاكسي الجوي على الربط بين المطارات الصغيرة في شكل رحلات لحظية قصيرة غير مخططة مسبقًا في معظم الأحوال، وذلك على العكس من الطيران التجاري الذي يحتاج إلى مطارات كبيرة ذات مواصفات فنية محددة، علاوة على التوقيتات المجدولة مسبقًا للرحلات. 

شهد مجال خدمات التاكسي الجوي تطورًا آخر في عام 1965، حينما سُيرت أول رحلة تاكسي بالطائرات المروحية فوق سماء مدينة نيويورك، وهو ما فتح الباب إلى التفكير في استخدام المروحيات كوسيلة للتنقل السريع بالمدن المليونية المكتظة بالسكان، إلا أن الكثير من المعوقات والعثرات واجهت الفكرة في بدايتها نظرًا للاحتياج إلى وجود بنية فوقية داعمة لهذا النشاط، مثل مهابط طائرات خاصة فوق ناطحات السحاب أو بالمناطق المفتوحة بنطاق المدينة، وهو ما كان من الصعب توفيره في الكثير من المدن الكبرى المزدحمة مثل طوكيو وشنغهاي ولندن، لكن غالبية المدن المليونية في دول العالم المتقدم أخذت في زيادة تلك البُنى الفوقية خلال العقود التالية وهو ما سمح باستخدام المروحيات في عملية النقل الداخلي، وإن ظل الاستخدام مقصور على رجال الأعمال والأغنياء القادرين على شراء الطائرات المروحية أو تأجيرها من الشركات العاملة في هذا النشاط. 

على الجانب الآخر، أخذ مجال النقل الجوي مدفوع الأجر باستخدام الطائرات العادية الصغيرة ذات الجناح الثابت fixed wing aircraft في التصاعد بشكل مستقر، نظرًا لاهتمامه بنقل الركاب بين المطارات المحلية خلال المسافات القصيرة، بالإضافة إلى القيام بمهام نقل البريد والطرود والأمتعة، وأخيرًا تنفيذ الجولات السياحية فوق المدن والمواقع الطبيعية والتراثية المميزة، وهو ما رفع حجم الأعمال العالمي للتاكسي الجوي بحلول 2021 إلى قرابة 817.5 مليون دولار أمريكي.

عوامل داخلية داعمة 

تتميز مصر التي تصل مساحتها إلى أكثر من مليون كم2، بامتلاكها عدد كبير من المواقع التراثية والطبيعية المنتشرة على امتداد البلاد، بداية من الإسكندرية شمالًا حتى أبو سمبل جنوبًا، ومن العريش شرقًا إلى مرسي مطروح وواحة سيوة غربًا، وتتميز مجموعة من تلك المواقع بوجودها على قائمة التراث العالمي، وفي مقدمتها منطقة منف وجبانتها والتي تمتد على طول 160 كيلو متر من أبو رواش شمالًا إلى ميدوم جنوبًا، كذلك تضم تلك المنطقة حوالي 38 هرمًا أبرزها أهرامات الجيزة الثلاث بمنطقة هضبة الأهرام، بالإضافة إلى منطقة أثار طيبة القديمة وجبانتها التي تمتد على ضفتي النيل بمدينة الأقصر، والتي تضم أكثر من عشرة مواقع أثرية شهيرة مثل معابد الأقصر ومبعد الرامسيوم ومعبد الدير البحري، بالإضافة إلى محمية وادي الحيتان بالفيوم التي تمتد على مساحة 1759 كم.   

على جانب آخر توصف مجموعة من المواقع التراثية والطبيعية بالبعد الجغرافي عن الوادي والدلتا، وهو ما يحرمها من وجود حركة المواصلات السريعة والمريحة، ليؤدي ذلك بدوره إلى تقليل فرص وصول السياحة المحلية والأجنبية إلى تلك المواقع والتي من بينها على سبيل المثال مدينة القصر التاريخية بالواحات الداخلة، وقرية الباويطي الأثرية بالواحات البحرية، بالإضافة إلى 19 محمية طبيعية موجودة بمناطق معزولة أو شبه معزولة.

إلى جانب المواقع التراثية والأثرية المنتشرة في مختلف الأنحاء، هناك 40 مدينة في المناطق الحدودية الغربية والجنوبية مثل مطروح  وأسوان والبحر الأحمر، بالإضافة إلى مدن محافظتي شمال وجنوب سيناء، وأوضحت الإحصاءات في هذا الصدد أن إجمالي سكان هذه المحافظات مجتمعون سواء من مواطني الريف والحضر– باستثناء محافظة أسوان – لا يزيدون عن 1.78 مليون مواطن، هو ما يقلل من احتمالية ضخ استثمارات كبيرة في عملية مد شبكات السكك الحديدية السريعة High speed rail، أو تشييد مطارات ذات ممرات مرصوفة ومجهزة للطائرات الكبيرة الحجم.

دفعت العوامل السابقة الحكومة المصرية منذ عام 2007 إلى التفكير في تدشين مشروع للتاكسي الجوي، لخدمة حركة السياحة بمحافظات الوادي والدلتا والتنقل في المحافظات البعيدة، وكانت البداية حينما قامت شركة سمارت للطيران Smart aviation وهي إحدى الشركات التابعة لوزارة الطيران بشراء واستئجار عدد من الطائرات الصغيرة سعة 4 و 6 ركاب، وكان من المستهدفات المطروحة لهذه الشركة أن تعمل على خطوط النقل الجوي القصير بين المطارات المصرية سواء دولية أو داخلية، بالإضافة إلى تنظيم جولات سياحية جوية فوق المناطق الأثرية والطبيعية المهمة، وعادت الحكومة المصرية في عام 2015 لتطرح فكرة إضافة الطائرات المروحية إلى أعمال التاكسي الجوي المقترح، لكن المشروع لم يشهد انطلاقة حقيقية إلى الآن، وظل مقتصرًا على عدد من شركات النقل الجوي المشغلة للطائرات الصغيرة من فئة  VIP. 

لكن، من المتوقع أن تعود فكرة التاكسي الجوي بقوة خلال السنوات القادمة، خاصة مع بدء تنفيذ الخطة الاستراتيجية للقطاع السياحي المصري الذي يستهدف زيادة عدد السائحين الأجانب الوافدين إلى البلاد إلى 30 مليون سائح أجنبي، فضلًا عن استهداف العديد من الأسواق الغنية، والتي يستطيع السائحين الوافدين منها على دفع التكاليف المرتفعة لاستئجار خدمات التاكسي الطائر، والتي تزيد قيمتها عن مواصلات النقل البري المعتادة بنسبة تتراوح ما بين 50% إلى 100%. 

توجهات مستقبلية

على الرغم من أهمية تفعيل نظام التاكسي الجوي بنمطه التقليدي المعتاد، والذي يتمثل في شكل طائرة صغير يقودها طيار واحد وتقطع مسافات قصيرة بحمولات خفيفة، إلا أن هناك توجهات جديدة يجب أن يتم الالتفات إليها في عالم خدمات التاكسي الجوي، وهو المتمثل في تطوير مركبات الأجرة الجوية الكهربائية electric air taxis، وهي عبارة عن مسيرات مروحية Drones تقودها أنظمة الحاسب الآلي، وتأخذ الركاب من نقطة إلى نقطة داخل المدينة، وهو ما يعرف اصطلاحًا بالتنقل الجوي بالمناطق الحضرية   Urban Air Mobility. 

وينظر إلى هذا التطور التكنولوجي الحديث على أنه سيكون جزء من التنقل المستدام في المجتمعات الحضرية في المستقبل القريب، وذلك مع سعي الدول الكبرى إلى تقليل الانبعاثات الناتجة عن احتراق الوقود الأحفوري بوجه عام، وانبعاثات المدن بوجه خاص، حيث قدرت وزارة الطاقة الأمريكية أن 80% من طاقة العالم يتم استهلاكها بالمدن والمجتمعات الحضرية، فيما تسهم الطرق السريعة حول العالم في إنتاج 1.7 مليار طن من انبعاثات الغازات الدفيئة كل عام.   

في هذا الإطار، تتوقع التقارير الدولية أن يبلغ حجم صناعة خدمات التاكسي الطائر قرابة 6.63 مليارات دولار أمريكي بحلول عام 2030، وستكون المركبات المسيرة بالكهرباء هي أكبر المساهمين فيه بقيمة 3.39 مليارات دولار، فيما يتوقع أن تكون الحصة السوقية التراكمية لكل من المركبات الجوية الكهربائية بالكامل، والمركبات الجوية الهجينة العاملة في مجال التاكسي الجوي بحلول 2030 حوالي 83.2%.

ولن تكون المنطقة العربية بعيدة عن هذه التطورات، فدولة الإمارات العربية تستعد حاليًا لإطلاق خدمات التاكسي الجوي بحلول عام 2026، وبدأت فعليًا منذ شهر فبراير الماضي في تجهيز المرحلة الأولى من المشروع، والتي تتضمن اختيار الشركات التي ستشيد مرافق المشروع والشركات المشغلة له، وكذلك تحديد مواقع محطات الإقلاع والهبوط، ومواقع الشحن الكهربائي للمركبات، فيما ستركز المرحلة الثانية على اختيار المستثمرين المشاركين في تطوير البنية التحتية للمشروع. 

وكذلك تعتزم المملكة العربية السعودية تنفيذ مشروعات التاكسي الجوي لربط المدن المختلفة بإقليم نيوم، مثل مدينة ذا لاين ومدينة وأوكساجون ومدينة تروجينا باستثمارات مبدئية تبلغ 175 مليون دولار، وتسعى السعودية بهذا المشروع إلى أن تكون أول دولة تمتلك منظومة تنقل مستدامة متكاملة على مستوى العالم، بالإضافة إلى كونها صديقة للبيئة وخالية تمامًا من الانبعاثات الضارة بنسبة تصل إلى 100%

ختامًا، يمكننا القول إن تفعيل خدمات التاكسي الجوي سيكون بمثابة فرصة لتنشيط الحركة السياحية بمختلف المقاصد المصرية، وذلك من خلال الربط الجوي بينها دون الحاجة إلى تنسيق خطوط جوية منتظمة قد تتعرض في أحيان للمكاسب وللخسارة في أحيان أخرى نتيجة تباين حركة الطلب والحجوزات، كذلك سيساعد تفعيل التاكسي الجوي في تسهيل عملية الانتقال على مواطني المناطق الحدودية والنائية، وهو ما سيعمل على تعزيز شبكة المواصلات في مصر وسيضيف إليها لاعبًا جديدًا، سيتطور تدريجيًا ليضاهي في تقدمه مختلف أنظمة التنقل والتاكسي الجوي في دول الغرب وحتى في دول منطقتنا العربية. 

مصطفى عبد اللاه

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى