الصحافة الدولية

من الحياد إلى الانفتاح…توجهات السياسة الخارجية الهندية في عهد “مودي”

تعد الهند من أهم الديمقراطيات في منطقة جنوب آسيا؛ حيث تسعى القيادة السياسية إلى تعزيز مكانتها على المستويين الإقليمي والدولي، من خلال عدد من التوجهات والسياسات على الصعيد الداخلي والخارجي.

وقد برز هذا التوجه مع تولي رئيس الوزراء “ناريندرا مودي” الحكم في مايو 2014، وفقًا لمبدأ “التعايش معًا والنمو معًا”، لكي تكون الهند فاعلًا دوليًا بارزًا في النظام العالمي. 

وساهم في ذلك تمتع السياسة الخارجية الهندية بقدر من المرونة، والتكيف مع المتغيرات الدولية الإقليمية المتلاحقة، التي تعتبر من أهم مرتكزات السياسة الخارجية التي وضعها أول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال “جواهر لال نهرو”، لكي تكون دولة ذات ثقل في محيطها الجغرافي على المدى البعيد، علاوة على تبنيها سياسة عدم الانحياز. 

استراتيجية “مودي” الخارجية

تبنى “مودي” منذ توليه السلطة سياسة خارجية أكثر انفتاحًا عن سابقيه، محاولًا بناء تحالفات جديدة مع القوى الكبرى وفقًا لما تقضيه المصلحة الوطنية الهندية، فضلًا عن الرغبة في بناء شراكات مستدامة مع القوى الإقليمية والدولية–(الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي)-، بدلًا من سياسة عدم الانحياز التي انعكست على مسار التنمية ونفوذها في النظام العالمي، علاوة على تعميق علاقاتها الأمنية والدفاعية مع جميع القوى. وعليه فقد سعى إلى بناء سياسة خارجية كجزء لا يتجزأ من استراتيجية التنمية الوطنية الهندية.

بجانب إعطاء أولوية لدول جنوب شرق آسيا من خلال تبنى سياسة “العمل تجاه الشرق”، لتعزيز التعاون الاقتصادي،وتحسين العلاقات بناءًا على الروابط الثقافية والدينية المشتركة، وتقديم المساعدة التنموية والإنسانية بين الجانبين، تجنبًا للنزاعات الإقليمية التي قد تؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة.

 بالإضافة إلى رفضه سياسات الهيمنة التوسعية التي تحاول بعض القوى الإقليمية في انتهاجها مثل الصين، ومحاولتها المستمرة في فرض سيطرتها على المعابر الدولية مثل بحر الصين الجنوبي، مؤكدًا على حرية الملاحة ورفضه هذه التحركات، في المقابل يسعى “مودي” إلى الدفع بالعلاقات الهندية الصينية إلى مستوى إيجابي، من خلال استمرار الاتصال والحوار لتعميق التعاون العملي بينهم.

علاوة على إعطاء أولوية مماثلة لمنطقة غرب آسيا داعمًا الارتباط معها الأمر الذي سيؤدي إلى زيادة الشراكة بين الهند ومنطقة الشرق الأوسط لإعطائها نفس مستوى الأولوية الممنوحة لمنطقة جنوب شرق آسيا. كما اعتمدت الهند على استراتيجية متماسكة لتحسين علاقتها مع دول آسيا الوسطى، من خلال تنشيط الروابط الاجتماعية والاقتصادية القديمة عبر إطلاق عدد من المبادرات الجديدة. فيما أبدت حكومة “مودي” اهتمامًا بتنويع انخراط الهند في أمريكا اللاتينية التي تمثل موطئ قدم جديد لهم.

وفيما يتعلق بالقضايا الدولية محل الاهتمام مثل تغير المناخ فقد برزت الهند كمثال نموذجي للدول النامية الأخرى على المواءمة الفعالة ما بين تبنى سياسات داعمة للبيئة وتحقيق أهداف التنمية الشاملة، مُعلنة التزامها بالاتفاقيات التعاونية الخاصة بتغير المناخ، وذلك منذ انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق المناخ في 2017.

انعكست استراتيجية التحرك الخارجي للدولة الهندية على نمط التوجه وأهدافه، فقد تحولت من كونها قوى ذات نفوذ إقليمي غير مُنضوية تحت مظلة أي قوى كبرى، مع رفضها التدخل بشكل مباشر في الصراعات أو النزاعات، ورغبتها في إقامة علاقات محايدة مع دول الشرق الأوسط، ودعم القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى التضامن مع الدول النامية التي حصلت على الاستقلال عن القوى الاستعمارية؛ حيث استمرت هذه السياسة طوال فترة الحرب الباردة. 

ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتحول النظام العالمي إلى أحادي القطبية، علاوة على تنامي الأزمات الداخلية، فتحت الهند اقتصادها ببطء من خلال تحرير اقتصادها من بعض القيم الاشتراكية، مع اتباع سياسة الارتباط الانتقائي مع الدول، وفقًا لسياساتها الداخلية.

ومع صعود “مودي” إلى السلطة سعى إلى جعل الهند من أهم الدول الصاعدة في النظام العالمي ذات توجهات نشطة ومُنفتحة على العالم، علاوة على انخراطها في العديد من القضايا الدولية، ولكن بما يتوافق مع مصالحها؛ حيث البراجماتية في التوجه الخارجي التي تجلت في توطيد “مودي” لعلاقاته مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بالتوازي مع إعادة التمركز والانتشار في بعض المناطق مثل أوروبا وأفريقيا بحثًا عن استثمارات جديدة.

وذلك بالتركيز على توظيف آليات القوة الذكية المرتكزة على الدمج ما بين آليات القوة الناعمة المرتكزة على الروابط الثقافية والرياضة الروحية مثل اليوجا، لربط المغتربين الهنود ببلادهم، الأمر الذي سينعكس على معدلات النمو الاقتصادي من خلال ضمان تدفق التحويلات المالية منهم باستمرار، وخاصة من العمالة المتواجدة في منطقة الخليج العربي. بالإضافة إلى توظيف آليات القوة الصلبة لخدمة مصالحها، عبر تعزيز قدراتها الدفاعية بالشكل الذي جعلها من أكبر مستوردي الأسلحة في العالم.

الشرق الأوسط نموذجًا

أحرز “مودي” تقدمًا كبيرًا في الانتخابات الأخيرة على منافسيه؛ حيث احتل حزب “بهاراتياجاناتا” المركز الأول بحصوله على 302 مقعد، من إجمالي 542، مُحققًا أغلبية برلمانية للمرة الثانية على التوالي، وقد مثلت هذه الانتخابات استفتاءًا على سياسات “مودي” الداخلية والخارجية. 

بالرغم من الانتقادات الحادة التي واجهتها حكومته إلا إنه استطاع تحقيق الأغلبية نتيجة عدد من الأسباب تأتي في مقدمتها ضعف المعارضة، وعدم وجود برنامج سياسي بديل عن سياسات “مودي”، فضلاً عن التحركات الخارجية، موقفه من أزمة كشمير الذي تصدى لها من خلال إلغاء الحكم الذاتي للإقليم ليعود تحت السيادة الهندية. بجانب توثيق علاقاته الخارجية وتحديدًا مع بعض الدول الإقليمية في المنطقة على النحو التالي:

  • منطقة الخليج العربي: سعى “مودي” في سياق جعل الهند من أهم الفاعلين الدوليين إلى بناء تحالفات جديدة، وإحياء العلاقات مع الدول ذات التأثير القوي في عمقها الاستراتيجي، لذا فقد توجه بقوة نحو الدول الخليجية وتأتي في مقدمتهم الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية لتجديد التواصل، وزيادة حجم التبادل التجاري للوصول إلى حد الشراكة الاستراتيجية؛ حيث يعد مجلس التعاون الخليجي كإقليم، أكبر شريك تجاري للهند. كما يعد من أهم الإقليم الذي يتواجد فيه عمالة هندية يبلغ عددها أكثر من 7.5 مليون هندي، يساهمون في انتعاش الاقتصاد الداخلي لنيودلهي من خلال التحويلات المالية السنوية التي تبلغ ما يقرب من 55 مليار دولار. الأمر الذي يعد توجهًا براجماتيًا للهند تجاه دول الخليج التي لديها علاقات مع باكستان، ولكن دبلوماسية التنمية التي يتبنها “مودي” جعلته يعزز علاقاته معهم.  
  • التقارب مع إسرائيل؛يعد “مودي” أول رئيس وزراء هندي يقوم بزيارة إسرائيل، ويسعى إلى توثيق العلاقات معها على الصعيد الدفاعي والأمني، ليس هذا فحسب بل امتنعت الهند لأول مرة في هيئة الأمم المتحدة عن التصويت على قرار يُدين انتهاكات إسرائيل تجاه الفلسطينيين،علاوة على تبادل الزيارات على المستوى الرسمي. الأمر الذي يُمثل تحولًا كبيرًا في النهج الخارجي للحكومة الهندية تجاه إسرائيل؛ حيث كرست الهند نفسها كمدافع عن القضية الفلسطينية، رافضةً للانتهاكات الإسرائيلية. ويرجع ذلك إلا أن الهند تدرك أن التقارب مع الولايات المتحدة لن يتم إلا من خلال إسرائيل، كما تمثل من أهم المنتجين لتكنولوجيا السلاح المتطورة في الإقليم. 

ختامًا؛ من المتوقع أن تستمر السياسة الخارجية الهندية على هذا النحو، علاوة على الانفتاح على القوى الإقليمية والدولية بما يدعم مكانتها في النظام العالمي، فضلاً عن البحث عن شركات واستثمارات جديدة تساهم في تحقيق أهداف التنمية الشاملة التي تم ربطها بالتحركات الخارجية للدولة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى