أفريقيامراكز أخرىمكافحة الإرهاب

المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية: خريطة العمليات الإرهابية في أفريقيا خلال 2022

عرض – منى قشطة

استمرارًا للاتجاه التصاعدي المُستمر منذ عقد من الزمن، زادت أحداث العنف المرتبطة بنشاط الجماعات الإرهابية في أفريقيا بنسبة 22%، بينما ارتفعت الوفيات بنسبة 48% خلال العام الماضي 2022، ويمثل هذا رقمًا قياسيًا جديدًا للعنف المتطرف، ويعكس تضاعفًا تقريبًا في عدد مثل هذه الأحداث منذ عام 2019. وفي هذا الشأن، تعرض تقرير أصدره المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية في فبراير الجاري بعنوان قتلى عنف المتشددين الإسلاميين في أفريقيا يرتفع بنحو 50%، للنشاط الإرهابي المرتبط بالجماعات الإرهابية على الجغرافيا الأفريقية خلال العام الفائت.

وقد حدد التقرير خمس مناطق رئيسة يتركز بها العنف المتشدد في أفريقيا، وهي مناطق: الساحل الأفريقي، والصومال، وحوض بحيرة تشاد، وموزمبيق ،وشمال أفريقيا. وبحسب الإحصائيات التي وردت بالتقرير، شهدت منطقتي الساحل والصومال 77% من إجمالي أحداث العنف المُبلغ عنها في جميع أنحاء القارة خلال عام 2022، وزاد عدد القتلى المرتبطين بالجماعات الإرهابية بنسبة 48% مقارنة بعام 2021 معظمهم من المدنيين، وهي زيادة مُقلقة.

منطقة الساحل الأفريقي

شهدت منطقة غرب الساحل (بوركينا فاسو ومالي وغرب النيجر) 2737 هجومًا إرهابيًا، لتصبح أكبر منطقة تشهد هجمات إرهابية خلال العام الماضي، بزيادة قدرها 36% مقارنة بأي منطقة في أفريقيا. وارتفع عدد الوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية التي شهدتها منطقة الساحل ليسجل 7899 شخصًا، بزيادة قدرها 90% في الوفيات وزيادة تقدر بحوالي 130% في الأحداث العنيفة التي تورطت فيها الجماعات الإرهابية منذ عام 2020.

وأشار التقرير إلى أن الزيادة المضطردة في النشاط الإرهابي في منطقة الساحل تتزامن مع استيلاء المجلس العسكري على السلطة في مالي في أغسطس 2020، ورغم تبرير المجلس سيطرته على السلطة بالحاجة لمواجهة التهديد الإرهابي، ومطالبته برحيل القوات الفرنسية واستجلابه لمجموعة فاجنر الروسية، إلا أن الأحداث الإرهابية لم تتناقص وتسارعت وتيرتها، ووقع عدد متزايد من الهجمات على بعد 150 كم من العاصمة باماكو. وتكررت التجربة بشكل مماثل في بوركينا فاسو، حيث وقع أول انقلابين عسكريين في يناير 2022، وشهدت البلاد لاحقًا زيادة نسبتها 69% في أعداد الوفيات الناجمة عن نشاط الجماعات الإرهابية على مدار العام، حيث بلغ مجموع القتلى 3600 قتيلًا. ولفت التقرير إلى أن منطقة الساحل تشهد الآن 40% من الأنشطة الإرهابية التي تنفذها الجماعات الإرهابية في أفريقيا.

وذكر التقرير أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كانت مسؤولة عن 77% من الأعمال الإرهابية و67% من الوفيات الناجمة عن نشاط الجماعات الإرهابية في منطقة الساحل. وكانت هناك زيادة لافتة بنسبة 49% في الوفيات الناجمة عن العمليات الإرهابية التي ركزت على استهداف المدنيين في منطقة الساحل خلال العام الماضي.  ويرى التقرير أن إدخال مجموعة فاجنر الروسية لمحاربة المتشددين في المنطقة أدى إلى تصاعد عنف المدنيين في منطقة الساحل.

وأشار التقرير إلى أن 90% من جميع أحداث العنف في منطقة الساحل وقعت في بوركينا فاسو ومالي. وقد شهد العام الماضي أيضًا زيادة ملحوظة في حوادث العنف في الدول الساحلية، وقفز عدد الأحداث في بنين من 5 إلى 37 وفي توجو من 1 إلى 17 حدث إرهابي. وبالمثل، شهدت النيجر زيادة بنسبة 43% من أحداث العنف في العام الماضي، ومع ذلك انخفض عدد القتلى إلى النصف. وتسببت أحداث العنف كذلك في نزوح أكثر من 2.6 مليون شخص، وكان لبوركينا فاسو نصيب الأسد من هذا العدد مع نزوح أكثر من 1.8 مليون شخص.

الصومال

كان الاتجاه الأكثر لفتًا للانتباه في الصومال خلال العام الماضي هو الزيادة بنسبة 133% في عدد القتلى المرتبطين بعنف الجماعات الإرهابية، وخاصة حركة الشباب، حيث تم الإبلاغ عن 6225 حالة وفاة مرتبطة بها في عام 2022، بزيادة عن 2606 عن العام السابق، وهذا مستوى قياسي للوفيات ويتجاوز إجمالي عامي 2020 و2021 مجتمعين. وقد شهد الصومال زيادة بنسبة 23% في الأنشطة العنيفة التي تورطت فيها حركة الشباب مقارنة بالعام السابق، حيث بلغ مجموع الهجمات 2553 هجومًا، ويمثل هذا 37 %من جميع الأحداث المتطرفة في أفريقيا، وهو أقل بقليل مما حدث في منطقة الساحل.

وهذه هي المرة الأولى منذ عام 2007 التي لم يشهد الصومال فيها أعلى نسبة سنوية من أحداث العنف في القارة، وهو ما أرجعه التقرير إلى مجموعة من العوامل، منها: الجهود الجماعية لمواجهة نشاط الحركة من قبل الجيش الصومالي والميليشيات العشائرية وبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية في الصومال.

وذكر التقرير أن وتيرة المعارك بين الحركة والقوات الحكومية تسارعت في عام 2022 بعد انتخاب الرئيس حسن شيخ محمود ودعوته إلى شن هجوم شامل ضد حركة الشباب، الأمر الذي دفعها إلى الخروج من البلدات التي كانت تسيطر عليها من قبل، وشنها للمزيد من الهجمات الانتقامية. 

وقد كشف النصف الثاني من عام 2022 أيضًا عن زيادة في العنف ضد المدنيين من قبل حركة الشباب (قفزت بنسبة 41% خلال النصف الأول من العام، من 82 إلى 116 هجومًا). وهذا يشير إلى أن الضربات التي وجهت ضد الحركة دفعتها إلى الرد بملاحقة أهداف سهلة، مثل التفجيرين المزدوجين في أكتوبر 2022 في مقديشو اللذين أسفرا عن مقتل أكثر من 100 شخص وإصابة مئات آخرين.

 وقد شهد الصومال زيادة بنسبة 34% في هجمات العبوات الناسفة في العام الماضي، وتضاعف عدد الوفيات الناجمة عن الهجمات الإرهابية التي نُفذت باستخدام تلك العبوات؛ إذ أفادت الأمم المتحدة بمقتل 613 مدنيًا وإصابة 948 آخرين في عام 2022، غالبيتهم قتلوا جراء العبوات الناسفة التي زرعتها حركة الشباب، بجانب أن الإجراءات التي قامت بها قوات الأمن التابعة للدولة والميليشيات العشائرية وغيرها من الجهات الفاعلة غير المحددة كانت مسؤولة عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين.

ويشهد الصومال الآن موسمه الخامس من قلة هطول الأمطار، ومن المتوقع أن يشهد موسمًا سادسًا من الأمطار أقل من المتوسط في مارس – يونيو 2023، مما قد يؤثر على 8.3 مليون شخص. ولفت التقرير إلى أن جزءًا كبيرًا من المنطقة التي تواجه أشد حالات انعدام الأمن الغذائي، بما في ذلك المجاعة المحتملة، يقع في الأراضي التي تسيطر عليها حركة الشباب أو تتنافس عليها، وهو ما يسلط الضوء على التحديات التي تواجه وصول المساعدات الإنسانية، وفي بعض الأحيان، والتخريب المباشر لعمليات تسليم المساعدات الغذائية.

حوض بحيرة تشاد

أشار التقرير إلى أن منطقة حوض بحيرة تشاد لا تزال ثالث أكثر المناطق فتكًا في القارة السمراء، حيث تضم 20% من جميع القتلى المرتبطين بالإرهاب. وقد شهد العام الماضي زيادة بنسبة 33% في الأعمال الإرهابية ضد المدنيين في المنطقة، مما تسبب في مضاعفة عدد القتلى جراء العمليات الإرهابية (من 299 إلى 598). وقد شهدت منطقة حوض بحيرة تشاد أيضًا عودة ظهور بوكو حرام في عام 2022 وذلك بعد تراجع تهديدها النسبي منذ عام 2017 في مواجهة تنظيم ولاية داعش غرب أفريقيا. ومع ذلك، خلال العام الماضي، ارتبطت بوكو حرام بزيادة قدرها 57 % في أحداث العنف و70% في الوفيات، مع استمرار تزايد هجمات ولاية داعش غرب أفريقيا.

وتتزامن تلك التحولات مع انتشار جغرافي للهجمات خارج ولاية بورنو في شمال شرق نيجيريا، حيث شهد العام الماضي هجمات مرتبطة بولاية داعش غرب أفريقيا في ولايات كانو وكوجي والنيجر وتارابا. وكانت الولاية مسؤولة كذلك عن تفجير كنيسة في ولاية أوندو (المنطقة الجنوبية الغربية)، وهجمات على ثكنة عسكرية وسجن خارج أبوجا، ومحاولة هجوم على ثكنة عسكرية بالقرب من حدود بنين في ولاية النيجر في الغرب. وبالمثل، كانت جماعة بوكو حرام مسؤولة عن عدد من الهجمات في شال غرب نيجيريا، وتصاعد نشاطها إلى جانب نشاط تنظيم داعش في تشاد وجنوب شرق النيجر. 

شمال موزمبيق

ارتفع عدد الحوادث الإرهابية المبلغ عنها المرتبطة بالجماعات الإرهابية في شمال موزمبيق بنسبة 29% في عام 2022 إلى 437، وهو عكس الانخفاض بنسبة 23% في عام 2021. وعاد العنف الآن إلى مستويات عام 2020 قبل تدخل مجموعة التنمية للجنوب الأفريقي (سادك) والقوات الرواندية. وأشار التقرير إلى أنه بعد طرد العناصر الإرهابية من مدينتي بالما وموسيمبوا دا برايا على طول الساحل، تفرقت مجموعات أصغر من المسلحين في المناطق الريفية الغربية والجنوبية، واعتدوا على القرى وارتكبوا أعمال قتل وقطع للرؤوس واختطاف ونهب وتدمير ممتلكات.

 ولطالما شهد شمال موزمبيق ارتفاعًا في مستويات العنف ضد المدنيين. ويستمر هذا النمط مع زيادة أخرى في الهجمات على المدنيين في العام الماضي (زادت بنسبة 120% لتصل إلى 288 هجوم)، وبالمثل، زادت الوفيات المرتبطة بالعنف ضد المدنيين بنسبة 57 %. ونتيجة لهذه الزيادة وانتشار العنف ضد المدنيين، يوجد حاليًا أكثر من مليون شخص مشرد داخليًا في أربع مقاطعات هي كابو ديلجادو ونياسا ونامبولا وزامبيزيا.

شمال أفريقيا

وفقًا للتقرير، انخفضت الأنشطة الإرهابية المرتبطة بالجماعات الإرهابية في منطقة شمال أفريقيا بنسبة 32% خلال العام الماضي، حيث انخفض عددها في المنطقة إلى مستويات ما قبل داعش في 2013. ومثّل عدد القتلى الـ 276 المرتبطين بهذه الأحداث انخفاضًا بمقدار 14 ضعفًا عن أكثر من 4000 حالة وفاة في منطقة شمال أفريقيا في عام 2015 عندما كان نشاط تنظيم داعش في ذروته.

ختامًا، شهد عام 2022 ارتفاعًا ملحوظًا في النشاط الإرهابي المرتبط بالجماعات الإرهابية التي تنتشر في كافة أرجاء القارة الأفريقية وفي مقدمتها تنظيمي داعش والقاعدة بأفرعهما المختلفة، وتشير كافة المعطيات إلى استمرار تصدر القارة المشهد الإرهابي العالمي خلال العام الجاري 2023 في ظل استمرار المحفزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تجعل من أفريقيا أرضًا خصبة لنشاط الجماعات الإرهابية، فضلًا عن استغلال تلك الجماعات انشغال القوى الدولية المعنية بمكافحة الإرهاب بالحرب الروسية الأوكرانية الدائرة وما خلفته من تراجع لأولوية مكافحة الإرهاب على أجندة تلك الدول.

+ posts

باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع

منى قشطة

باحثة ببرنامج قضايا الأمن والدفاع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى