آسيامصر

تعددية المحاور.. نظرة عن كثب لأهمية العلاقات المصرية-الهندية

خلال الأشهر الماضية، زخرت التحركات الخارجية المصرية بالعديد من الملامح والتطورات التي رسمت تغيرات في مياه علاقاتها الإقليمية والدولية، وكان من أهم هذه الملامح توطيد القاهرة لعلاقاتها مع نيودلهي عن طريق بعض الخطوات التمهيدية، من خلال زيارتين إلى القاهرة أجراهما وزير الدفاع الهندي، راجناث سينغ، في سبتمبر 2022، ووزير الخارجية، سوبرامانيام جايشانكار، في أكتوبر الماضي. وما يتبع ذلك من خطوات أخرى على طريق التقارب تضمنت حضور وزير الخارجية سامح شكري لقمة “صوت الجنوب العالمي” التي استضافتها الهند يومي 12 و13 يناير 2023 وهي قمة افتراضية تقام تحت شعار “وحدة الصوت ووحدة الهدف”. بالإضافة إلى زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم إلى الهند للمشاركة كضيف شرف رئيسي في احتفال البلاد بيوم الجمهورية.

الشراكة الأفريقية- الهندية

منذ عام 2015، كانت هناك مساعٍ واضحة لترسيخ أركان التعاون بين القارة الأفريقية والهند؛ ذلك أن التحديات التي يواجهها العالم أجمع والدول النامية بشكل خاص تجعل من خيار الشراكة والتعاون الخيار الأجدى أمام أفريقيا والهند  بوصفهما أحد أهم نماذج التعاون البناء بين دول الجنوب، فهما تستندان إلى تاريخ مشترك فيما يتعلق بالكفاح من أجل التحرر الوطني، وكان هناك أثر ملموس للشراكة بين الزعيمين الراحلين جمال عبد الناصر وجواهرلال نهرو في تأسيس حركة عدم الانحياز، وفى جهود إعادة صياغة أسس النظام العالمي على نحو أكثر عدالة  يحمي مصالح الدول النامية  ويلبي تطلعات شعوبها نحو مستقبل أفضل. 

ومع تغير طبيعة التحديات التي يواجهها الجانبان ومجالات التعاون الجديدة التي تنامت أهميتها خلال السنوات الماضية، كان هناك إدراك لأهمية البناء على الروابط المشتركة؛ بهدف إيجاد إطار مؤسسي للدفع قدمًا بهذه العلاقات في مختلف المجالات وبما يتماشى مع استراتيجيات التنمية التي أقرتها القمم الأفريقية وفى مقدمتها “أجندة ٢٠٦٣”.

وبطبيعة الحال، تنظر نيودلهي إلى لقاهرة بوصفها ممثلة للقارة الأفريقية خصوصًا فيما يتعلق بمجالات التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر؛ كون مصر هي التي استضافت قمة المناخ cop27، وتمتلك استراتيجية خاصة ورائدة للمناخ في القارة الأفريقية. ويضاف إلى ذلك المقومات الكبيرة التي تتمتع بها مصر، إذ يبلغ عدد سكانها حوالي 104 ملايين نسمة، ولديها موقع يمتد عبر قارتي إفريقيا وآسيا، ولديها جيش هو الأكبر في المنطقة، وعاصمة تستضيف جامعة الدول العربية، وتمثيل دبلوماسي يماثل ثقلها الفعلي في الشؤون العالمية.

وهو ما يستوجب أهمية تكثيف التشاور بين الجانبين الأفريقي والهندي فيما يتعلق بتغير المناخ؛ وذلك سعيًا لسد احتياجات الدول الأفريقية والدول النامية بوجه عام وشمولية توفير الدعم اللازم من تمويل وتكنولوجيا وضرورة وفاء الأطراف الدولية بتعهداتها ومسؤولياتها وفقًا لمبدأ المسؤوليات المشتركة.

مبررات التقارب المصري- الهندي

● الهند واحدة من الاقتصادات الصاعدة: تعد نيودلهي واحدة من أهم الاقتصادات النامية “الصاعدة ” في العالم، ومن هنا تأتى أهمية الخطوات التي تتخذها مصر في زيادة التقارب والتعاون معها ومع الصين القوة الاقتصادية الأكثر صعودًا خلال السنوات الأخيرة. ومن جانب أكثر أهمية، فإن الهند هي ثاني أهم دول العالم في صناعة الإلكترونيات والبرمجيات والتكنولوجيا، ولذا يأتي حرص القاهرة على توطيد العلاقات معها.

● تعدد المحاور: تستهدف القاهرة ضمن سياستها الخارجية تعديد المحاور وتكوين علاقات ناجحة مع الجميع، انطلًاقًا من مبادئ الحياد والحفاظ على تطبيق قواعد القانون الدولي. ومن هنا تتبلور رغبة مصر  في معادلة اتجاهاتها في آسيا عن طريق تقوية علاقاتها مع الهند والصين وكوريا الجنوبية؛ لخلق حالة من التوازن وتعظيم أوجه الاستفادة المصرية من التعاون مع مختلف الدول. 

ويمكن رؤية انعكاسات ذلك بسهولة في رصد أن زيارة الرئيس المصري إلى الهند يوم 24 يناير 2023 تأتي  بعد أيام من زيارة وزير الخارجية الصيني إلى القاهرة ولقائه بوزير الخارجية سامح شكري، مما يؤكد حرص الدبلوماسية المصرية على خلق علاقات متوازنة مع الجميع، وينفي فكرة أن تقارب القاهرة مع نيودلهي أو بكين يعني تراجع علاقاتها مع أي من البلدين. خصوصًا أن زيارة وزير الخارجية الصيني إلى القاهرة مثلت الزيارة الوحيدة لعاصمة عربية في جدوله قياسًا على الأوضاع التي جاء فيها توقيت الجولة الصينية من حيث التأزم السياسي والاقتصادي العالمي، وهو ما يشرح نظرة الصين والهند لمصر بوصفها بوابة عبور للمنطقة العربية ولأفريقيا.

● الحرب الروسية- الأوكرانية: لم يكن تعميق العلاقات بين القاهرة ونيودلهي أمرًا جديدًا خلال الأعوام الماضية، لكن الخطوات المتسارعة مؤخرًا كانت مدفوعة بالسياق العالمي الجديد بعد الحرب الروسية الأوكرانية. وفيها تقاسم البلدان تصورات مشتركة عن الخطوط العريضة لذلك العالم، واتخذا موقفًا مشابهًا وحياديًا لا ينقلب على روسيا وفي نفس الوقت لا يبرر الاعتداء على سيادة بلد مستقل بهدف تقليل حالة الاستقطاب الدولي وإعادة هندسة مجتمع دولي يبنى على التعددية القطبية.

● الأمن الغذائي وتوفير القمح: مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية التي أدت إلى تفاقم اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وقطع واردات القمح من أوكرانيا وروسيا، نظرت القاهرة إلى الهند كمصدر بديل، ولكن بسبب موجة الحر الضارية التي أثرت على إنتاج الحبوب في الهند، فرضت نيودلهي حظرًا على تصدير القمح في منتصف شهر مايو. ولكن على الرغم من ذلك، استثنت الهند مصر من الحظر، وأرسلت شحنة من القمح إلى مصر تبلغ 61.500 طن في 17 مايو.  وقد أشار هذا الاستثناء إلى العلاقة القوية والمرنة بين البلدين، خصوصًا أن مصر وخلال تفشي كورونا في الهند قامت بشحن 30 طنًا من الإمدادات الطبية و300 ألف جرعة من عقار “ريمسيفير”.

● استراتيجية التعاون التجاري بين البلدين: تستحوذ الهند على 7.4% من صادرات مصر، وقد زادت التجارة الثنائية أكثر من خمس مرات في السنوات العشر الماضية. ووفقًا لهيئة الاستعلامات المصرية، تعد الهند ثالث أكبر شريك تجاري لمصر،  وتوسعت التجارة الثنائية بسرعة في 2021-2022، لتصل إلى 26 مليار دولار مسجلة زيادة بنسبة 75% مقارنة بالسنة المالية 2020-2021. فبلغت صادرات الهند إلى مصر خلال هذه الفترة 3.74 مليارات دولار، مسجلة زيادة بنسبة 65% عن نفس الفترة في العام المالي 2020-2021. وفي الوقت نفسه، بلغت صادرات مصر إلى الهند 3.52 مليارات دولار مسجلة زيادة قدرها 86%. ولذلك تسعى مصر إلى زيادة الاستثمارات الهندية، وتتطلع إلى الهند بوصفها أفقًا جديدًا لتنمية السياحة وتعزيز مجال الأمن الغذائي والأسمدة. أما الاستثمارات الهندية الحالية في مصر فتشمل مصنع الصودا الكاوية في بورسعيد ومنشأة الكربون الأسود التابعة لمجموعة Aditya Birla في الإسكندرية، وكذلك مرافق التصنيع المهمة التي أنشأتها مجموعات مثل Asian Paints وDabur وUFlex Films وBajaj Auto.

● تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: تتطلع نيودلهي إلى أن تكون شريكًا حقيقيًا لمصر في تطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في حالة من التنافس مع بكين، وقد قامت الهند في هذا الإطار بتوقيع اتفاقية لإنشاء منشأة Green Hydrogen بسعة سنوية تبلغ 220.000 طنًا باستثمار ضخم قدره 8 مليارات دولار أمريكي، حيث نجحت القاهرة في ذلك من خلال إقرار أوعية ضريبية جذابة، ووفرة الأراضي، إضافة إلى الموقع الاستراتيجي الذي يجعل من السهل النفاذ إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما تدركه نيودلهي جيدًا حيث تمثل السفن التي تعبر القناة سنويًا 20 في المائة من تجارة الحاويات العالمية. وبالإضافة إلى ميزة الموقع، عززت مصر أيضًا جاذبيتها من خلال سلسلة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمتد عبر أفريقيا (ACFTA؛ أجادير؛ الكوميسا)، ومع أوروبا عبر (الرابطة الأوروبية للتجارة الحرة)، ومع أمريكا اللاتينية عبر (ميركوسور).

● رؤية الدولتين لأهمية أمن الملاحة: تدرك مصر والهند أن أمن الملاحة الدولية في قناة السويس والبحر الأحمر والمضائق هي أساس حماية المصلحة المشتركة الاستراتيجية الأمنية والعسكرية ليس فقط لمصر والهند، ولكن لدول الخليج كذلك والتي ترتبط مصر بأمنها ارتباطًا وثيقًا، وكذلك يتعلق الأمن الملاحي مباشرة بمصالح نيودلهي المعتمدة هي الأخرى على الطاقة الواردة من دول الخليج، ومن ثم يمكن القول إن تأمين الملاحة في قناة السويس ومنطقة البحر الأحمر يتعلق بثلاثية مصر والهند ودول الخليج مجتمعة، ولعل تسليم البحرية الأمريكية رسميًا قيادة القوات البحرية المعروفة باسم وحدة المهام المشتركة متعددة الجنسيات في البحر الأحمر للبحرية المصرية خير دليل على القوة الحقيقية  للبحرية المصرية والثقة في قدراتها، وكذلك الثقة في مصر وسياستها الحكيمة وقيادتها الواعية الساعية لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي. 

● التعاون العسكري المتنامي: مثلت زيارة وزير الدفاع الهندي راجناس سينج   في سبتمبر الماضي واستقبال الرئيس المصري له الدليل على إدراك الدولتين لأبعاد وأهمية التعاون العسكري، وهي الزيارة التي وقع خلالها على مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الدفاعي الثنائي، وسبقها اتفاق تعاون بحري واستكشاف إمكانية التصنيع المشترك في زيارته للقاهرة عام 2018. وتضمنت الزيارة الاستراتيجية المهمة لوزير الدفاع الهندي أحد أهم مجالات التعاون بين البلدين المتمثلة في مجال مكافحة الإرهاب الذي يعد الملف المحوري الذي تتعاون فيه الدولتان بشكل حيوي وحسب فهم البلدين المشترك لتهديد الإرهاب المتنامي خصوصًا أن مصر تمتلك تجربة مهمة في مجال مكافحة الإرهاب.

وينعكس التقارب العسكري بين البلدين تحديدً في تكوين كل من القوات الجوية المصرية والهندية بشكل ملحوظ، مما يعكس فترة مهمة من التاريخ حيث كانت كلتا الدولتين من الأعضاء المؤسسين لحركة عدم الانحياز. وتتألف أساطيل الطائرات المقاتلة التابعة لسلاح الجو في البلدين من خليط من الواردات، لدول مثل روسيا وفرنسا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وغيرها مما يسهل من عمليات المران والمناورات العسكرية. وقد أدت الزيارات رفيعة المستوى على مدار العامين الماضيين إلى إطلاق أول تدريب تكتيكي مشترك على الإطلاق يُجرى بين سلاح الجو في البلدين. وخلال التدريب –الذي أجري على مدى يومي 30 و31 أكتوبر 2021- أرسل سلاح الجو الهندي خمس مقاتلات من طراز “ميراج 2000″، وطائرة للتزود بالوقود، إلى قاعدة البريجات الجوية في مصر.

ويضاف إلى ما سبق، تزايد المخاوف بشأن عدم قدرة الهند على توفير الإصلاح وقطع الغيار لمعداتها الروسية في ظل حالة الحرب الممتدة منذ عام، ومن ثم قد تتوج الشراكة الدفاعية في مجال التصنيع، بإنتاج مصري هندي مشترك لمقاتلات “تيجاس” التكتيكية الخفيفة، وطائرات الهيلكوبتر القتالية الخفيفة، لتكون مصر مركز إنتاج وتصدير هذه المقاتلات والمروحيات في أفريقيا والشرق الأوسط بعد توطين تكنولوجيا تصنيعها.

ختامًا؛ بات من الواضح من خلال المؤشرات الحالية أن العهد الحالي للرئيس المصري ولرئيس الوزراء الهندي “ناريندرا مودي” قد يتجه في نهاية المطاف إلى تحقيق بعض طفرات ممكنة في العلاقات الثنائية بشكل لم  يتحقق منذ تاريخ انطلاق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، ولعل الجديد الذي بات عرفًا في  السياسة الخارجية المصرية هو  استراتيجية تعددية المحاور؛ بهدف الوصول إلى المزيد من المرونة  والتأثير وليس من قبيل المبالغة الإشارة إلى أن تعديد المحاور بالنسبة للسياسة الخارجية المصرية جعل من السائغ للغرب أن يعيد تقييم أهمية الدور المصري على الصعيدين الإقليمي والدولي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى