الأزمة الأوكرانية

“فاجنر”: هل تقود حرب الشوارع المواجهة بين روسيا وأوكرانيا إلى حافة النهاية؟

يقول “تشي جيفارا” في كتابه الشهير “حرب العصابات” 1961، “عُض واهرب، هذا صحيح. عض واهرب، تريث، راقب، عُد ثانية، عض واهرب مرة أخرى، وهكذا دواليك، دون أن تترك للعدو فرصة للراحة“. وعلى الرغم من مرور أكثر من خمسين عامًا على وفاته، فإنه من الممكن القول إن روح الثائر الأرجنتيني تعود هذه الأيام لتطوف ساحة المعارك الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، وذلك على خلفية الإعلان عن بسط السيطرة الروسية على مدينة “سوليدار” الثمينة. 

وبينما زف “يفجيني بريجوزين”، رئيس مجموعة “فاجنر” الروسية، بُشرى السيطرة على المدينة على يد رجاله في 10 يناير 2023، نجد أن هذا النبأ قد تسبب في إثارة الجدل حول جدوى الاعتماد على تكتيك حرب الشوارع أو حرب العصابات في مواجهة الجيوش النظامية. في شكل يُعيد إلى الأذهان تعاليم “جيفارا” بوصفه أكثر من آمن بفاعلية هذا النمط من الحروب، بشكل يسترعي إلقاء نظرة على طبيعة الدور الذي تلعبه قوات “فاجنر” في صفوف الجانب الروسي، أملًا في الرد على تساؤل حول التغييرات التي أدرجتها مشاركة “فاجنر” في مسار الحرب. 

“فاجنر” ونصر “سوليدار”

جددت أنباء سيطرة روسيا على مدينة “سوليدار” التساؤلات حول مستجدات طبيعة نشاط قوات “فاجنر” في الحرب الروسية الأوكرانية وما يميزها عن القوات النظامية في الجيش الروسي. ومن هذا المنطلق، نجد أن “فاجنر” فتحت أبواب ضم المزيد من المجندين من مختلف الجنسيات على مصراعيها. فقد أنشأت مراكز توظيف إقليمية عبر أكثر من 20 مدينة روسية، وقدمت عروضًا مُغرية أمام الراغبين في الانضمام إليها، بشكل يجعل الجندي التابع لـ “فاجنر” يحصل على ما يزيد عن 240 ألف روبل في الشهر، وهو ما يفوق أجور الضباط النظاميين بعدة مرات.

من ناحية أخرى، لعبت قدرة الشركة على إتاحة الفرصة أمام المسجونين، بما في ذلك هؤلاء الحاصلين على أحكام جنائية، بالحصول على عفو مقابل الخدمة لفترات محددة في صفوف الجيش الروسي دورًا بارزًا في جعلها نقطة جذب أمام المزيد من العناصر، خاصة مع معرفة أن هؤلاء المنضمين لفاجنر لا يحصلون على عفو فقط، بل يتم كذلك تطهير جميع سجلاتهم الجنائية أمام القانون. وهو الشيء الذي حدث في وقت مبكر من يناير 2023 بالفعل، عندما أعلن “بريجوزين” أنه تم العفو عن المجموعة الأولى من السجناء الذين أنهوا فترة قتالهم في أوكرانيا. وألحقت “فاجنر” إعلانها فيما بعد بنشر إعلانات تفيد بأن هؤلاء قد تم تطهير سجلاتهم الجنائية أمام القانون، وحصلوا على تكريمات وأوسمة شجاعة رسمية من قبل الدولة الروسية.

وفيما يُجادل خبراء عسكريون، على خلفية نصر سوليدار، في أن ذلك يمثل برهانًا على عدم كفاءة عناصر الجيش الروسي النظامي بشكل استدعى معه ضرورة الاعتماد على “فاجنر”، نجد أن الدلائل تُرجح أن تكون السلطة في الكرملين لجأت إلى ضرورة توسعة الاعتماد على قوات “فاجنر” لأسباب عدة نوجزها في النقاط التالية؛ 

● تقليص معدل وفيات العناصر المدربة من أصحاب الكفاءة والقيمة العالية من الجيش الروسي في الحرب. فإذا كنا نعرف أن روح الضابط الروسي مُكلفة، فإنه من الطبيعي علينا أن نفهم كيف تكون روح عنصر “فاجنر” مجانية تمامًا. 

● تحسين الموقف الشعبي للكرملين الذي يريد امتصاص أي احتقان ينجم عن وفيات العناصر العسكرية.

● الحرب، أي حرب، لابد وأن تحتاج إلى عقيدة لتحصينها. الجنود والعناصر العسكرية عادة ما تكون أكثر هشاشة وأقل قدرة على مجابهة الضغوط النفسية المحدقة بالعمليات العسكرية عندما يفتقرون إلى قناعة وإيمان بحتمية الحرب التي يجب أن تقترن بهدف نبيل. وعلى هذا الأساس، نجد أن عناصر “فاجنر”، توفر للكرملين شيئًا ربما تعجز عنه العناصر التي تم ضمها للخدمة العسكرية على الجبهة بعد قرار التعبئة العسكرية الجزئية، وهو الإيمان بضرورة الحرب. فبالنسبة لشخص مدني عادي، قد لا تكون الحرب سوى أكثر من فعل عنيف تم إجباره على اتخاذه، بينما يختلف الأمر بالنسبة لعنصر “فاجنر” الذي ينضم للحرب طواعية إيمانًا منه بأن هذا عمل هو مضطر لارتكابه لأجل كسب قوت يومه، مما يعني أن مشاركته في الحرب تتحول إلى أمر جوهري بالنسبة له. 

● الأمر بالمثل فيما يتعلق بالمسجونين المنضمين للعمل العسكري لدى شركة “فاجنر”. غير أنه توجد هناك إضافة ما على هؤلاء؛ فإلى جانب حصولهم على المال والحرية وفرصة عظيمة للتنصل من جرائم الماضي، نجد أنهم يحضرون إلى الحرب حاملين معهم سجلًا حافلًا من تاريخ جنائي غير مُشرف، يجعل من ضلوعهم في المشاركة بعمليات عسكرية دموية وكل ما يتصل بها من تبعات أمر هين ليس بالجديد عليهم. وهي جميعها خبرات مضافة بوسعها أن ترفع من احتمالات نجاح “فاجنر” فيما يعجز عنه الضباط النظاميون الروس.

● ربما يمثل نصر “سوليدار” دليلًا وبرهانًا على كفاءة العناصر المنضمة حديثًا، بعد الحرب، إلى “فاجنر”. ذلك بعد ورود العديد من التقارير التي تفيد بأن “فاجنر” خفضت من معايير انضمامها لاجتذاب أكبر عدد ممكن. 

وعلى هذا الأساس، نفهم كيف يؤثر التاريخ الإجرامي للعديد من عناصر “فاجنر” بأن يجعلها قوات لديها خبرة وباع طويل في النمط الذي يُطلق عليه “حرب العصابات”، بشكل يستدعي معه ضرورة الانتقال لفتح نقاش حول مدى قدرة الجيوش النظامية على خوض حرب العصابات في المُدن، في مقابل حرب العصابات عندما تخوضها بالفعل عصابات. 

الجيوش النظامية وحرب العصابات

نعود مرة أخرى إلى كِتاب “تشي جيفارا”، والذي يُفرق من خلاله ما بين نمطين من الحروب: النمط الأول يكون عبارة عن مشاركة الثوار في النضال جنبًا إلى جنب مع أفراد الجيش النظامي، والنمط الثاني عبارة عن انتفاضة جماعة مسلحة ثورية ضد السلطة القائمة التي تمتلك بالفعل جيشًا نظاميًا. ومن المهم هنا تسليط الضوء على أن “جيفارا” رأى في كتابه أن حرب العصابات هي الأسلوب الأهم الذي يُمكن الارتكاز إليه لكسب الحرب ضد الجيش النظامي، وبناءً عليه، شرح وجهة نظره فيما يتعلق بضرورة عدم التقليل من شأن رجال العصابات لمجرد كونهم بلا أسلحة توازي تسليح الجيش النظامي. لكن يبرز هنا السؤال، لماذا تشكل حرب العصابات ضرورة مُلحة في الحرب الراهنة؟ 

ردًا على ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن المدينة تمثل المسرح الرئيس للحرب الجارية، والتاريخ يحكي عن الكثير من الجيوش النظامية التي لديها خبرة في القتال من أجل المُدن، وليس في المُدن نفسها. والروايات التاريخية القادمة من عصر الحروب التي خاضها الرومان واليونان أخبرت الكثير عن إسقاط المُدن من خلال اتباع استراتيجية حصارها حتى الاستسلام. وعلى النقيض من ذلك، نجد أن البيئة الحضرية في الحرب تحمل ميزات خاصة لقوات “فاجنر” بينما تكون القوات النظامية محرومة منها بطبيعة الحال. تتمثل هذه الميزات في كونها: أولًا بيئة مناسبة لاتباع طريقة الكر والفر والاختفاء وسط التكتلات السكانية، وثانيًا توفر تضاريس مناسبة لنصب أماكن الكمائن ونشر مواقع القناصة وتوفير فرص أكبر للهروب.

وبالعودة إلى الوقت الحاضر، نجد أن أبرز ما يُميز الاستراتيجية الروسية في الحرب هو افتتاح الهجوم تحت درع من الضربات الصاروخية والجوية المكثفة تمهيدًا للهجوم على الأرض. لكن يبدو أن السلطة في الكرملين أدركت بعد أشهر -قبل إسقاط سوليدار-  من عدم قدرتها على تحقيق نصر عسكري حاسم على الجبهة ضرورة توسعة الاعتماد على قوات “فاجنر”. في شكل يسترعي أن نطرح معه تساؤلًا ختاميًا حول ماهية تأثير توسعة الاعتماد على “فاجنر” على النتائج النهائية للحرب بين الجانبين؟ 

وردًا على ذلك، نلجأ مرة أخرى إلى رأي “تشي جيفارا” الذي أورد في كتابه أن حرب العصابات عبارة عن طريقة بدائية للقتال وليس من الضروري أن تمنح من ينتهجها القدرة على تحقيق نصر شامل. ومن هذا المنطلق، وفيما نحن ننظر في حرب تشنها روسيا بشكل يخلط بين جهود الجيش النظامي وجهود كل المنضمين تحت مظلة “فاجنر”، نرى أن قرار الكرملين بتوسعة دور “فاجنر” في الحرب لا ينُم بالضرورة عن ضعف أصاب تكوين الجيش النظامي، بل على العكس من ذلك قد يَنم عن إدراك القيادة الروسية للطبيعة الميدانية المتغيرة للحرب والتي يستدعي معها الأمر ضرورة التوسع في الاعتماد على حرب الشوارع. 

وختامًا، ليس من الضروري أن تحسم حرب الشوارع المعركة لصالح الجانب الروسي، لكن من المؤكد أنها ستسهم في تسريع وتيرة التحركات الروسية على الجبهة. 

داليا يسري

باحث أول بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى