سوريا

لماذا ترفض هيئة تحرير الشام مسار التقارب التركي السوري؟

شهدت السياسة الخارجية التركية تجاه الأزمة السورية تحولًا لافتًا خلال الأشهر الأخيرة، وذلك مع تصاعد المؤشرات على تحول هذه السياسة من العداء والصدام مع النظام السوري والضغط إقليميًا وعبر بعض الفصائل المسلحة السورية من أجل الإطاحة به، إلى تبني سياسات تدعو إلى الانفتاح على النظام من منطلق التعامل معه كسلطة أمر واقع. وقد أثار هذا التقارب التركي المحتمل مع سوريا تخوفات عديد من الفصائل المسلحة الموجودة هناك وعلى رأسها هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقًا”، على مستوى تداعياته على توازنات القوى في الداخل السوري، ما يعزز الحاجة إلى الوقوف على موقع هيئة تحرير الشام في إطار هذا التقارب، والكيفية التي سيتعامل بها هذا الفصيل المتطرف مع هذه المتغيرات.

محددات التقارب التركي السوري

يجد المتابع لمسار التقارب التركي السوري المحتمل أن هذا التقارب الحذر يأتي مدعومًا من روسيا وبإشراف مباشر منها، حيث بدأت مؤشرات هذا التقارب من خلال اجتماع وزراء دفاع ورؤساء أجهزة استخبارات دول تركيا وروسيا وسوريا، في العاصمة الروسية موسكو في 28 ديسمبر 2022، وهو الاجتماع الذي قرر مسؤولو الدول الثلاثة على إثره تشكيل لجان دفاعية واستخباراتية مشتركة ستبدأ اجتماعاتها نهاية الشهر الجاري في موسكو، ولاحقًا إعلان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أنه سيجتمع قريبًا مع نظيريه الروسي والسوري، ويمكن استعراض محددات التقارب التركي السوري على النحو التالي:

1- توجه النظام السوري نحو ترميم علاقاته الخارجية: تأتي مؤشرات التقارب التركي السوري في ظل سياق أعم يشهد حالة من الحراك المكثف يستهدف بشكل رئيس إعادة تطبيع علاقات سوريا بمحيطها الإقليمي والعربي، وقد بدأ هذا الحراك في العام 2018 مع زيارة الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير إلى سوريا، مرورًا بمبادرة الإمارات بإعادة فتح سفارتها في دمشق في 2018، وكذا المباحثات الأولى التي حدثت بين قادة الدولتين في مارس 2020 بين الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (عندما كان ولي عهد أبو ظبي في ذلك الوقت) والرئيس السوري بشار الأسد، ولقاء مدير الاستخبارات السعودي في مايو 2021 مع نظيره السوري، واللقاء الذي جمع وزير الخارجية المصري بنظيره السوري في سبتمبر 2021.  وفي 29 سبتمبر 2021، أعلنت السلطات الأردنية إعادة فتح معبر جابر- نصيب الحدودي بعد سلسلة من المحادثات بين مسؤولين سوريين وأردنيين. وقد شهدت الأشهر الأخيرة العديد من التحركات والمباحثات المماثلة والتي عبرت في مجملها عن وجود توجه إقليمي وعربي نحو الانفتاح الحذر والتدريجي على سوريا.

2- سعي سوري إلى تحقيق مكاسب استراتيجية: تُشير بعض التقديرات إلى أن سوريا تسعى من بوابة هذا التقارب إلى تحقيق جملة من المكاسب الاستراتيجية بالنسبة لها، عبر فرض احترام سيادتها وسلامة أراضيها، والاتفاق على جدول زمنى لانسحاب القوات التركية من الأراضي السورية، ووقف دعم تركيا لفصائل المعارضة السورية والمنظمات الإرهابية، وفتح طريق حلب ــ اللاذقية، وطريق باب الهوى ــ إدلب وامتداداتهما، واتخاذ تركيا إجراءات ضد العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة على سوريا، ودعم تركيا لعملية إعادة الإعمار في البلاد.

3- تقليل تركيا من الاعتماد على “السياسات الخشنة”: ارتبط التوجه التركي نحو الانفتاح على سوريا بشكل رئيس بالتحولات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية في الآونة الأخيرة، خصوصًا على مستوى تقليل الاعتماد على “السياسات الخشنة” والتي كان الرهان على الفاعلين المسلحين من دون الدول أحد ركائزها الأساسية، وبدء تركيا في المقابل في السعي إلى العودة إلى مبدأ “تصفير الأزمات” وترميم العلاقات الدبلوماسية مع دول المحيط الإقليمي، في مسعى يستهدف الحفاظ على نفوذ تركيا في الإقليم عبر إحياء شراكاتها مع عدد من الدول.

وفي هذا السياق تسعى تركيا عبر هذا التقارب إلى خلق تعاون مع الدولة السورية ضد وحدات حماية الشعب الكردي (وهى مكون رئيس في قوات سوريا الديمقراطية ــ قسد) وحزب العمال الكردستاني السوري، وإقامة منطقة أمنية خالية من قوات قسد وحزب العمال الكردستاني السوري على بعد 30 كيلومترًا من الحدود التركية ــ السورية داخل سوريا، فضلًا عن تعويل أنقرة على هذا التقارب بما يدفع باتجاه خلق حلول عملية لأزمة اللاجئين السوريين في تركيا.

رفض هيئة تحرير الشام لمسار التقارب التركي السوري

على عكس فصائل “الجيش الوطني السوري” المعارض التي اكتفت بالتزام موقف الصمت إزاء التقارب التركي السوري المحتمل، راقبت هيئة تحرير الشام هذا المسار بقلق بالغ، وأعلنت عن رفضها لهذا المسار، ويمكن قراءة موقف هيئة تحرير الشام من مسار التقارب التركي السوري، في ضوء الاعتبارات التالية:

1- زيادة حدة خطاب الجبهة تجاه تركيا: تبنت هيئة تحرير الشام خطابًا حادًا تجاه مسار التقارب التركي السوري، حيث أعلن زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني أن “المباحثات التي تجري بين تركيا وسوريا بوساطة روسية تمثل انحرافًا خطيرًا عن مسار الثورة السورية”، مشيرًا إلى أن “الاستراتيجية التركية تجاه الأزمة السورية باتت لا تتوافق وهدف الثورة المتمثل في إسقاط النظام السوري” وفق تعبيره، لكن “الجولاني” حاول في الوقت ذاته التقليل من جدوى ودلالة هذه المباحثات عبر الإشارة إلى أنها “مجرد مباحثات ولم تصل بعد إلى مرحلة المصالحة التركية مع النظام” داعيًا إلى “عدم الخلاف والعداوة مع أنقرة” وفق تعبيره. ويعكس هذا التفاعل مع المباحثات، والخطاب الحاد من قبل الهيئة –على غير المعتاد– تجاه أنقرة إدراك هيئة تحرير الشام أنها قد تكون الخاسر الأكبر من هذا المسار.

2- تهديد مسار التقارب لنفوذ الهيئة: على الرغم من تصنيف تركيا منذ العام 2018 لهيئة تحرير الشام على أنها “فصيل إرهابي”، فإن لها علاقات وثيقة بالهيئة، بل إن هناك العديد من الشواهد التي تؤكد أن أنقرة لعبت دورًا محوريًا في تسهيل تحركات الفصيل المسلح في الشمال السوري، سواءً عبر تقديم أشكال مختلفة من الدعم، أو عبر التغاضي عن ممارسات الهيئة، وهو الأمر الذي جعل تركيا محل انتقاد من قبل عديد من القوى الدولية وعلى رأسها روسيا التي أشار مبعوثها الخاص إلى سوريا  ألكسندر لافرنتييف إلى أن “تركيا تسعى إلى تحويل هيئة تحرير الشام في إدلب إلى معارضة معتدلة”، حيث اعتبرت روسيا أن علاقات أنقرة بهيئة تحرير الشام تتعارض واتفاقات وتفاهمات مكافحة الإرهاب بين الطرفين.

وفي هذا السياق، تخشى هيئة تحرير الشام من أن يؤدي مسار التقارب التركي السوري إلى تبني أنقرة لتوجهات من شأنها تقييد حركتها، بما يتوافق والتوجهات الجديدة لتركيا، خصوصًا وأن الملف الأمني يقع على رأس قائمة الملفات التي تسعى تركيا وسوريا إلى تحقيق تقارب في وجهات النظر بخصوصه؛ إذ تطالب سوريا بتسليم إدلب ومعبر باب الهوى للحكومة، ووضع طريق M4 الدولي تحت سيطرة دمشق بشكل كامل، والتعاون في القضاء على الإرهاب، وهو ما يعني عمليًا القضاء على نفوذ هيئة تحرير الشام.

3- تجييش الهيئة ضد تطبيع العلاقات: سعت هيئة تحرير الشام خلال الأيام الماضية إلى تبني حملات مكثفة تستهدف التجييش ضد مسار التطبيع التركي السوري، حيث تبنت خطابًا إعلاميًا يستهدف حشد المواطنين في الشمال السوري ضد مسار التطبيع بين سوريا وتركيا، كذلك سعت إلى زيادة مساحة التقارب مع الفصائل السورية المسلحة المعارضة، مثل حركة أحرار الشام والفصيل المعروف بـ الجيش الوطني السوري “المعارض”. 

4- تصعيد ميداني لهيئة تحرير الشام: لم تقتصر مظاهر تصعيد هيئة تحرير الشام ضد مسار تطبيع العلاقات التركية السورية على الحملات الدعائية الإعلامية التي تُجيش ضد هذا المسار، بل امتدت لتشمل تحركات ميدانية تصعيدية من الحركة، حيث أفادت تقارير سورية بأن الهيئة قامت خلال الأسابيع الماضية بإدخال أسلحة ثقيلة مكونة من دبابات ومدافع وذخائر إلى منطقة الشيخ حديد التي تسيطر عليها فرقة السلطان سليمان شاه، المتحالفة مع تحرير الشام منذ أشهر طويلة، ومدت الهيئة ما يعرف باسم “أحرار الشام – القطاع الشرقي” بالأموال والذخائر، كذلك صعدت الهيئة من عملياتها العسكرية ضد الجيش السوري في محافظات إدلب وحماة واللاذقية، وأسفرت هذه العمليات عن مقتل العشرات.

وفي الختام، يمكن القول إن مسار التقارب التركي السوري وبعيدًا عن تداعياته السياسية والجيوسياسية المحتملة قد يدفع باتجاه حدوث تصعيد ميداني في منطقة الشمال السوري، في ضوء رفض الفصائل المسلحة الموجودة في هذه المنطقة لهذا المسار وعلى رأسها هيئة تحرير الشام التي ترى فيها تهديدًا لنفوذها وسيطرتها في مناطق الشمال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى