الاقتصاد المصري

اتجاهات السياسة الاقتصادية: كيف تتعامل مصر مع الأزمة الحالية؟

تشهد الدولة تطورات وأحداثًا جوهرية متسارعة في الملف الاقتصادي، والذي يأتي ضمن التزاماتها بوضع خطة اقتصادية لتحفيز الاقتصاد المصري على النمو، ومعالجة الاختلالات الهيكلية به، وتحسين مستوى الشفافية، وتعزيز أداء المالية العامة، الأمر الذي يدعم المناخ التنافسي بالاقتصاد المصري ويحسن من بيئة العمل في مصر. فقبل أيام قليلة من الإعلان عن صرف الشريحة الأولى من برنامج التمويل المبرم مع صندوق النقد الدولي لثلاث سنوات.

وقد شهد الملف الاقتصادي المصري تغييرًا قياديًا في الجهة القائمة على ملف الاستثمار بمصر، الهيئة العامة للاستثمار. ثم اتخذت الدولة من الإجراءات الاقتصادية ما يعيد الاستقرار إلى الاقتصاد المحلي، والذي كانت أولى خطواته في تغيير نظام تسعير صرف الجنيه المصري، والتحول نحو النظام المرن، هذا فضلًا عن الإعلان عن وثيقة ملكية الدولة التي تمهد لدور أكبر للقطاع الخاص بالاقتصاد القومي. ووسط كل تلك الإصلاحات، لم تغفل الدولة آثار تلك الإصلاحات على المواطن المصري والتي تتمثل في الارتفاعات في التضخم والأسعار التي تمثل أعراضًا جانبية لتلك الإصلاحات، فكان التركيز على البعد الاجتماعي للتخفيف عن كاهل المواطنين الأكثر تعرضًا للآثار الجانبية لمثل تلك الإصلاحات.

عام الحرب

كان لعام 2022 خصوصية شديدة بالنسبة للاقتصاد المصري، خاصة بداية من الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير، حيث كان لتلك الحرب أثر كبير على خروج استثمارات الحافظة الأجنبية بمصر والتي تقدر بحوالي 20 مليار دولار أمريكي. وسمحت تشوهات إدارة منظومة سعر الصرف في مصر والتي كان تتم إدارتها من خلال تثبيت سعر الصرف بخروج كل تلك الأموال من الاقتصاد بسعر غير عادل، وهو ما كان له تأثير كبير على الاقتصاد المصري.

ومنذ ذلك الحين، بدأت مصر إدارة هذا العام باتجاهين: أولهما هو التواصل مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق جديد يمكن لمصر بموجبه الحصول على تمويلات بحوالي 17 مليار دولار مقسمة إلى: ثلاثة من صندوق النقد الدولي، و14 مليار من مؤسسات استثمارية أخرى اشترطت أن تصل مصر إلى اتفاق مع الصندوق قبل ضخ تلك الأموال بالاقتصاد المصري، وكان طريق تلك المفاوضات طويلًا وشاقًا. 

وفي الوقت الذي تسعى فيه مصر إلى تأمين توافر احتياجات البلاد من السلع الأساسية وتواجه ضغوطًا كبيرة على ميزان معاملاتها الخارجي (حركة التجارة وتدفق الاستثمارات الأجنبية بالبلاد)، كان الاتجاه الثاني للبلاد هو تأمين احتياجات المواطنين من السلع الأساسية، ومحاولة احتواء التغير في الأسعار المترتب على زيادة حجم معاملات السوق السوداء.

بدأت الإدارة المصرية لذلك في التأكد من توافر السلع الغذائية الأساسية التي يحتاجها المواطن في جميع المنافذ التجارية، وذلك من خلال أجهزة الدولة المختلفة (وزارة التموين، وزارة الداخلية، وزارة الدفاع) التي انطلقت سياراتها المجمدة بجميع أنحاء مصر لتوفير تلك السلع في منافذ البيع بأسعار أقل بنسب تقترب من 20 %- 30% من الأسعار السوقية لها، واتخذت إجراءات أخرى لإدارة عمليات التسعير في البلاد والتي تشمل اللجنة العليا لمراقبة الأسعار والتي تتألف من وزارة التموين واتحاد الصناعات والغرف التجارية وجهاز حماية المستهلك والتي تستهدف وضع سعر عادل للسلع الأساسية بالبلاد والتي تم تحديدها بحوالي 10 – 15 سلعة، بالإضافة إلى تكثيف حملات وزارة التموين لمواجهة حالات الاحتكار من بعض التجار التي كانت تحتكر السلع بهدف زيادة أسعارها وبيعها بسعر أعلى لتحقيق أرباح تجارية.

من جانب آخر ولأن القطاع الزراعي المصري هو قطاع أمن استراتيجي بالبلاد تعول عليه الدولة للمرور من تلك الأزمة بسلام، فقد اتخذ مجلس الوزراء قرارات تتسق مع توجيهات الرئيس بتوفير دعم إضافي للقطاع الزراعي المصري، والذي يأتي على رأسه الفلاح من خلال زيادة سعر إردب القمح بمبلغ 250 جنيهًا إضافيًا ليصل إلى سعر 1250 جنيهًا للأردب بدلًا من السعر السابق تحديده والذي يبلغ 1000 جم للإردب، مع استمرار التزام الدولة بتعهداتها بصرف السماد المدعم للفلاح، والذي يأتي في ظل دعم الدولة لقطاع الزراعة بمصر والفلاح المصري.

فتستهدف الدولة دعم المحاصيل الاستراتيجية والتي تتمثل في: الذرة، وفول الصويا، وعباد الشمس إضافة إلى القمح، هذا بالإضافة إلى تطبيق نظام الزراعة التعاقدية والذي بموجبه يتفق الفلاح على سعر مقدم على الإنتاج من المحصول بموجب عقد بينه وبين الحكومة، وتلتزم الحكومة بالشراء بذلك السعر بصرف النظر عن التقلب في السعر السوقي للسلعة، أو الأسعار العالمية، وهو ما يضمن للفلاح إمكانية احتساب العوائد والتكاليف التي يتكبدها لإنتاج ذلك المحصول، وهو ما يعزز من قدرته على تحقيق ربح ومن ثم الاستمرار في زراعة ذلك المحصول.

أما عن القطاع الصناعي فقد تم إطلاق مبادرة للقطاعات الإنتاجية (الصناعة والزراعة) والتي تتمثل في إطلاق مبادرة تمويل بمبلغ 150 مليار جنيه لتلك القطاعات بسعر فائدة يبلغ 11% وهو سعر أقل من سعر الفائدة السوقي في الوقت الحالي بحوالي 5-7% على الأقل، ومن المتوقع أن تكلف تلك المبادرة الدولة حوالي 10 مليارات جنيه (فرق سعر الفائدة).

ويُنظر إلى تلك المبادرة على أنها مهمة للغاية، خاصة وأن مصر في إطار اتفاقها مع صندوق النقد الدولي ألغت المبادرات السابقة التي كانت تُقدم للقطاعات الإنتاجية بالبلاد بسعر فائدة 8% والتي تمت بهدف تصحيح اختلالات السياسة النقدية والبنك المركزي، ونقل تبعيتها لجهات أخرى تقع أعباؤها ضمن الموازنة العامة للدولة. ولأنه في ظل أسعار الفائدة الحالية، لم يكن ممكنًا للقطاعات الإنتاجية للبلاد العمل والإنتاج، فقد كانت هناك ضرورة لمثل تلك المبادرة لمساعدة القطاع الزراعي والصناعي المصري على النهوض خلال الظروف الحالية التي تمر بها البلاد والتي تتمثل في ارتفاع أسعار الفائدة محليًا وعالميًا.

ولأن كل تلك الإجراءات السابقة تحتاج إلى عملية تسويقية جيدة لمناخ الاستثمار في مصر، فقد شهدت الهيئة العامة للاستثمار تغييرًا جوهريًا بتعيين رئيس جديد لها بخبرات طويلة في مجال الاستثمار؛ لتكون أحد أهم أدواره في الوقت الحالي هي البناء على الجهود التي قامت بها الدولة، وجذب مستثمرين دوليين إلى السوق المصرية، والتسويق لمناخ الاستثمار في مصر، ودراسة وعلاج أهم التحديات التي تواجه المستثمرين الراغبين في الدخول للسوق المصرية بهدف جذب استثمارات بحوالي 10 مليارات دولار سنويا، والتي تأتي في إطار وثيقة سياسة ملكية الدولة التي تشكل مستقبل مصر لخمس سنوات مستقبلية على الأقل. ومن الجدير بالذكر أن الآمال كلها منعقدة على دور صندوق مصر السيادي والهيئة العامة للاستثمار لنجاح الخطط التي تم الإعلان عنها بتلك الوثيقة.

ومن جانب آخر، أسهمت منظمات المجتمع المدني والتي يأتي على رأسها التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي ومؤسسة حياة كريمة في محاولة التخفيف عن المواطنين في المناطق المختلفة بمصر والأكثر فقرا من خلال توزيع المواد الغذائية بصورة منتظمة على تلك المناطق؛ بهدف تأمين احتياجاتهم من السلع الأساسية، ومحاولة تخفيف الآثار العالمية للحرب الروسية الأوكرانية وأسعار الغذاء المرتفعة عالميًا، وعدم نقل كل ذلك الارتفاع في التكاليف إلى المواطن. 

اتفاق تمويلي جديد

في الربع الثالث من عام 2022، أعلنت مصر عن توصلها إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بخصوص صرف تمويل جديد لمدة ثلاثة أعوام يبدأ من عام 2023 وينتهي في آخر عام 2026، يشمل ذلك البرنامج تقديم تمويلات لمصر من جانب الصندوق بحوالي 3 مليارات دولار، بالإضافة إلى توفير تمويل إضافي من مؤسسات دولية بقيمة 14 مليار دولار، بالإضافة إلى تمديد استحقاق ودائع خليجية مستحقة بالبنك المركزي المصري بقيمة 28 مليار دولار.

ويتضمن برنامج التمويل المتفق عليه مع الصندوق إصلاحات بملفات متعددة بالاقتصاد المصري والتي يتمثل أولها في تحسين إدارة منظومة الصرف الأجنبي بالبلاد من خلال تفعيل إدارة مرنة لسعر الصرف، تضمن الحفاظ على موارد البلاد من النقد الأجنبي خاصة في مثل تلك الأزمات العالمية التي تشهد تذبذبًا كبيرًا في الأسواق عالميًا، بالإضافة إلى إكساب الميزان الخارجي المصري المرونة اللازمة لتعزيز قيمة الصادرات المصرية وتعزيز قدرة تنافسية المنتج المصري أمام المنتجات بأسواق التصدير، وخفض فاتورة الاستيراد لمنح المنتج المحلي فرصة في الحصول على تسعير أفضل محليًا. ومن الجدير بالذكر البيانات الأولية للصادرات المصرية، فقد حققت الدولة ارتفاعًا تاريخيًا في قيم صادراتها بوصول حصيلة الصادرات إلى 53.4 مليار دولار أمريكي، مرتفعة بنسبة 20% عن بيانات العام الماضي، أما عن الواردات غير البترولية فقد ظلت عند مستوى العام الماضي بحوالي 80 مليار دولار.

سمح الإجراء السابق للدولة المصرية بتوفير نقد أجنبي للإفراج عن بضائع بالموانئ المصرية بقيمة 4.8 مليار دولار في الفترة من 14 إلى 17 يناير 2023، وهي في طريقها الآن إلى الأسواق المصرية، وهو ما يمهد لحل أزمة البضائع بالموانئ وتراجع أسعارها بالسوق؛ فقد كان نقص المعروض أحد أسباب الارتفاعات المستمرة في الأسعار. 

وحيث إن الهدف من تلك المنظومة الجديدة للإدارة المرنة لسعر الصرف هي الاستدامة، فقط أطلق البنك المركزي آلية جديدة بالسوق تسمي بعقود سوق الصرف الآجل للدولار، وفقًا لتلك الآلية يتم إبرام عقد بين الطرف المشتري للنقد الأجنبي والطرف البائع للنقد الأجنبي ويدخل البنك كوسيط، وبموجب تلك الآلية يضمن المشتري تحديد سعر مستقبلي لقيمة العملة الأجنبية في الوقت الحالي بالاتفاق مع إمكانية الحصول عليها في المستقبل وقت استلام البضائع، الأمر الذي سيسهم في إكساب سوق المعاملات التجارية بمصر المرونة الكافية لتسعير المنتجات بشكل صحيح بما يتوافق مع تكاليف إنتاجها؛ إذ إن سعر الصرف هو أحد المكونات الأساسية التي تؤثر على تكاليف الإنتاج بالسوق، لأن جزءًا كبيرًا من مستلزمات الإنتاج يتم استيراده من الخارج، وبذلك تكون مصر قد وضعت نهاية لأزمة سوق نقد الصرف الأجنبي بها، الأمر الذي يسهم في حل العديد من الأزمات المتتالية لها، والتي يأتي على رأسها تسهيل العملية التجارية والاستيراد والتصدير.

المنحى المستقبلي

لدينا ثلاث سنوات تقريبًا (اتفاق مصر مع صندوق النقد الدولي) نعلم تمامًا ما ستفعله الدولة المصرية خلالها، والتي يأتي على رأسها تطبيق نظام الصرف المرن بشكل كامل وعدم العودة إلى نظام الصرف المدار أو نظام الصرف الثابت، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعالج الاختلالات النقدية وميزان مصر الخارجي بشكل كبير. 

من جانب آخر، فإن استراتيجية الدولة ستعمل على دعم القطاعات الإنتاجية بالبلاد من خلال توفير مبادرات تمويلية بأسعار مدعمة وتوفير المناخ اللازم لتحسين بيئة المنافسة في مصر، خاصة في ظل إطلاق وثيقة سياسة ملكية الدولة والتي رسمت ملامح واضحة للخطوات التي ستتطلبها الدولة في رحلتها تجاه خفض نصيب القطاع العام من الاقتصاد وإفساح المجال بشكل أكبر للقطاع الخاص، والتي تشمل عدم منح أي تمييز لشركات القطاع العام، وتعزيز المنافسة للمشتريات الحكومية، وإلغاء إيه إعفاءات ضريبية أو أي امتيازات تحصل عليها شركات القطاع العام كانت تعيق القطاع الخاص عن النمو، وتوفير معلومات عن الاقتصاد المصري بشكل دوري ورسمي من خلال القنوات الرسمية باللغتين العربية والأجنبية.

وهي الأمور التي نقيمها بأنها خطوة صحيحة في مسار نمو الاقتصاد المصري، ومن المتوقع أن تسهم كل تلك الإجراءات في تحسين إنتاجية البلاد، وتزيد من الفائض الأولي للموازنة العامة للدولة ليصل إلى حوالي 2% في عام 2026، وتحسين مستوى الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ليكون عند مستوى 79%، وتحقيق الاقتصاد المصري لمستهدف 100 مليار دولار صادرات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى