الاقتصاد المصري

مبادرة دعم القطاعات الإنتاجية.. الدافع والمأمول

يعد قطاع الصناعة من أهم القطاعات في الاقتصاد المصري؛ نظرًا إلى قدرته على دفع عجلة الإنتاج وزيادة معدل النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى أنه من القطاعات الأساسية التي توفر فرص عمل وتسهم في علاج مشكلة البطالة، بالإضافة الى قدرته على تنويع مصادر الدخل وزيادة الناتج المحلى الإجمالي. ويؤدي نمو قطاع الصناعة إلى زيادة مستوى الإنتاجية؛ لأن قطاع الصناعة من أكثر القطاعات قدرة على تطبيق استخدام التقنية والتكنولوجيا الحديثة، وهذا يسهم في رفع الإنتاجية. ويسهم قطاع الصناعة كذلك في توفير موارد النقد الأجنبي وعلاج مشاكل عجز ميزان المدفوعات.

ومن هذا المنطلق، جاءت مبادرة الحكومة الأخيرة لدعم القطاعات الإنتاجية عبر خفض أسعار الفائدة على القروض المقدمة لهذه القطاعات؛ لمساعدتها في مواجهة تلك التداعيات السلبية للحرب الروسية الأوكرانية؛ عبر تقديم تمويل للشركات المنضمة للمبادرة بواقع سعر فائدة منخفض يبلغ 11%، على أن تتحمل الدولة الفرق في سعر الفائدة. بحيث تكون القيمة الإجمالية للمبادرة المقترحة، ولمدة خمس سنوات، نحو 150 مليار جنيه، منها نحو 140 مليار جنيه تمويل عمليات رأس المال العامل، بالإضافة إلى نحو 10 مليارات جنيه لتمويل شراء السلع الرأسمالية. وتأتي تلك المبادرة في ظل ما يقوم به القطاع المالي من إجراءات التشديد المالي كإجراءات لاستهداف التضخم ومحاولة ضبط الأسعار المحلية.

وجدير بالإشارة أن هناك فجوة تمويلية يعاني منها الاقتصاد المصري لتمويل الاستثمارات تقدر بنحو 1.2 تريليون جنيه وذلك بهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي لنحو (7- 9) %، الأمر الذي يتطلب رفع معدلات الاستثمار لنحو (25- 30)% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يصعب تحقيقه في ظل انخفاض معدلات الادخار المحلي الحالية والتي لا تتجاوز (7%) من الناتج المحلي الإجمالي. وهو ما يشير له الشكل التالي.

شكل: تطور معدلات الادخار والاستثمار (2010/ 2011- 2021/ 2022)

ومن الجدير الإشارة إلى تقرير مؤسسة أكسفورد الصادر بعنوان “كيف تعزز مصر استثمارات القطاع الخاص في البنية التحتية – 2020” والذي أوضح أن البنية التحتية في مصر سوف تتطلب استثمارات بقيمة 675.4 مليار دولار أمريكي خلال الفترة 2016 – 2040؛ وأن الحكومة المصرية ستكون قادرة على توفير ما يصل إلى 445 مليار دولار أمريكي. بذلك، تظل هناك فجوة تمويلية كبيرة، وتتطلب البنية التحتية للنقل والمياه استثمارات بقيمة 180 و45 مليار دولار أمريكي على التوالي.

ومن هذا المنطلق، ضاعفت الحكومة المصرية من استثماراتها لتصل  إلى 61.7% خلال عام 2019/2020، مقابل 44.3% خلال عام 2014/2015؛ وذلك بهدف دعم النشاط الاقتصادي خصوصًا في ظل انخفاض النمو الاقتصادي من 5.1% في عام 2009/2010، إلى 1.8% في عام 2010/2011. 

وبدأت الدولة في منتصف 2021 المرحلة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادي، والتي تعتمد على إجراء إصلاحات هيكلية؛ لدعم النمو الاحتوائي المستدام. وينطوي “الإصلاح الهيكلي” على تنفيذ تعديلات هيكلية عميقة ومُلحة في منهج الإدارة الحكومية والسياسات العامة التي تتبناها وأدواتها وصولًا إلى تعديل البنية الهيكلية للاقتصاد الوطني، حتى يقوده القطاع الخاص غير الهيدروكربوني، ويُصبح قادرًا على الاستمرار ذاتيًا؛ دون الاعتماد على الإنفاق الحكومي.

وبناء عليه، ارتفعت قيمة استثمارات القطاع الخاص المنفذة خلال الفترة (2014/2015 – 2019/2020) لتصل إلى نحو (1650 مليار جنيه) بما يمثل نحو (45%) في إجمالي الاستثمارات المنفذة. مقارنة بالفترة (2010/2011 – 2013/2014) حيث بلغت قيمة استثمارات القطاع الخاص (596 مليار جنيه) تمثل نحو (61%) من إجمالي الاستثمارات المنفذة.

ويمثل القطاع الخاص شريكًا أساسيًا في القاعدة الصناعية الحالية ، وتتراوح مشاركته في الأنشطة الصناعية بين (74%-100%)؛  وهو ما يشير له الشكل التالي. وتسعى الدولة إلى مزيد من استهدافه بإجراءات ومبادرات تدعمه وتذلل العقبات التي تواجهه. وهو ما يأتي في قلب المبادرة الحالية لتوفير التمويل بأسعار منخفضة لجعله أكثر على المنافسة وتشجع استمراره.

شكل: التوزيع القطاعي للاستثمارات العامة والخاصة خلال الفترة ( 2014/2015 – 2019 /2020).. المصدر: وزارة التخطيط

وفي هذا الإطار، تحاول الدولة جاهدة تقليل أثر المزاحمة المالية، وأن تكون الاستثمارات الحكومية محابية للاستثمار الخاص. وتحدث المزاحمة المالية ذلك عندما تُقرر الحكومة تمويل زيادة الإنفاق العام من خلال زيادة الاقتراض من القطاع المصرفي؛ وذلك بطرح أذون وسندات خزانة؛ وذلك لأن أدوات الدين الحكومية تتمتع بمعدل عائد مرتفع وخطورة شبه منعدمة، فتتجه البنوك إلى زيادة الاستثمار في هذه الأدوات، وبما يؤدي إلى مزاحمة الاستثمار والاستهلاك الخاص عن طريق خفض حجم الائتمان المتاح لهما، مع رفع معدل الفائدة المطلوب. وهو ما تم خلال الفترات السابقة  حيث اتخذ الائتمان المحلي المقدم للقطاع الخاص كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي اتجاهًا تنازليًا ليصل إلى 24.0% في عام 2019.

شكل: الائتمان المحلي للقطاع الخاص كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (%)

وختاما؛ مما سبق سيتضح لنا أهمية تلك الخطوة المتمثلة في طرح مبادرات تمويل منخفضة الفائدة للقطاعات الإنتاجية في دعم مسيرة التنمية وتحفيز القطاع الخاص لأداء دوره التنموي بفاعلية والتغلب على المصاعب الحالية في السوق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى