الاقتصاد المصري

قراءة في تقرير الصندوق النقد الدولي بشأن الاقتصاد المصري

وافق المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي في السادس عشر من ديسمبر 2022 على عقد اتفاق مدته 46 شهرًا مع مصر في إطار “تسهيل الصندوق الممدد” بقيمة 3 مليارات دولار. ويمثل البرنامج الذي يدعمه الصندوق في مصر حزمة شاملة من السياسات الهادفة إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، واستعادة الاحتياطيات الوقائية، وتمهيد الطريق نحو تحقيق نمو شامل بقيادة القطاع الخاص. وتتضمن حزمة السياسات التحول الدائم إلى نظام سعر الصرف المرن، وسياسة نقدية تهدف إلى تخفيض التضخم تدريجيًا، والضبط المالي لضمان تراجع مسار الدين العام، مع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة، وإصلاحات هيكلية واسعة النطاق؛ لتقليص بصمة الدولة وتعزيز الحوكمة والشفافية.

ويطمح البرنامج الاقتصادي للسلطات المدعوم باتفاق “تسهيل الصندوق الممدد” إلى تنفيذ حزمة شاملة من السياسات الهادفة إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي، واستعادة الاحتياطيات الوقائية، وتمهيد الطريق نحو تحقيق نمو مستدام وشامل بقيادة القطاع الخاص.

وتتضمن حزمة السياسات الآتي؛ التحول الدائم إلى نظام سعر الصرف المرن؛ لتعزيز الصلابة في مواجهة الصدمات الخارجية وإعادة بناء الاحتياطيات الوقائية الخارجية، وتنفيذ سياسة نقدية تهدف إلى تخفيض معدلات التضخم تدريجيًا تماشيًا مع أهداف البنك المركزي، إلى جانب تعزيز آلية انتقال آثار السياسة النقدية، بما في ذلك من خلال إلغاء دعم برامج الإقراض، والضبط المالي وإدارة الدين لضمان تراجع نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي واحتواء إجمالي الاحتياجات التمويلية، مع زيادة الإنفاق الاجتماعي وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لحماية الفئات الضعيفة، وإدارة المشروعات الاستثمارية الوطنية؛ بما يحقق استدامة المركز الخارجي والاستقرار الاقتصادي، وتطبيق إصلاحات هيكلية واسعة النطاق؛ لتقليص بصمة الدولة، وضمان المنافسة العادلة بين جميع الكيانات الاقتصادية، وتسهيل تحقيق النمو بقيادة القطاع الخاص، وتعزيز الحوكمة والشفافية في القطاع العام.

مخاطر متزايدة 

في ظل الظروف الاقتصادية القاسية، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن قدرة مصر على سداد التزاماتها تجاه الصندوق كافية، إلا أنها قد تنطوي على بعض المخاطر؛ إذ لا يزال يتعين إثبات استمرارية التحول إلى سعر صرف مرن، وقد يواجه البنك المركزي المصري ضغوطًا سياسية واجتماعية لعكس مساره. وبالمثل، قد يواجه ضبط أوضاع المالية العامة في سياق ارتفاع تكاليف المعيشة معوقات سياسية واجتماعية، وستستغرق الإصلاحات الهيكلية المقترحة وقتًا لتنفيذها وتحقيق النتائج المرجوة منها، بينما قد تواجه الإصلاحات الهادفة إلى تقليص دور الدولة مقاومة من المصالح الراسخة في البلاد، وكذلك تلقي المخاطر العالمية بظلالها على آفاق انتعاش مصر السريع، ووتيرة إعادة بناء الاحتياطيات، والسرعة التي يمكن بها التخلص من الاختلالات.

وترتكز المخاطر العالمية في تداعيات الحرب الأوكرانية التي لم تسهم فقط في زيادة أسعار السلع الأساسية، بل أسهمت أيضًا في الكشف عن مواطن الضعف الموجودة مسبقًا في الاقتصاد المصري، مما دفع السلطات إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات السياسية للتخفيف من حدة التداعيات من أهمها رفع سعر الفائدة وخفض قيمة العملة.

وفي هذا السياق، توجد العديد من الإشارات التي تدل على أن سعر الصرف لا يزال غير متوازن، مع اتجاه هبوطي للعملة واستمرار انخفاض الاحتياطيات الدولية؛ إذ أدى الاختلال المستمر في أسعار الصرف وزيادة عدم اليقين بشأن سياسة سعر الصرف في البنك المركزي المصري إلى هروب المستثمرين، فيما أدى التأخير في معالجة خطابات الاعتماد إلى تراكم طلبات الاعتماد المستندي، مما أسفر عن ضغط الواردات والمساهمة في نقص المنتجات، ولهذا ارتفع معدل التضخم في مصر بصورة مستمرة حتى بلغ 21.9% في ديسمبر، وقد تم إيعاز التضخم الحادث في بداية العام الماضي إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية فقط إلا أنه أصبحت العوامل الدافعة للتضخم أوسع من المواد الغذائية خلال السنة المالية 2022/2023.

آفاق ضبابية

أشار صندوق النقد إلى أن ضبابية الآفاق متوسطة الأجل ستظل محكومة بتنفيذ برنامج إصلاحي قوي وإحراز تقدم ملموس في الإصلاحات الهيكلية مع ضمان استقرار الاقتصاد الكلي، والتحرك الدائم نحو سعر صرف مرن، وتحسين القدرة التنافسية وبيئة الأعمال مما قد يعزز الاستثمار الخاص والصادرات، ويطلق العنان لإمكانات النمو غير المستغلة.

وتخضع الآفاق المستقبلية إلى قدر كبير من عدم اليقين حيث تميل المخاطر إلى الجانب السلبي. وتشمل المخاطر الرئيسة على المدى القريب حدوث اختلال أكبر في سعر الصرف، واستمرار الضغوط التضخمية المطولة التي يمكن أن تؤثر على الأوضاع الاجتماعية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف التمويل مع زيادة تقصير آجال استحقاق الديون المحلية ومحدودية الوصول إلى الأسواق الخارجية. أما على المدى المتوسط، فتشمل مخاطر القدرة على تحمل الديون انخفاض النمو وتشديد شروط التمويل المحلي والخارجي. 

وقد تؤدي ظروف السوق الخارجية الصعبة أيضًا إلى انخفاض تراكم الاحتياطيات النقدية. وإلى جانب ذلك، لم تختفِ مخاطر انتشار جائحة كورونا في ظل تراجع معدلات التطعيم في مصر مما يترك المواطنين عرضة لموجات جديدة من العدوى. ويتم تقييم ديون مصر على أنها مستدامة ولكن ليس باحتمالية عالية، بجانب أن المخاطر الإجمالية للضغط السيادي مرتفعة، حيث يشغل عبء الفائدة حيزًا كبيرًا من الميزانية المصرية. بالإضافة إلى ذلك، يشكل استمرار دعم الوقود كما هو عليه ضغطًا إضافيًا على الموازنة العامة للدولة، ويفيد الأثرياء بشكل غير متناسب، ولذلك فالحد منه لا يسمح فقط بإعادة توجيه المدخرات نحو البرامج التي تستهدف الفئات الضعيفة، بل يشجع أيضًا على الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون.

وفي ضوء كافة الضغوط سالفة الذكر، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري خلال العام المالي الجاري؛ متوقعًا أن يسجل نمو بنسبة 4%، مرتفعًا عقب ذلك إلى 5.3% و5.7% خلال عامي 2023/2024، و2024/2025 على الترتيب. فيما توقع الصندوق ارتفاع معدل التضخم إلى 14.8% خلال العام المالي الجاري منخفضًا عقب ذلك إلى 8.7% و7% خلال عامي 2023/2024، و2024/2025 على التوالي. 

سياسات الإصلاح الهيكلي

من المقرر أن تركز السياسات الهيكلية على تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وتحقيق المساواة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز مناخ الأعمال العام لدعم استثمارات وصادرات أكبر للقطاع الخاص.

ستمهد سياسة ملكية الدولة التي أقرها الرئيس عبد الفتاح السيسي الطريق لإصلاح الشركات المملوكة للدولة وحشد الاستثمار الخاص؛ إذ إنها تغطي جميع الشركات المملوكة للدولة، بما في ذلك شركات القطاع العام، وشركات قطاع الأعمال العام، والشركات المملوكة للجيش. بموجب هذه السياسة، ستحدد السلطات القطاعات الاستراتيجية وتطور إطارًا للحكومة لتنسحب من خلاله تدريجيًا من القطاعات غير الاستراتيجية، مما يتيح مساحة للقطاع الخاص للنمو.

وستسهم السلطات في إحداث تكافؤ الفرص بين القطاعين العام والخاص من خلال إلغاء المعاملة التفضيلية للشركات المملوكة للدولة على شركات القطاع الخاص. على المدى القصير، ومن خلال نشر معلومات يسهل الوصول إليها في غضون 30 يومًا من نهاية كل شهر عن جميع عقود الشراء التي تتجاوز 20 مليون جنيه مصري في ذلك الشهر.

وكذلك يتطلب تعزيز التجارة وتحسين مناخ الأعمال إجراء تحسينات في الإجراءات الجمركية ومشاركة أكبر للمعلومات مع القطاع الخاص، وتقليل الوقت اللازم للإفراج عن الواردات في ميناء الإسكندرية من 16 يومًا في أغسطس 2021 إلى 12 يومًا في مارس 2023.  ويُمكن لمشاركة المعلومات الخاصة بالدعم الحكومي المقدم للمصدرين تحسين الوصول إلى المعلومات وتشجيع المزيد من الأنشطة التجارية. 

مجمل القول، إن الحرب في أوكرانيا أدت إلى تفاقم الضغوط الخارجية الموجودة مسبقًا في مصر والناجمة عن الافتقار إلى مرونة أسعار الصرف ومخاطر الدين العام العالية، حيث تجلت الضغوط في ارتفاع عجز الحساب الجاري، وهبوط الاحتياطي النقدي، واللجوء إلى استخدام خطابات الاعتماد لتقييد وتيرة طلبات الاستيراد. إلى جانب خروج تدفقات رأس المال في نهاية المطاف وما صاحب ذلك من استنزاف لاحتياطيات مصر من العملات الأجنبية وارتفاع تكاليف الاقتراض. وقد حدثت هذه التطورات في سياق بيئة عالمية أقل تكيفًا بكثير، مما جعل تعديلات السياسات أكثر تكلفة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى