الاقتصاد المصري

قرار ترشيد الإنفاق العام في الجهات الداخلة في الموازنة العامة.. المسببات والتأثيرات

مع بداية عام ٢٠٢٣، كان الجميع يأمل بعام أفضل مما سبقه، لكن مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية تستمر التداعيات السلبية التي تزيد يومًا بعد الآخر، و تحاول الحكومة التصدي لهذه التداعيات، والمرور إلى بر الأمان من هذه الفترة العصيبة فأعلنت عن ضوابط جديدة لترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة والهيئات العامة الاقتصادية في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي تعاني منها البلاد، فكيف يمكن لهذا القرار الحد من آثار الأزمة؟

نص القرار

تضمن القرار ترشيد الإنفاق العام بالجهات الداخلة في الموازنة العامة بالدولة و الهيئات العامة الاقتصادية، وتأجيل الصرف على أية احتياجات لا تحمل طابع الضرورة القصوى، وترشيد كافة أعمال السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى وبعد موافقة رئيس مجلس الوزراء. وفيما يتعلق بالتعامل بالنقد الأجنبي، يلزم الحصول على موافقة وزارة المالية بالترخيص بالصرف بالمكون الأجنبي على أي من أوجه الصرف، وذلك بعد التنسيق مع البنك المركزي والجهات المعنية وذات الاختصاص في هذا الشأن. هذا بالإضافة إلى تأجيل تنفيذ أية مشروعات جديدة لم يتم البدء في تنفيذها، ويتم حظر الصرف علي المنح الدراسية.

تسري أحكام هذا القرار على كافة موازنات الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولة، مثل: الجهاز الإداري، والإدارة المحلية، والهيئات العامة الخدمية، بالإضافة إلى الهيئات العامة الاقتصادية اعتبارًا من تاريخ العمل بهذا القرار (أي اليوم التالي لتاريخ نشره في الجريدة الرسمية) وحتى نهاية العام المالي 2022 – 2023. 

وقد استثني القرار بعض الجهات من ذلك الترشيد؛ إذ لا تسري أحكام القرار على: وزارة الصحة والسكان والجهات التابعة لها والمستشفيات الجامعية، والجهات القائمة علي تدبير السلع التموينية، والجهات القائمة على تدبير المواد البترولية والغاز ومشتقاتها، ووزارتي الدفاع والداخلية والجهات التابعة لهما، وديوان عام وزارة الخارجية، والفوائد وأقساط سداد القروض المدرجة بموازنات الجهات.

تأثيرات القرار

جاء القرار في محاولة لتقليل الإنفاق العام الذي بلغ في الموازنـة العامـة للدولة للسنة الماليـة 2022/2023 نحو 3،066٫3 تريليونات جنيه، وتقسم هذه الاستخدامات إلى ثلاث مكونات أساسية: أولًا المصروفات المرتبطة بأداء النشاط المباشر لوحدات وأجهزة الجهات الداخلة في الموازنة العامة للدولـة مـن أجـور ومستلزمات وفوائد ودعم ومصروفات عامـة أخـرى بالإضافة إلى شراء الأصـول غير المالية “الاستثمارات”، وتقدر هذه المصروفات بمشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية /2022/2023 نحو 2.070.9 تريليون جنيه مقارنة بموازنة السنة المالية السابقة 2021/2022 والبالغة نحو 1.837.7 تريليون جنيه، ومن ثم فإن الزيادة في تقديرات الموازنة تبلغ نحو 233.2 مليار جنيه بمعدل زيادة قدره 127٪. 

أما ثانيًا فهو حيازة الأصول المالية، وتمثل المدفوعات من الخزانة العامة للهيئات الاقتصادية والشركات في شكل قروض ومساهمات لمعالجة الاختلالات التمويلية في تلك الجهات. وتقدر مدفوعات هذه الحيازة بنحو 30٫0 مليار جنيه في الموازنة العامة للدولة. وثالثًا سداد القروض؛ وتتمثل في أقساط وإهلاك القروض المحلية والأجنبية وفقًا لمواعيد الاستحقاق المحددة لها. وتقدر هـذه الأقساط بالموازنـة العامـة للدولة للسنة الجديدة بنحو 965.5 مليار جنيه.

وبالرغم من أنه من المتوقع ارتفاع الإيرادات في الموازنة العامة، لكن يظل التوقع بارتفاع العجز قائمًا؛ إذ إن الارتفاع المصاحب للإنفاق الحكومي أكبر من الإيرادات، كما هو موضح في الشكل التالي:

يأتي البعد الثاني من القرار وهو زيادة الاحتياطي الأجنبي للبلد؛ فمع بداية عام 2022، نشبت الحرب في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا، مما أدى إلى زيادة أسعار السلع الغذائية العالمية و زيادة أسعار الطاقة العالمية، ولأن مصر واحدة من أكبر الدول المستوردة علي مستوى العالم، وهذين البلدين كانا المصدر الرئيس لإمدادات مصر من القمح؛ زادت قيمة إجمالي الواردات المصرية بشكل كبير خلال عام ٢٠٢٢، فارتفعت الواردات في مصر إلى 7346 مليون دولار في أكتوبر من 6545 مليون دولار في سبتمبر 2022 مما زاد الضغط علي الاحتياج إلى المزيد من الدولارات.

يضاف إلى ذلك أن روسيا وأوكرانيا كانتا من أكبر المصدرين للسياحة إلى مصر ومن ثم فُقد تدفق دولاري كبير بنشوب الحرب، بالإضافة إلى فقد مستثمري “الأموال الساخنة” المقومة بالدولار الأمريكي، مما أدى إلى هروب رأس المال بقيمة 25 مليار دولار من التدفقات الخارجة من مصر في فبراير 2022، في بداية الحرب في أوكرانيا. وبسبب كل هذه الأحداث استمر الاحتياطي الأجنبي في الانخفاض خلال عام ٢٠٢٢، كما هو موضح في الشكل التالي:

مجمل القول، إن الحرب الروسية الأوكرانية تسببت في نشوب أزمة الدولار في مصر بسبب زيادة الأسعار العالمية التي جعلت مصر تحتاج الكثير من الدولارات لسد احتياجات المواطنين من سلع وخدمات، واستمرت الدولة المصرية خلال عام ٢٠٢٢ في أخذ بعض القرارات محاولة جذب الاستثمارات الأجنبية وجذب الأموال الساخنة، لكن كل يوم تستمر فيه الحرب الروسية الأوكرانية يزداد الأمر سوءًا، مما جعل الحكومة المصرية تعلن قرار ترشيد الإنفاق من مصروفاتها؛ للحفاظ على الاقتصاد واستخدام الدولار في المصادر الأكثر احتياجًا له.

محمد صبرى

باحث ببرنامج السياسات العامة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى