مكافحة الإرهاب

ما هي دلالات تعيين جبهة إسطنبول لمجلس استشاري للإخوان؟

أعلن القيادي الإخواني محمود حسين زعيم جبهة إسطنبول والذي نصب نفسه منذ أسابيع كقائم بأعمال المرشد العام للجماعة، عن تدشين “هيئة استشارية” لتنظيم الإخوان، في خطوة تُعتبر رمزية إلى حد كبير، لكنها تعبر عن استمرار مساعي الجبهة الإخوانية في إسطنبول لتكريس واقع جديد في الجماعة، يقوم على فرض سيطرتها على مفاصل التنظيم، وتهميش جبهة لندن والاتجاهات المناوئة لجبهة “حسين”، وقد طرحت هذه الخطوة العديد من التساؤلات التي تحاول الوقوف على دلالاتها الرئيسة، ومدى تأثيرها على الأزمة الراهنة التي يشهدها تنظيم الإخوان المسلمين.

سعي لتكريس الهيمنة

في خطاب متلفز، أعلن محمود حسين عن تكوين هيئة استشارية جديدة لتنظيم الإخوان المسلمين، مشددًا على أن “هذه الهيئة ليست بديلًا عن مكتب الإرشاد في إسطنبول”، وقد حملت هذه الخطوة العديد من الدلالات المهمة، وذلك على النحو التالي:

1- زعم محمود حسين في الخطاب المتلفز الذي أعلن فيه عن تأسيس الهيئة الجديدة، أن “جماعة الإخوان متماسكة ومنضبطة وتؤيده، ولا وجود للانشقاقات داخلها”، وهو حديث لا يتجاوز كونه خطاب دعائي يستهدف الترويج لفرضية ينفيها واقع الجماعة الحالي، وهو الواقع الذي يغلب عليه الانقسام والتفكك الذي يهدد بقاء الإخوان كتنظيم، إذ تنقسم الجماعة إلى ثلاث جبهات متناحرة، جبهة لندن وجبهة إسطنبول وجبهة “الكماليون”، ولكل جبهة هياكلها المؤسسية المعبرة عنها، وتتصارع فيما بينها وتُخون كل منها الأخرى.

2- سعى محمود حسين وفي إطار الصراع المحتدم على قيادة جماعة الإخوان مع جبهة لندن، إلى فرض واقع جديد داخل الجماعة، عبر التأكيد في الخطاب الذي نصب فيه نفسه قائمًا بأعمال المرشد، على أنه “يسعى إلى استكمال بناء الهياكل المؤسسية والقيادية الخاصة بالجماعة”، وفي إطار هذا التوجه أكد “حسين” على أن جبهة إسطنبول هي المعبرة عن جماعة الإخوان، وأن موقع “إخوان أونلاين” هو المنصة الإعلامية الرسمية الناطقة باسم التنظيم، وراح “حسين” يؤسس لواقع جديد عبر تدشين هياكل مؤسسية تُخدم على هذا الهدف، وهي الهياكل التي بدأت باللجنة القائمة بأعمال المرشد والتي ترأسها القيادي الإخواني مصطفى طلبة، مرورًا بتنصيب نفسه كقائم بأعمال المرشد في 2022، وصولًا إلى تدشين ما وصفه بـ “الهيئة الاستشارية” للإخوان، والتي لم يُعلن عن أعضائها أو طبيعة أدوارها، ومن المحتمل في هذا السياق أن تسعى جبهة إسطنبول في الأيام المقبلة إلى تسمية أمين للتنظيم الدولي للإخوان، كجزء من مساعيها السيطرة على مفاصل الجماعة.

3- أحد الدلالات المهمة التي يمكن في ضوئها فهم خطوة تأسيس المجلس الاستشاري للإخوان، ترتبط بسعي محمود حسين لتكريس شرعيته كقائم بأعمال المرشد وقائد حالي للإخوان، عبر إنشاء هياكل مؤسسية داعمة له، والظهور بمظهر المبادر للم شمل الجماعة، وإعادة بناء هياكلها الإدارية والقيادية، بما يكرس للصورة الذهنية بأنه قائد التنظيم الحالي والآخذ بزمام المبادرة فيه.

4- تتزامن التحركات المكثفة لجبهة إسطنبول للسيطرة على مفاصل التنظيم، مع حالة من “السكون” و”الخفوت” لجبهة لندن، ويبدو أن جبهة إسطنبول تسعى إلى استغلال حالة الارتباك التي تطغى على جبهة لندن في مرحلة ما بعد وفاة إبراهيم منير، وغياب أسماء كاريزمية بارزة تستطيع القيام بالأدوار التي كان يؤديها إبراهيم منير، وهي اعتبارات تمثل فرصة بالنسبة لجبهة إسطنبول تسعى لاستغلالها، فمنذ وفاة إبراهيم منير اكتفت جبهة لندن بالإعلان في 4 نوفمبر 2022، بتسمية محي الدين الزايط كمُسير لشؤون الجماعة خلفًا لإبراهيم منير، لحين إرساء هيكل مؤسسي جديد خاص بالجبهة.

5- أشار “حسين” في خطابه الذي أعلن فيه عن تأسيس المجلس الاستشاري الجديد للجماعة، إلى أن قواعد التنظيم في الداخل المصري مؤيدة لجبهة إسطنبول، مشيرًا إلى أن “قائد هذه القواعد هو أحد الشخصيات المؤيدة لجبهة إسطنبول”، ويبدو أن هذه الرسائل من محمود حسين، تحمل تأكيدًا على ما ذهبت إليه بعض التقديرات من أن جبهة المكتب العام أو قواعد الإخوان في الداخل المصري، سوف تكون أحد الأدوات الرئيسة التي تسعى جبهتي لندن وإسطنبول، إلى توظيفها في إطار الصراع المحتدم على قيادة الجماعة، وقد سعت جبهة “حسين” إلى ممارسة كافة أشكال الضغط على هذه القواعد من أجل دعم موقف جبهة إسطنبول، حتى أن بعض التقارير تحدثت عن أن الجبهة منعت بعض المساعدات المالية التي كانت تُقدم لبعض الأسر الإخوانية المؤيدة لجبهة لندن.

وقد حرص “حسين” في خطابه الذي نصب فيه نفسه قائمًا بأعمال مرشد الإخوان، على دغدغة مشاعر إخوان الداخل المصري، عبر القول بأن الإطار المؤسسي الجديد الذي سيؤسس له داخل الجماعة سيقوم بشكل رئيس على “جيل المئوية الجديدة” وفق تعبيره؛ في محاولة لفتح صفحة جديدة مع هذه القواعد، وترميم واحتواء الخلافات وحالة التأزم التي طغت على علاقته جبهته بهم.

6- كخطاباته السابقة لوحظ أن “حسين” لم يتطرق في خطابه بشكل مباشر إلى جبهة لندن ولم يتحدث عنها، واكتفى بمجرد الإشارة إلى أنهم “عناصر قليلة”، في محاولة رمزية لتهميش هذه الجبهة، وإظهارها على أنها لا تمثل موضع أزمة بالنسبة له.

محددات حاكمة

على الرغم من كثافة ونوعية تحركات جبهة إسطنبول، على مستوى السعي لتكريس الهيمنة على مفاصل تنظيم الإخوان المسلمين، إلا أنه من المبكر الحديث عن حسم الجبهة للمعركة الراهنة مع جبهة لندن، وذلك في ضوء حالة “الغموض” التي تطغى على ردود فعل جبهة لندن إزاء هذه التحركات حتى اللحظة الراهنة، والتأكيد على أن الجبهة تُجري مباحثات للخروج برؤية لمستقبل التنظيم في المرحلة المقبلة، وفي هذا السياق يبدو أن مستقبل الأزمة بين الجبهات المتصارعة، سوف يكون محكومًا ببعض المحددات الرئيسة، ومنها:

1- الصراع الراهن بين جبهتي لندن وإسطنبول، وصل إلى مرحلة كونه “صراع وجود” بين جبهتين يتساوى الوزن النسبي لهما تقريبًا، بمعنى أن مآلات الصراع داخل الجماعة سوف تكون مرهونة بتراجع أحد الجبهتين خطوة إلى الوراء، وتمرير هذا التراجع على أنه “يأتي في إطار الحرص على المصلحة العامة للتنظيم، والخوف من تفككه”، وهو سيناريو مستبعد في ضوء تشبث الجبهات المتصارعة بمواقفها، والسعي للاستئثار بالمناصب والثروات داخل الخاصة بالجماعة.

2- سوف يكون موقف جبهة “الكماليين”، وكذا جبهة “المكتب العام” أو إخوان الداخل بما في ذلك قادة الإخوان الموجودين في السجون المصرية، أحد المحددات الرئيسة الحاكمة لمسار أزمة الإخوان في الفترات المقبلة، على اعتبار أن هذا الموقف سيزيد من الوزن النسبي لأي من الجبهتين بشكل كبير.

3- قد تدفع حالة “التباطؤ” والارتباك التي تُسيطر على تحركات جبهة لندن في الفترات الأخيرة، باتجاه سيطرة جبهة إسطنبول على مفاصل الجماعة، إذ أن هذا التباطؤ يُوفر الوقت اللازم لجبهة محمود حسين لإعادة بناء الهياكل المؤسسية للجماعة، وتشكيل هياكل جديدة داعمة لمواقفها، والترويج لسردية أن “حسين” هو الأحق بمنصب القائم بأعمال المرشد، على اعتبار أنه عضو مكتب الإرشاد الوحيد حاليًا في إخوان الخارج، فضلًا عن أن هذه الحالة تنعكس بشكل سلبي على قواعد وهياكل جبهة لندن، إذ أنها تكرس لصورة ذهنية مفادها أن الجبهة غير قادرة على مواجهة تحركات جبهة إسطنبول، ويبدو أن جبهة لندن أدركت هذا الاعتبار، وراحت تُجري مباحثات تصاعد معها الحديث عن التوجه نحو تعيين أحد القياديين: صلاح عبد الحق، أو محمد البحيري، كخليفة لإبراهيم منير.

وفي الختام، يمكن القول إن الأزمة الراهنة التي يعيشها تنظيم الإخوان تمثل “معركة صفرية” يسعى فيها كل طرف من أطراف الأزمة، إلى الاستئثار بأكبر قدر ممكن من المكاسب، وهو نمط صراعات تنظيمية يُستبعد معه انتصار أحد الأطراف على المدى القريب والمتوسط، ما يعني أن الأزمة الراهنة سوف تستمر، وقد تُفضي لاحقًا إلى انشطار جماعة الإخوان إلى أكثر من تنظيم، بما يؤشر على اندثار الإخوان تنظيميًا مع استمرار وجود النموذج الأيديولوجي والفكري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى