العالم العربيآسيا

القمة العربية الصينية الأولى.. البحث عن تعزيز الشراكة

يتوجه الرئيس الصيني “شي جين بينج” في زيارة إلى المملكة العربية السعودية للمشاركة في ثلاث قمم متتالية؛ قمة سعودية صينية، وقمة خليجية صينية، وأخيرًا قمة عربية صينية. وتعد القمة الأخيرة هي القمة الأولى من نوعها ما بين الصين والدول العربية، والتي سيُجرى في إطارها بحث أفق تطور العلاقات الصينية – العربية، وتنسيق الآراء والمواقف إزاء القضايا العالمية والإقليمية المختلفة، ورسم مجالات وسبل التعاون الصيني العربي في المستقبل. 

يدفعنا هذا إلى رؤية أهم ركائز السياسة الصينية تجاه المنطقة والسياق الذي تُعقد فيه القمة العربية الصينية، بجانب محاولة استلهام المجالات التعاونية بين الجانبين لمعرفة ما تستهدفه القمة، والتوصل إلى ما إذا كانت الصين يمكنها من خلال ذلك أن تحل محل النفوذ الأمريكي في المنطقة وكيفية حدوث ذلك.

ركائز ومجالات التعاون العربي الصيني

رغم أن الصين تعد من الدول المتأخرة نسبيًا في التعامل مع المنطقة؛ نظرًا إلى ما تستحوذ عليه الولايات المتحدة من علاقات استراتيجية مع العديد من دولها، فإن وجودها يشهد تزايدًا في الآونة الأخيرة، في ظل عدد من العوامل أهمها الترجيحات بتراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة وتوجهه لصالح آسيا بشكل أكبر، بالإضافة إلى الرغبة الصينية في تعزيز مصالحها على الممرات البرية والبحرية لتأمين مبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت في عام 2013.

اتساقًا مع ذلك، يمكن القول إنه على مدار ما يزيد على الستين عامًا منذ بدء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والدول العربية، تعمقت علاقات التعاون والعمل الصيني العربي، فتمت إقامة علاقات شراكات استراتيجية شاملة مع: مصر، والسعودية، والإمارات، والجزائر، والمغرب؛ وعلاقات شراكة استراتيجية مع: قطر، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان، والأردن، وجزر القمر، وجيبوتي، والسودان، والعراق. هذا فضلًا عن إرساء آلية الحوار الاستراتيجي بين الصين ومجلس التعاون الخليجي.

فعلى صعيد التعاون الاقتصادي، تقدم الصين الدعم لدول المنطقة؛ لاستكشاف ما يتناسب مع خصوصيتها التنموية، وضمان المنفعة المتبادلة، وهو ما دفع الجانبين العربي والصيني إلى تعزيز وتيرة عملهما الاقتصادي المشترك في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والاستثمار. لذا تعد الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية، عزز من تحقق هذا الأمر تأسيس منتدى التعاون العربي الصيني. 

ففي عام 2003، بلغ حجم التجارة 25.4 مليار دولار أمريكي فقط، وفي عام 2017 ارتفعت التجارة بين الطرفين إلى 192 مليار دولار أمريكي، وصولًا إلى عام 2021، والذي بلغ حجم التبادل التجاري فيه نحو 330 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 37% عما كان عليه عام 2020. واستوردت الصين 264 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية، وهو ما يمثل نصف واردات الصين من النفط الخام. 

وفي إطار مبادرة الحزام والطريق، شاركت الدول العربية والجامعة العربية بنشاط في الدورة الأولى لمنتدى “الحزام والطريق” للتعاون الدولي المنعقدة في بكين في مايو عام 2017، أعقب هذا اعتماد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية قرارًا يعبر عن الإرادة السياسية الجماعية للدول العربية للمشاركة في المبادرة. وبحلول شهر يوليو 2018، صدر الإعلان التنفيذي الصيني العربي الخاص ببناء الحزام والطريق. 

ومنذ ذلك الحين، حقق التعاون الصيني العربي نتائج مثمرة، وتقدّم التعاون متبادل المنفعة بشكل مطرد. تضمن المبادرة مزيدًا من التعاون الصيني مع نحو 17 دولة عربية وهي: الجزائر، والبحرين، ومصر، والعراق، والكويت، ولبنان، وليبيا، والمغرب، وسلطنة عمان، وقطر، والسعودية، والصومال، والسودان، وسوريا، وتونس، والإمارات، واليمن. 

وفي هذا الإطار، يقدم كل من بنك آسيا للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) وصندوق الحرير في الدول العربية استثمارات ومشاريع من شأنها خدمة أهداف التعاون الثنائي العربي الصيني، والذي يستند نمطه إلى صيغة “1 + 2 + 3″، حيث يكون مجال الطاقة هو جوهر التعاون، وإنشاء البنية التحتية وتسهيل التجارة والاستثمار كبعدين رئيسين للتعاون، إلى جانب تحقيق اختراقات في مجالات الطاقة النووية، والأقمار الصناعية الفضائية، والطاقة الجديدة.

وفي أغسطس 2018، خلال حفل افتتاح الاجتماع الوزاري الثامن لمنتدى التعاون الصيني – العربي، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينج عن وضع الصين برنامجًا خاصًا لإعادة الإعمار الاقتصادي في البلدان العربية التي هي في حاجة إلى ذلك، عبر تقديم قرض للمشاريع ذات فرص عمل جيدة ومزايا اجتماعية لهذه البلدان.  وأعلن عن دعم حكومة بلاده شراكة مؤسسات الأوراق المالية الصينية مع الصناديق السيادية للدول العربية والهيئات التنظيمية؛ بغرض بناء منصة تداول دولية مقرها في منطقة الخليج لجذب الاستثمار من جميع أنحاء العالم.

وعلى المستوى السياسي، فإنه وفقًا لوثيقة السياسة الصينية تجاه الدول العربية الصادرة في عام 2016، تستند الصين إلى مجموعة من الأسس في سياستها تجاه المنطقة العربية؛ منها: الالتزام بمبادئ التعايش السلمي الخمسة القائمة على الاحترام المتبادل للسيادة ووحدة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمساواة والمنفعة المتبادلة، والتعايش السلمي. 

واتساقٌا مع تلك المبادئ، تقدم الدول العربية دعمها للصين في المسائل المتعلقة بشينجيانج وتايوان وهونج كونج وحقوق الإنسان وكثير من المسائل التي تهم المصالح الحيوية للصين. في المقابل، تدعم الصين وحدة وسيادة وأمن الدول العربية، وضرورة الالتزام بالحل السلمي للنزاعات، وأن تحقيق الأمن والتنمية بالمنطقة العربية هما سبيل لضمان الاستقرار.

وفي كلمته التي ألقاها بالجلسة الافتتاحية للدورة الثانية من منتدى أمن الشرق الأوسط، سبتمبر 2022، أوضح وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” دعوة بلاده إلى إقامة إطار أمني جديد في الشرق الأوسط، يتضمن التمسك بمفهوم الأمن المشترك والاهتمام بالهموم الأمنية المعقولة لكافة الدول بدلا من السعي وراء الأمن المطلق الأحادي الجانب، إلى جانب الاهتمام باتخاذ الإجراءات الشاملة لمواجهة التهديدات الأمنية التقليدية من جهة والتحديات الأمنية غير التقليدية بما فيها الجائحة والغذاء والطاقة من جهة أخرى. وأشار إلى ضرورة التمسك بالتعاون لتحقيق الأمن عبر الحوار السياسي ومفاوضات السلام بدلًا من القوة أو التحركات أحادية الجانب، والسعي إلى الأمن المستدام لحل النزاعات عبر التنمية وإزالة الأسباب التي تولد عدم الأمن.

وأكد “وانغ يي” في كلمته أيضًا على المكانة القيادية لدول الشرق الأوسط عبر إقامة إطار أمني جديد في المنطقة قائلًا: “لا يوجد ما يسمى بـ “فراغ السلطة” في الشرق الأوسط، بل يكون أبناء شعوب الشرق الأوسط أسيادًا لمصير المنطقة ومستقبلها”. وفي هذا الإطار، تدعم الصين مساعي دول المنطقة إلى إقامة إطار أمني إقليمي يتناسب مع الظروف الواقعية للمنطقة ويراعي مصالح كافة الأطراف.

وأخيرًا، شدد “وانغ” على دعم بلاده لجهود الحوار الأمني الإقليمي. فمن ناحية، ترى الصين ضرورة استئناف الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي مفاوضات السلام على أساس “حل الدولتين” في أسرع وقت ممكن. وفي هذا الصدد، تدعو الصين إلى عقد مؤتمر سلام دولي على نطاق واسع؛ بغية إيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية في أقرب وقت. كذلك، تدعم الصين تعزيز الحوار بين دول منطقة الخليج بهدف تخفيف النزاعات، وتدعو إلى إنشاء منصة للحوار الأمني في الخليج، في سبيل بناء الثقة المتبادلة عبر الحوار للوصول إلى الأمن المشترك.

ومن الناحية العسكرية، شهدت السنوات الماضية تناميًا في مستوى التنسيق وتبادل الخبرات العسكرية ما بين الصين والدول العربية. على سبيل المثال، أشارت تقارير إخبارية أواخر عام 2021 -نقلًا عن وكالة الاستخبارات الأميركية- إلى تطوير السعودية لصواريخ باليستية بمساعدة الصين. وفي مارس 2022، وقعت شركة أنظمة الاتصالات والإلكترونيات المتقدمة (ACES) السعودية اتفاقًا استراتيجيًا لنقل المعرفة لتصنيع “أنظمة حمولات الطائرات بدون طيار” محليًا في السعودية، مع مجموعة تكنولوجيا الإلكترونيات الصينية (CETC). تُعرف المجموعة بأنها تكتل دفاعي صيني مملوك للدولة ومتخصص في الإلكترونيات ذات الاستخدام المزدوج وواحدة من أكبر شركات الدفاع في العالم. وفي فبراير 2022، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية نيتها التعاقد مع شركة كاتيك الصينية لشراء 12 طائرة من طراز L15 مع خيار إضافة 36 طائرة من نفس الطراز في المستقبل. 

وتشير البيانات الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام أن صادرات السلاح الصيني إلى المملكة العربية السعودية قد بلغت خلال الفترة من 2016-2021 نحو 210 مليون وحدة TIV (يستخدم معهد ستوكهولم وحدة Trend Indicator  Value أو وحدة قياس مؤشر الاتجاه، المعروفة اختصارًا ب TIV؛ لقياس الاتجاهات في تدفق الأسلحة بين الدول، بمعنى آخر يقدم المؤشر قياس عمليات نقل القدرة العسكرية بدلًا من قيمتها المالية).

فيما بلغت صادرات الأسلحة الصينية الموجهة إلى الإمارات خلال الفترة من 2016-2020 نحو 121 مليون وحدة، وإلى الجزائر خلال نفس الفترة نحو 604 ملايين وحدة. فيما وصل حجم الصادرات إلى مصر خلال الفترة من 2016-2018 نحو 46 مليون وحدة، وإلى السودان خلال نفس الفترة نحو 96 مليون وحدة، وإلى قطر خلال عامي 2017 -2018 نحو 118 مليون وحدة، وإلى المغرب خلال نفس الفترة نحو 195 مليون وحدة، وإلى العراق خلال عام 2016 نحو 43 مليون وحدة، وإلى البحرين نحو 4 ملايين وحدة. لكن رغم ذلك لا تزال حصة تجارة الأسلحة الصينية إلى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محدودة مقارنة بآسيا التي تستحوذ على 82% من تلك الصادرات من دولة تعد ثاني أكبر منتج للأسلحة وخامس أكبر مصدّر عالميًا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك أنشطة أمنية أخرى غير عسكرية مثل: إجلاء المواطنين، والإغاثة الإنسانية، وعمليات البحث والإنقاذ، وبعثات حفظ السلام؛ بما يساهم في تقديم الصين نفسها كدولة مسؤولة تدعم تعددية الأقطاب في النظام الدولي.

وعلى مستوى التعاون في مجال الطاقة النظيفة، انخرطت شركات صينية في تنفيذ مشروعات طاقة كهروضوئية في عدد من البلدان العربية، أبرزهم الأردن والسعودية والإمارات وقطر. فعلى سبيل المثال، شاركت Shanghai Electric في بناء محطة طاقة هجينة تعمل بالطاقة الكهروضوئية والحرارية الضوئية في دبي، وهي حاليًا الأكبر من نوعها في جميع أنحاء العالم.

وأعلنت شركة “هاربين إلكتريك الدولية الصينية – “اتش يي أي” في مايو 2021 الانتهاء من ربط الوحدة الثانية لمشروع مجمع حصيان للطاقة بتقنية الفحم النظيف بالشبكة الخاصة بتوليد الطاقة بإمارة دبي، ويعد هذا المشروع أحد المشاريع الرئيسة التي ستلعب دورًا مهمًا في دعم استراتيجية الإمارات للطاقة النظيفة 2050، وهو أول مشروع استثماري من صندوق طريق الحرير في الشرق الأوسط، وأول محطة طاقة تعمل بتقنية الفحم النظيف في الشرق الأوسط.

وفي المغرب، أنجزت شركة “شاندونغ إليكتريك باور المحدودة – سيبكو 3” المشروعين الثاني والثالث لمجمع “نور” للطاقة الشمسية المركزة في ورزازات.  وفي قطر، شيدت شركة لونغجي الصينية المحدودة مشروعًا للطاقة الكهروضوئية، والذي يسهم في توفير الطاقة للملاعب التي يقام فيها كأس العالم 2022. 

وعلى الصعيد التكنولوجي، أكد “تشاي جيون”، المبعوث الخاص للحكومة الصينية لقضايا الشرق الأوسط، خلال مشاركته بالدورة الثالثة للمنتدى الصيني العربي للإصلاح والتنمية، سبتمبر 2022، أنه تم دمج الابتكار بعمق في التعاون العملي بين الصين والدول العربية، وقد أحرز هذا التعاون تقدمًا إيجابيًا في مجالات: الاقتصاد الرقمي، وتقنية الجيل الخامس، والأقمار الصناعية، والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة خلال السنوات الأخيرة. فقد تم تعميم استخدام تقنية الجيل الخامس المقدمة من شركة هواوي على نطاق واسع في دول المنطقة بما فيها الإمارات والسعودية والبحرين والمغرب. وتم تنفيذ المشروع الصيني السعودي لاستكشاف القمر، والمشروع الصيني الجزائري لإطلاق الأقمار الصناعية بنجاح، وتم افتتاح المركز الصيني العربي لنظام بيدو للملاحة بالأقمار الصناعية في تونس.

وفي سياق مكافحة جائحة كوفيد- 19، حقق التعاون العربي الصيني نجاحًا جديدًا في مجالات تطوير اللقاحات والإنتاج المشترك لها وتطوير الأدوية ذات الصلة، الأمر الذي أسهم في دفع الصداقة الصينية العربية نحو مستوى جديد متقدم قائم على المنفعة المتبادلة والكسب المشترك من أجل تحسين الصورة السلبية التي لحقت بها جراء ربط نشر الفيروس بها، وجاء ذلك ضمن مبادرة طريق الحرير الصحي التي تم إطلاقها في عام 2017 كجزء مكمل لمبادرة الحزام والطريق. 

من ناحية أخرى، من الأسس التي تقوم عليها السياسة الصينية تجاه المنطقة العربية هي التبادل الثقافي والحضاري وتوثيق التواصل الإنساني بين الجانبين في العديد من المجالات الثقافية والتعليمية والعلمية والتربوية وغيرها. وفي هذا الصدد، يعمل الجانبان على تنسيق وجهات النظر حول أجندة التنمية المستدامة 2030 وتعزيز المطالبات الخاصة بإصلاح المبادئ الأممية، بما يحفظ العدالة في المجتمع الدولي، وحماية المصلحة المشتركة للدول النامية التي ترى الصين أنها رائدة لها.

سياقات القمة

● المنافسة في مناطق النفوذ: تأتي القمة في ظل زيارات غربية عديدة لمنطقة الشرق الأوسط خاصةً مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية من تأثيرات سلبية على مختلف اقتصادات العالم، والسعي إلى تأمين مصادر بديلة للطاقة الروسية مع اقتراب فصل الشتاء. وتعكس الزيارة أيضًا رد فعل صيني على تنافس الولايات المتحدة في مناطق النفوذ الصيني في آسيا؛ فهي تسعى إلى تعزيز حضورها في مناطق النفوذ الأمريكي ومنها الشرق الأوسط، والعمل على استغلال مساحات التوتر التي تشهدها العلاقات الأمريكية مع بعض دول المنطقة، والخروج من المحاولات الأمريكية لاحتواء وقمع الصعود الصيني.  

● تطور العلاقات السعودية الصينية في الآونة الأخيرة: أقامت المملكة والصين شراكة استراتيجية شاملة في عام 2016، بجانب تعميق التعاون في البنية التحتية ومشاريع مدينة نيوم السعودية، وتجديد المسجد الحرام، وغيرها من مشاريع الطاقة سواء كانت أحفورية أو الطاقة المتجددة. ويبدو أن العلاقات تشهد تحسنًا مؤخرًا، إلى الحد الذي جعل هناك تقارير تفيد بوجود استعدادات كبيرة لحفل استقبال الرئيس “شي” تشبه تلك التي أقامتها في استقبال الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” في أول رحلة خارجية له. 

وفي نفس الوقت، تختلف تلك الاستعدادات عن التي شهدتها زيارة الرئيس “جو بايدن” في شهر يونيو الماضي. ويعكس تناقض استعدادات الاستقبال صعود العلاقات بين المملكة والصين إلى الحد الذي جعل الصين أكبر شريك تجاري لها وأكبر مستورد للنفط السعودي؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2021 حوالي 87 مليار دولار، وشكلت الصادرات إلى الصين 27% من إجمالي صادرات النفط الخام السعودي في العام 2021. 

● تراجع العلاقات السعودية الأمريكية: فمنذ اتخاذ منظمة “أوبك بلس” قرارًا بخفض إنتاج النفط رغم سعي إدارة “بادين” إلى تأجيل القرار إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي، توترت العلاقات السعودية الأمريكية، وهو توتر مستمر منذ بداية إدارة “بايدن”. دفع هذا التراجع إلى توجه السعودية نحو تعزيز علاقتها مع كل من روسيا والصين، مع الاستمرار في العلاقة الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة. 

● تأكيد سلطة “شي”: تأتي القمة بعد نجاح الرئيس “شي” في الحصول على فترة ولاية ثالثة على رأس الحزب الشيوعي الصيني، ليكون بذلك أول رئيس بعد “ماو” يتولى أكثر من ولايتين وفقًا لتعديل الدستور في عام 2018. 

● انعقاد المنتدى العربي الصيني للإصلاح والتنمية: والذي أقيمت دورته الثالثة في سبتمبر 2022 بحضور ما يقرب من 20 خبيرًا من الجانبين، وبرعاية كل من وزارة الخارجية الصينية ومركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية. استهدف المنتدى بحث سبل التعاون والتنمية المشتركة في إطار المبادرة العالمية للتنمية التي أطلقتها الصين بعد مبادرة “الطريق والحزام”؛ لدفع الجهود لتحقيق الأهداف الإنمائية للأمم المتحدة للعام 2030. 

أهداف القمة

من المتوقع أن تحقق القمة تطورًا في العلاقات العربية-الصينية على مستوى التبادل التجاري من ناحية، وعلى مستوى القضايا التي تمسّ أمن المنطقة من ناحية أخرى، خاصةً تلك القضايا التي يمكن لبكين أن تلعب فيها دورًا بارزًا نظرًا لقبول العديد من الأطراف لها. فقد أشارت تقارير إلى أن القمة ستشهد توقيع عدد من الاتفاقيات، ويمكن في هذا الإطار ذكر الآتي:

● تأمين مسارات الطاقة: بما أن الصين من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم وأكبر مستورد للنفط السعودي، فمن المنطقي أن تكون الطاقة والتبادل الاقتصادي على رأس قضايا جدول أعمال القمة لتأمين صادرات الطاقة من المنطقة الموجهة لها لضمان مكانتها الصناعية عالميًا في ظل ما يشهده العالم من أزمات متتالية. وقد سبق أن تم توقيع مذكرة تفاهم في سبتمبر بين شركة “أرامكو” السعودية مع شركة “سينوبك” الصينية بشأن تحديد مسارات التعاون الاستراتيجي، وتم توقيع تلك المذكرة بعملة اليوان الصينية.

● عدم دولرة العلاقات التجارية: اتصالًا بالنقطة السابقة، فإن الصين تعمل على نظام مالي جديد بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على مسألة المعاملات المالية بنظام “سويفت” الغربي، وخروج روسيا منه بفعل العقوبات المفروضة عليها، وظهور نظام جديد بريادة صينية أُطلق عليه نظام “كروس بوردر” لإقامة معاملات لا تعتمد على الدولار لتجنب فرض عقوبات في إطار الحرب التجارية القائمة بين الصين والولايات المتحدة من جانب، أو الوقوع تحت طائلة عقوبات أخرى إذا ما حدثت حرب بخصوص تايوان من جانب آخر. 

● ربط خطط التنمية الوطنية مع مبادرة الحزام والطريق: من المرجح أن تتطرق الزيارة إلى مشاريع البنية التحتية المشتركة بين البلدين فيما يخص مبادرة الحزام والطريق من جانب، ورؤية السعودية لعام 2030 ورؤية مصر 2030، ورؤية الكويت 2035، ورؤية قطر الوطنية 2030 ورؤية عمان 2040، وغيرها من الخطط التنموية من خلال حوار استراتيجي يعزز التعاون الاقتصادي. وذُكرت توقعات بأن تتم التوصية بإتمام اتفاقية التجارة الحرة الخليجية الصينية التي سيكون لها دور في تسهيل التجارة بين الجانبين وحوكمة المصالح التجارية والاقتصادية بينهما.

● دعم مبادرة الصين للأمن العالمي: فانطلاقًا من انتهاج الصين لدبلوماسية “شراكة القوة” التي تتوافق مع سعي الدول العربية نحو عالم متعدد الأقطاب ومزيد من التوازنات، يظهر تأييد الدول العربية لمبادرة الأمن العالمي التي أطلقتها الصين لمواجهة الأفكار الأمريكية عن الديمقراطية والتي تقوم على نبذ الأحادية القطبية والاستقطاب، وتسعى إلى تفعيل مبدأ التعددية في النظام الدولي. 

● حل القضية الفلسطينية: استنادًا إلى مبادرة النقاط الخمس التي قدمها وزير الخارجية الصيني “وانغ يي” في عام 2021 بشأن تحقيق الأمن والاستقرار وإحلال السلام في المنطقة؛ تثار احتمالية بأن تتدخل الصين في الوساطة لحل القضية الفلسطينية، فقد سبق أن أشار “وانغ دي” مدير إدارة غرب آسيا وشمال أفريقيا بوزارة الخارجية الصينية في مؤتمر صحفي له في القاهرة -خلال جولته العربية في الفترة بين 4-17 يونيو- إلى أن الصين ستدفع لعقد مؤتمر سلام دولي لإيجاد حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية. 

● التعاون التكنولوجي والفضائي: من المرجح أن تناقش القمة سبل التعاون العربي الصيني في مجالي التكنولوجيا والفضاء، في ظل الرغبة الخليجية تحديدًا في الإمارات والسعودية لاستكشاف الفضاء. 

الصين بديلًا عن الولايات المتحدة؟

فور الإعلان عن انعقاد قمة عربية صينية، وفي ظل ما يُثار بشأن وجود توترات أمريكية مع حلفائها التاريخيين بالمنطقة، تحديدًا السعودية والإمارات؛ تنامى التساؤل حول احتمالية أن تحل الصين كقوة كبرى فاعلة بالمنطقة محل الولايات المتحدة. عزز من هذا الطرح تنامي مستوى العلاقات العسكرية الثنائية التي تجمع الصين مع بعض الدول العربية، وكذا تنامي العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية والتي وصلت إلى حد الحديث بشأن اقتراب استخدام اليوان بدلًا من الدولار في مدفوعات النفط السعودي الموجه إلى الصين، الأمر الذي ترتب عليه تصور الصين كبديل عن الولايات المتحدة، وهو تصور يجانبه الصواب إلى حد كبير.

على عكس الولايات المتحدة، لا تطمح الصين –على الأقل في الوقت الراهن- إلى أي مشاركة أو وجود عسكري من شأنه ترتيب أي تكلفة عليها، وإنما كل ما تطمح إليه هو ضمان الاستقرار بالمنطقة بما يرتب بالتبعية استقرار مشاريعها التنموية. وبناءً عليه، لا يمكن تصور الصين كقوى أمنية بديلة عن الولايات المتحدة بالمنطقة. بل يمكن القول إن الصين نفسها مستفيدة من الحضور العسكري الأمريكي بالمنطقة طالما ساهم هذا الحضور في ضمان الاستقرار بالمنطقة، بما يؤكد مبدأ “التنمية قبل الأمن في تعزيز الاستقرار” الذي تحاول الصين أن ترسخه في سياستها الخارجية ضمن مبادئ عدم التدخل واحترام السيادة. لكن هذا لا يعني أن الصين لن تسعى إلى توسيع حضورها الأمني دفاعًا عن مصالحها واستثماراتها، وهو ما ظهر مبدئيًا في إقامتها لأول قاعدة عسكرية صينية في المنطقة في جيبوتي.

يمكن القول إن القمة تحمل من المعاني الرمزية التي تتمثل في التعبير بشكل أو بآخر عن سعي دول المنطقة إلى إيلاء اهتمام أكبر لمسألة التوازن مع القوى الدولية الكبرى، خاصةً في ظل التطورات العالمية المتلاحقة التي تفرض نوعًا من الاستقطاب على توجهات الدول في سياستها الخارجية. وفي نفس الوقت، تعكس القمة الأهمية النسبية التي أصبحت عليها المنطقة بالنسبة للصين، ومحورية دور الطاقة في تنميتها الاقتصادية، وهو ما سيظهر من خلال عقد اتفاقيات تجارية واستثمارية وأمنية بين الجانبين. 

وما يمكن الإشارة إليه هنا هو أن القمة العربية الصينية تُسهم في مد جسور التواصل مع الصين، من خلال تنسيق مواقف الجانبين، والخروج بتصور وآليات تفاهم مشتركة وإطلاق ودعم المبادرات النوعية. ويعكس انعقاد القمة حرص القيادات الصينية والعربية على تطوير أوجه التعاون المشترك، ومواءمة التوجهات الاستراتيجية للدول العربية مع الصين كثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى