أوروبامصر

دلالات ورسائل مشاركة مصر بالمنتدى الدولي لحوارات روما المتوسطية

حرصًا على دعم وتعزيز العلاقات المصرية الإيطالية، وبحث سبل التعاون بين البلدين؛ شارك وزير الخارجية سامح شكري في منتدى حوارات روما المتوسطية في نسخته الثامنة، وهو المنتدى الدولي السنوي الذي تروج له إيطاليا بمشاركة ممثلين عن الحكومات والمنظمات الدولية ومراكز الفكر والعالم الاقتصادي والثقافي. وقد استقبل وزير الخارجية الإيطالي “أنطونيو تاياني” الوزير شكري بمقر الخارجية الإيطالية، للتباحث حول زيادة التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات الإيطالية إلى مصر، فضلًا عن التشاور والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية محل اهتمام البلدين.

منتدى روما لحوارات المتوسط

“MED – MEDITERRANEAN DIALOGUES”، هي مبادرة سنوية رفيعة المستوى تروج لها وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي الإيطالية وISPI (المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية) في روما؛ بهدف إعادة التفكير في النهج التقليدي للمنطقة الذي يكمل تحليلات التحديات الحالية، مع أفكار واقتراحات جديدة وصياغة “أجندة إيجابية” جديدة تتناول التحديات المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي. ويهدف المؤتمر إلى الجمع بين مراكز الفكر والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية وكذلك المنظمات الدولية والمسؤولين الحكوميين وصناع القرار من جميع أنحاء العالم. 

في عام 2015، تم إطلاق أول نسخة من المنتدى، وسرعان ما أصبح مركزًا عالميًا للحوارات رفيعة المستوى حول البحر الأبيض المتوسط، إذ يضم قادة بارزين من حكومات البحر الأبيض المتوسط، والأعمال التجارية، والمجتمع المدني، ووسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية. وقد جمّعت النسخ السابقة من المنتدى أكثر من 1000 من القادة الدوليين، بمن فيهم رؤساء دول ووزراء وكذلك الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية والنائب الأول لرئيس المفوضية.

ولكن هذا العام، سيكون تأثير الوباء والحرب في أوكرانيا على المنطقة، والتحديات المتعلقة بالأمن المشترك، والطاقة والأمن الغذائي، والحوار الثقافي والديني؛ هي بعض القضايا الرئيسة التي يتم تناولها خلال أكثر من 35 جلسة مقررة خلال المنتدى، وستتشارك الدول من خلال ممثليها في تقديم رؤى أوضح للتعامل مع كل هذه القضايا.

ويرتكز منتدى حوارات روما للمتوسط على أربعة أركان أساسية وهي: الرخاء المشترك، والأمن المشترك، والهجرة، والمجتمع المدني والثقافة. وتهدف المناقشات حول هذه الموضوعات إلى استكمال تحليلات التحديات الحالية بأفكار واقتراحات جديدة لتوسيع نطاق التعاون الاقتصادي، والتغلب على المنافسات والصراعات الإقليمية، وضمان بدء العمل بالحوافز الملائمة للتنمية المستدامة.

● الرخاء المشترك: في هذا الإطار، يتم تكريس اهتمام خاص للدور الذي يمكن أن يلعبه قادة الأعمال والمجتمع المدني لتعزيز الرخاء والاستقرار السياسي في منطقة يمكن فيها اغتنام الفرص الجديدة.

● الأمن المشترك: تركز المناقشات حول هذا المحور على استراتيجيات قابلة للتطبيق لتجنب المزيد من الاضطرابات ومحاربة الإرهاب وتعزيز عمليات الانتقال الناجحة بعد الصراع وبناء المؤسسات، وبالتالي تعزيز المرونة في بلدان البحر الأبيض المتوسط.

● الهجرة: يشجع هذا المحور النقاش حول الموضوعات المتعلقة بالهجرة، بما في ذلك: تحديد المسارات الآمنة والقانونية لطالبي اللجوء، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، والجمع بكفاءة بين سياسات مكافحة الاتجار واحترام حقوق الإنسان.

● المجتمع المدني والثقافة: يسمح هذا المحور بوضع كل هذه التحديات في منظورها الصحيح من خلال الاعتراف بأن منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​هي “بوتقة” فريدة من نوعها للثقافات والأديان، مع إرث تاريخي مهم وتراث طبيعي وثقافي غني.

زيارة مصر وتوقيتها وأهميتها للمنتدى

تأتي هذه الزيارة عقب انتهاء الدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الدول الأطراف باتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ “كوب 27” التي استضافتها مصر بشرم الشيخ، والتي كان لإيطاليا وجود مهم بها، حيث سيطرت قضية أمن الطاقة على المحادثات الثنائية التي جمعت بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وجورجيا ميلوني، رئيسة وزراء إيطاليا، حيث بحث البلدان إمكانية تنفيذ الربط الكهربائي مع إيطاليا، للاستفادة من الإمكانات الغنية والمتنوعة في مصر للمساهمة في معالجة التحدي القائم في أوروبا، ومعظم دول العالم للتعامل مع أزمة الطاقة.

وتطرقت المحادثات حينها إلى تبادل الرؤى بشأن تنسيق الجهود بين إيطاليا ومصر كشريك رائد للاتحاد الأوروبي في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية، وهو من أهم الركائز التي يستند عليها المنتدى في روما، وبلا شك، أشادت رئيسة الوزراء الإيطالية في كوب 27 بالمجهودات التي تقوم بها مصر في هذا الإطار، والتي أسهمت في منع خروج أي قارب للهجرة غير الشرعية من السواحل المصرية منذ عام 2016.

وعن محور الأمن، وتحديدًا على صعيد الملفات الإقليمية، كان السيسي وميلوني قد استعرضا آخر تطورات القضايا المتعلقة بأمن البحر المتوسط، لا سيما الملف الليبي؛ حيث تم التوافق بين الجانبين على ضرورة العمل لصون وحدة وسيادة ليبيا، والدفع نحو عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بالإضافة إلى الحفاظ على المؤسسات الليبية الوطنية، وتعزيز دور الجهات الأمنية في مكافحة الإرهاب.

ما هي القضايا الإقليمية والدولية المشتركة بين البلدين؟

على الصعيد الإقليمي، تعمل مصر وإيطاليا على تنسيق الجهود بشكل حاد بشأن القضايا الإقليمية المختلفة التي تفرض تحديات مشتركة مثل: الملف الليبي والهجرة غير الشرعية وموضوعات مكافحة الإرهاب، حيث تحرص إيطاليا على التنسيق مع مصر لتعزيز الأمن الإقليمي، وهو الأمر الذى يجسد الحرص المتبادل على ترسيخ التشاور المشترك حول الأمن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، لاسيما في ظل التحديات الأمنية وتنامى ظاهرة الإرهاب، ويتطلع الجانبان إلى الارتقاء بأطر التعاون وآليات التنسيق في هذا الشأن. وتدعم الحكومة الإيطالية مصر في حربها ضد الإرهاب، وترى أن مصر تخوض حربًا ضد الإرهاب ليس فقط للدفاع عن نفسها بل دفاعًا عن أوروبا بأكملها.

هذا بالإضافة إلى أن هناك تقاربًا كبيرًا في التوجهات بين القاهرة وروما في القضايا المتصلة بأمن البحر المتوسط، ومكافحة الإرهاب والتطرف، فضلًا عن تحديد السياسات التي يتعين اتخاذها من أجل مواجهة تصاعد التيارات الأصولية المتطرفة، سواء في منطقة القرن الأفريقي أو شمال أفريقيا، وانعكاساتها على أمن البحر المتوسط.

أما عن الوضع في ليبيا، فيعد موقف البلدين منه على درجة عالية من التوافق؛ فالدولتان تتأثران بما يجري في ليبيا وتعملان على دعم جهود بناء الدولة الليبية ومنع سقوطها بيد التنظيمات الإرهابية. وتتفق الدولتان فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية على ضرورة الرجوع لحل هذه القضية وفقا للشرعية الدولية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وأن تكون القدس عاصمة لها، ولا تنكر روما أبدًا الجهود المصرية إزاء تطور القضية الفلسطينية مع كافة الأطراف لوقف عمليات التصعيد واستئناف المفاوضات واعادة إطلاق عملية السلام.

استعراض الرؤية المصرية بمنتدى حوارات المتوسط

ربما تأتي زيارة ومشاركة وزير الخارجية لحضور المنتدى للتأكيد على المجهودات المصرية التي تتوافق مع الركائز التي يُبنى عليها منتدى حوارات المتوسط، فعقب وصول شكري للعاصمة الإيطالية روما، تم عقد اجتماع ثنائي مغلق مع وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني يوم 1 ديسمبر، أعقبه جلسة مباحثات موسعة تناول من خلالها الوزيران سبل دفع وتعزيز العلاقات الثنائية بين مصر وإيطاليا في شتى المجالات، لا سيما الاقتصادية والاستثمارية منها، والبناء على قصص النجاح التي حققتها الشركات الإيطالية في السوق المصري.

وعن المشاركة المصرية في حوارات المتوسط، فقد تم تخصيص جزء مستقل من المنتدى لاستعراض الرؤية المصرية إزاء التطورات الإقليمية والدولية، وأهم التحديات المرتبطة بأزمتي الغذاء والطاقة، فضلًا عن استعراض نتائج قمة المناخ COP27 وأهم مخرجاتها، وذلك من خلال جلسة حوار يوم 2 ديسمبر أدارها الوزير سامح شكري بالمنتدى، ومن أبرز ما جاء في هذه الجلسة التي استعرضت عن كثب الرؤية المصرية الموسعة ما يلي:

استعرض الوزير شكري التحديات التي تواجهها مصر في ظل مشهد جيوسياسي متغير فرضته التطورات التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة.

أكد وزير الخارجية أن مصر نجحت في الحفاظ على استقرارها في ظل ظروف إقليمية ودولية مضطربة، خاصة خلال السنوات الثلاث الماضية التي شهدت جائحة كورونا والعملية العسكرية في أوكرانيا والتداعيات المرتبطة بهما، سواء على صعيد الأمن الغذائي أو أمن الطاقة، ومشكلة سلاسل الإمداد، مشددًا على أهمية العمل بالتوازي على تعزيز الآليات الدولية للتخفيف من تداعيات هذه الأزمة على الدول النامية.

استعرض الوزير التطورات على الساحة الإقليمية في كل من ليبيا والعراق ومنطقة الساحل والصحراء، وكذلك الوضع الراهن للقضية الفلسطينية ومستقبل استئناف عملية السلام، مشيرًا إلى جهود مصر في تحقيق السلام الإقليمي واستعادة الأمن والاستقرار ومكافحة الإرهاب في المنطقة.

تمت الإشارة إلى دور مصر في استمرارها البحث عن مفاوضات من أجل إحلال السلام بين روسيا وأوكرانيا وإنهاء أمد الحرب المستمرة التي أثرت بالسلب على العالم، وبالطبع مصر ومن بعدها الدول النائية. 

تناولت جلسة الحوار بشكل موسع استعراض منهجية قيادة مصر للمفاوضات خلال مؤتمر المناخ “كوب 27” الذي استضافته مصر بشرم الشيخ، فقد حرص شكري أن يعبر عن فخر مصر باستضافتها هذا المؤتمر الضخم الذي بلغ عدد المشاركين به أكثر من 50 ألف مشارك من الجهات المختلفة، وكيف استطاعت مصر من خلاله أن تعبر عن المصالح الإفريقية، وأنها كانت الصوت الذي من خلاله تم توحيد الأصوات الأفريقية كلها.

استعرض شكري الشراكات الاقتصادية الدولية، لدعم النمو والتنمية في مصر، وكيف يرى الجميع إمكانات مصر الهائلة التي تجعها مركزًا إقليميًا للطاقة.

لم ينس شكري أن يشيد بجهود مصر في إنشاء “صندوق الخسائر والأضرار” لأول مرة منذ 27 عامًا، وهو المطلب الرئيسي للدول النامية التي شهدت التضرر الأكبر من التغيرات المناخية، فضلًا عن الخروج من المؤتمر بوثيقة ختامية تحقق مصالح جميع الأطراف، والتأكيد على أهمية توفير التمويل اللازم لدعم قطاعات الاقتصاد الأخضر ومواجهة التحديات المنبثقة عن تهديدات التغير المناخي، لضمان البقاء على الطريق الصحيح في إطار العمل المناخي.

أكد شكري في نهاية حواره على الأولوية التي توليها مصر للدفاع عن مصالح القارة الأفريقية، وتعزيز التكامل بين الدول الأفريقية لتحقيق التنمية المشتركة والتصدي لتحديات الإرهاب والهجرة غير الشرعية، والتحديات الأخرى التي تواجه القارة الأفريقية.

وفي الختام، تعبر مشاركة وزير الخارجية سامح شكري في النسخة الثامنة لمنتدى حوارات روما المتوسطية برئاسة الرئيس الإيطالي “سيرجيو ماتاريلا”، وتخصيص جلسة حلال فعاليات المنتدى للاستماع إلى الرؤية المصرية إزاء مختلف القضايا الإقليمية والدولية وخاصة تلك المتعلقة بأمن المتوسط بالإضافة إلى مخرجات كوب 27، عن الحرص الأوروبي بوجه عام والإيطالي بوجه خاص على تعزيز التنسيق والتشاور مع مصر في مختلف الملفات والقضايا ذات الاهتمام المشترك، ويعكس مدى ثقل السياسة الخارجية المصرية وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى