أسواق وقضايا الطاقة

اجتماع أوبك بلس: سيناريوهات ما قبل الحظر الأوروبي للنفط الروسي

قبل 24 ساعة من بداية تنفيذ العقوبات الأوروبية الموجهة لقطاع النفط الروسي، تترقب أسواق النفط العالمية اجتماع تحالف أوبك بلس المقرر عقده غدًا الأحد لبحث تداعيات الخفض الأخير وتأثيره على حركة أسعار النفط العالمية. وبالرغم من التخطيط للاجتماع المقبل بالحضور شخصيًا، فقد تقرر عقده عبر تقنية التواصل المرئي، مما قد يكون له دلالة على عدم اتخاذ قرار مهم، ويكتفي التحالف بمراقبة الوضع المستقبلي لأسواق النفط العالمية، ولكن في نفس الوقت، جميع قرارات أوبك بلس التاريخية منذ عام 2016 تم اتخاذها عبر تقنية التواصل المرئي.

تأثير سياسة العرض والطلب علي أسعار النفط

تجتمع دول تحالف أوبك بلس بشكل مستمر وتتفق علي الوضع العام لإنتاج النفط وكمية النفط المعروضة في الأسواق العالمية وما هي نسبتها لحركتي العرض والطلب. لأن ذلك بشكل عام قد يؤثر بشكل واضح علي حجم الإنتاج النفطي، وبالتالي له تأثير كبير علي حجم إمدادات النفط العالمي. والمؤكد هنا أن الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية تؤثر بشكل رئيس علي نتائج تلك الاجتماعات؛ فالدول الأعضاء تبحث دائمًا عن مصلحتها بما لا يضر الوضع العام لأسواق النفط العالمية. 

ومن هنا يتضح أن الهدف الدائم لمنظمة الدولة المصدرة للنفط أوبك وأيضًا التحالف أوبك بلس هو الاستثمار في السعة الإنتاجية الفائضة لبراميل النفط؛ بهدف الاستفادة منها في مواجهة أي صدمة للحفاظ على استقرار أسعار النفط الخام. ولكن بالنظر إلى تلك المسألة نجد أن هناك دولًا قليلة ما زالت تحتفظ بطاقة إنتاجية محدودة للغاية، ومنها المملكة العربية السعودية كما يتضح في الشكل التالي.

ومن هنا نستطيع القول إن قدرة التحالف على التدخل ومنع تقلبات أسعار النفط أصبحت محدودة؛ وذلك بسبب صعوبة تقدير حجم الصدمات على مستوى العرض والطلب بشكل دقيق، مع احتمالية وجود أخطاء في تنفيذ ومراقبة قرارات الإنتاج لدول التحالف، حيث جاءت مستويات الإنتاج المتفق عليها حتي ديسمبر من العام المقبل 2023 طبقًا للجدول التالي.

عوامل تؤثر في أسواق النفط العالمية

خلال الفترة الماضية وبالتحديد منذ بداية عام 2022، تواصل العديد من العوامل شديدة التأثير في معنويات أسواق النفط العالمية، وهنا يجب الإشارة إلى أن تحالف أوبك بلس قد يواجه تحديات كبيرة في كيفية مواجهة تقلبات الأسعار، بالإضافة إلى مسألة احترام الحصص المعلنة؛ وذلك بسبب العديد من الأسباب التي تؤثر على حركة الأسواق العالمية للنفط الخام ومنها:

● الضبابية بشأن حظر الاتحاد الأوروبي للنفط الروسي، وخطة الاتحاد لتحديد سقف للأسعار، حيث إنه وبعد شهور من المفاوضات والاجتماعات، تمكن الاتحاد الأوروبي من التوصل إلى سقف سعر للنفط الروسي عند 60 دولارًا بعدما أعطت بولندا موافقتها على الصفقة.

● مستوى المخزون النفطي التجاري في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بلغ حوالي 2.7 مليون برميل في يونيو الماضي، حيث يُشكل هذا المعدل أقل بنحو حوالي 163 مليون برميل عن نفس الفترة لعام 2021.

تزايد المخاوف بشأن الطلب على النفط وسط تباطؤ اقتصادي عالمي.

● يُشكل الطلب الصيني، والذي يُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، أحد المؤشرات الأساسية لدول التحالف، في تحديد اتجاهات الأسواق العالمية.

● النقص الشديد في حجم الاستثمارات وصيانة البنية التحتية للدول المنتجة وذلك منذ عام 2005، حيث يواجه سوق النفط خسارة حوالي 5 ملايين برميل يوميًا كل عام من طاقته الإنتاجية، وذلك بسبب تراجع الاستثمارات في قطاع النفط. حيث انخفضت بأكثر من حوالي 50% بين 2014 والعام الماضي، من 700 مليار دولار إلى ما يزيد على 300 مليار دولار في 2022.

● احتفاظ عدد ضئيل من الدول الأعضاء بالطاقة الإنتاجية من النفط الخام وبمعدلات متواضعة.

● وصول مخزونات الاحتياطي الاستراتيجي للدول الكبري إلى أدنى مستوياتها في أكثر منذ حوالي 30 عامًا.

● سرعة تنامي حركة الأسواق الرمادية لبيع النفط الخام، مما أصبح عامل ضغط قوي لأسعار النفط العالمية.

● انخفاض معدلات الإنتاج الروسي في الفترة الماضية، وذلك تحت تأثير العقوبات الأوروبية المرتبطة بحرب أوكرانيا. وفى هذا السياق، خفضت منظمة أوبك ووكالة الطاقة الدولية وإدارة معلومات الطاقة الأمريكية توقعات نمو الاستهلاك النفطي العالمي خلال العام المقبل، كما هو موضوح بالشكل التالي.

ومن جهة أخرى، في نهاية الجلسة أمس انخفضت أسعار العقود الآجلة لخام برنت القياسي تسليم شهر فبراير 2023 بنحو حوالي 1.5% إلى حوالي 85.57 دولارًا للبرميل، وهبط سعر العقود الآجلة لخام غرب تكساس الأمريكي تسليم يناير 2023 بنسبة حوالي 1.5% إلى حوالي 79.98 دولارًا للبرميل، وكانت أسعار النفط الخام قد أنهت تعاملاتها، الخميس 1 ديسمبر، على تباين إذ ارتفع الخام الأميركي لأعلى مستوى في أسبوعين، في حين تراجع خام برنت.

وحقق الخامان القياسيان (برنت، وغرب تكساس) أول مكاسب أسبوعية بعد 3 أسابيع متتالية، بنحو 2.2% و4.9% على التوالي. وإذ نظرنا إلى متوسط أسعار نفط سلة أوبك في السنوات الماضية، سنجد أن سعر سلة نفط أوبك (المتوسط السنوي) للعام الحالي 2022 حوالي 104.2 دولارات للبرميل وبارتفاع أكثر من 49.1% عن متوسط عام 2021، تلك الأسعار التي تصب في مصلحة التحالف في المقام الأول، كما هو موضح بالشكل التالي.

سيناريوهات اجتماع الغد

وفقًا للعوامل السابقة، تترقب أسواق النفط العالمية اجتماع التحالف غدًا؛ للتعرف على موقف التحالف من تعديل سياسة الإنتاج خلال الفترة المقبلة. وذلك وسط حالة من الضبابية والتى تسببت فيها تداول أنباء عن عزم التحالف زيادة الإنتاج وذلك في نهاية الشهر الماضي، والتي تسببت في انهيار كبير بأسعار النفط تجاوز حوالي 5% وقبل أن تتعافى بنسبة حوالي 2%، وهو ما يؤكد عدم دقة الأخبار، في ظل حالة الضبابية التي تمر بها الأسواق النفطية العالمية والطاقة في الوقت الراهن. مما يبرهن بأن نتائج اجتماعات الغد لن تخرج عن الخيارات التالية:

السيناريو الأول: عدم حركة مستويات الإنتاج عن قرارات الاجتماع السابق وتثبيتها مع الانتظار والمراقبة لحركة الأسواق في ظل حالة التقلبات الحادة الحالية ودراسة تأثير بداية الحظر الأوروبي للنفط الروسي والذي من المقرر بدء سريانه يوم الاثنين المقبل، بالإضافة إلى قرار سقف الأسعار عند مستوى 60% مع تضمين بند للتأكد من أنه أقل بنسبة 5% من متوسط أسعار النفط الروسي في السوق. ومدى استجابة بكين إلى تزايد الاحتجاجات ضد سياسة صفر كوفيد وعمليات الإغلاق الناتجة عن جائحة كورونا. 

ولذلك سيكون أمام تحالف أوبك بلس ضرورة الانتظار لمعرفة تداعيات تلك العوامل الجوهرية، وتأثير قرار خفض الإنتاج السابق خلال شهري نوفمبر وديسمبر على حركة أسعار النفط خلال الفترة القادمة. وذلك مع إمكانية التحالف بعقد اجتماع طارئ إذا شهدت الأسواق زيادة أو نقصًا في حجم المعروض النفطي. وهنا يجب الإشارة إلى أن التأثير سيكون ضئيلًا في الأسواق العالمية وحركة سوق النفط  لمدة لا تقل عن شهر إلى شهرين، إذ سيراقب العالم المدة من فبراير إلى مارس من العام 2023، إذ ستستغرق العقوبات على موسكو وقتًا أطول، ليظهر تأثيرها بوضوح في السوق النفطي (حركتى الإمدادات والأسعار). وقد نشهد ارتفاع الطلب في دول الاتحاد الأوروبي في حالة تعرضها لموجة شتاء شديدة خلال الفترة القليلة المقبلة، ومع استمرار ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي لمستويات قياسية، ستستبدل القارة الغاز الطبيعي والغاز المسال بالنفط.

السيناريو الثاني: خفض إضافى لن يقل عن 100 ألف برميل يوميًا ولا يزيد عن 500 ألف، قد يقدم التحالف على تلك الخطوة (خفض الإنتاج)، وبالأخص مع الشعور المتزايد بأن عمليات تخفيضات معدلات الإنتاج ضرورية للحفاظ على الأسعار عند مستوى معين. ومن هنا يجب الإشارة إلى أن هذا الوضع قد يصبح أكثر ربحية للجانب الروسي؛ لأن موسكو لا تراقب الحد الأقصى المقترح من الجانب الأوروبي للأسعار فقط، والذي بشكل عام يُعد أعلى مما تحصل عليه حاليًا وبالرغم من الأوكازيون النفطي من جانب موسكو للهند والصين، ولكنها تراقب الضغوط المحتملة على الإجراءات المعسكر الغربي والأمريكي بالإضافة إلى المملكة المتحدة ضدها لها.

السيناريو الثالث: رفع مستويات الإنتاج بحوالي 500 ألف برميل يوميًا قد يكون خيارًا مستبعدًا؛ لأن حركة الأسواق الحالية وأسعار النفط لا تسمح بإتخاذ تلك الخطوة. والتى تأتي في مقدمة الأسباب التي تمنع التحالف من قرار زيادة الإنتاج، إذ تُتداول عند أقل مستوى خلال العام الحالي 2020. وترتبط هذه الخطوة بمدى تأثير العقوبات الأوروبية على قطاع النفط الروسي وإلى أى مدى سيكون تأثر السوق العالمى بمحاولات إزاحة حوالي 5 مليون برميل نفطي في اليوم، ولذلك يعد نجاح محاولة أى إزاحة للنفط الروسي بمثابة خسارة للتحالف النفطي أوبك بلس، لما تسببه تلك الخطوة من تطورات سلبية على النفط والمنتجات البترولية الروسية.

مجمل القول، على الرغم من التراجع الحاد في أسعار النفط الخام عالميًا، فإن النفط الخام لا يزال فوق 80 دولارًا للبرميل وبزيادة حوالي 15% خلال العام الحالي مقارنة بالعام السابق 2021، وذلك مع حالة القلق الشديدة من نقص الإمدادات بمجرد أن يحظر الاتحاد الأوروبي فعليًا استيراد النفط الروسي بدءًا من الاثنين المقبل. ولكن تُشكل التطورات التي تتعرض لها الأسواق العالمية في الوقت الراهن  بمثابة ضغوط قوية تساعد في تعقيد محاولة تحالف أوبك بلس نحو الحفاظ على استقرار أسعار النفط على المدي الطويل. قد يبقي خيار المراقبة وقراءة الوضع المستقبلي بعد شهر يناير من العام القادم 2023 هو السيناريو الأكثر ترجيحًا حاليًا.

وفى الأخير، نستطيع القول إن أساسيات السوق أصبحت لا تحث على خفض مستويات الإنتاج، لكن السياسات تطالب بذلك، وترتبط السياسة في الوقت الحالي بالاقتصاد إلى حد كبير، لكن هناك تأثيرًا جيوسياسيًا أصبح أكثر وضوحًا في سوق النفط العالمي. ولكن هل تأتي نتائج اجتماع الغد بمثابة رد على قرار الاتحاد الأوروبي بوضع سقف النفط الروسي المنقول بحرًا عند 60 دولارًا (مع التأكد بأنه أقل بنسبة حوالي 5% من سعر النفط الروسي في الأسواق العالمية).

د. أحمد سلطان

دكتور مهندس متخصص في شؤون النفط والطاقة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى