مصر

البنية التحتية لـ”الجمهورية الجديدة”.. قيمة مضافة في عمق الجغرافيا السياسية لمصر

ثمة واقع من الصعوبة بمكان أن تغفله عند تدبر مصطلح الجمهورية الجديدة الذي خطه ذات يوم الرئيس عبد الفتاح السيسي أو تضيق رؤاه داخل حيز مشروعات عمرانية أو خدمية للمواطنين تسعى نحو تحسين حياة المصريين ومعيشتهم اليومية، رغم أهمية ذلك، وتحرك الدولة بجدية نحو بلوغ رضا المواطن وأن يحيا حياة كريمة.

افتتح الرئيس صباح اليوم المرحلة الأولى من مدينة المنصورة الجديدة، وتعد المدينة التي تتوسط محافظات الدقهلية وكفر الشيخ ودمياط إحدى المدن الذكية الجديدة التي شرعت الدولة في تشييدها على امتداد رقعة الجمهورية، وأحد شرايين التنمية في ساحل مصر الشمالي، حيث تحتوي على جميع المرافق والخدمات من مناطق حكومية وأسواق، ودور عبادة، ومناطق ثقافية وترفيهية، ومناطق خاصة بالمطاعم، وحدائق مركزية بإطلالة ساحلية على البحر المتوسط بطول 15 كيلومترًا.

ضرورة ملحة تبعث إرادة جادة وينفذها عقل الدولة في أن تُقدم مشروعات مدن الجمهورية الجديدة خاصة التي تطل على ساحل البحر المتوسط كخطوة استراتيجية في ذهنية الدولة المصرية خلال عقودها القادمة، لا سيما مع التداخلات الإقليمية والدولية التي من شأن آثارها وتداعياتها أن نبصر إعادة صياغة لمفهوم النظام الإقليمي والدولي. مما يستلزم على الدول الرئيسة في محيطها الجغرافي أن تعي تلك المتغيرات وتدرك كافة أبعادها ومنسوب نتائجها سواء على المدى المتوسط أو الطويل.

عديد المرات أدلى الرئيس السيسي بتصريحات تتماهى مع بنية الدولة وفلسفتها نحو الديمومة، وكيف ينبغي النظر إلى التحديات التي تواجه الدول وماهية الحلول الناجزة إزاء تلك الإشكاليات. فغير مرة يطرح السيد الرئيس إعادة صياغة لمفهوم التحديات والأبعاد الحقيقية لذلك خلال العقود القليلة الفائتة، الأمر الذي يستلزم معه حتمية العمل دون النظر إلى النتائج السريعة أو التخوف من ردود الفعل الشعبوية أو التحسب لماكينات منصات الإعلام المناوئة. 

وذلك ما بدا في كافة تحركات الدولة وقراراتها؛ سواء كان ذلك في قرارات الإصلاح الاقتصادي، أو التوسع في تطوير قطاع النقل وشبكة الطرق والكباري، ضمن المشروع القومي للطرق الذي يستهدف: التناغم مع رؤية الدولة في المدن الجديدة، والتكامل مع وسائل النقل الأخرى، وتعظيم أهداف المناطق اللوجيستية مما يحقق الأثر الاقتصادي.

ذلك كله يبدو دون مواربة مع بروز تلك المشروعات قيد الافتتاح ورفع الغطاء عن الأهداف والآمال المتوقعة، جراء تلك المشروعات التي تعمر مساحات تضحى قيمة مضافة في عمق الجغرافيا السياسية لمصر.

يأتي افتتاح مدينة المنصورة الجديدة امتدادًا طبيعيًا ومنطقيًا لرؤية شاملة للدولة نحو تدشين عدد من المدن الجديدة على ساحل البحر المتوسط، ورباط منطقي لتمظهر مدينة العلمين الجديدة غرب البلاد وأبو قير في الإسكندرية وأخريات في ربوع مصر، ضمن تصور حداثي لرفع كفاءة الواقع الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي والديموجرافي؛ لتعزيز الرؤية السياسية لدور مصر في قادم الأيام، اتساقًا مع تصور الدولة والقيادة السياسية لما ينبغي عمله، وتجاوز ضغوط الزمن والظروف المحيطة؛ بغية إدراك تحققه وبلوغ الأهداف المرجوة منه في أفضل وقت ممكن.

يتزامن ذلك كله مع خطة ورؤية الدولة نحو تطوير قطاع الموانئ المصرية، وتوظيف دورها اقتصاديًا، في إطار استراتيجية تستهدف جعل مصر مركزًا عالميًا للتجارة واللوجيستيات، واجتذاب الاستثمارات الأجنبية للوصول إلى اقتصاد مرن يتمتع بالقدرة على مجابهة التحديات والأزمات على المستويين الإقليمي والدولي.

نحو ذلك، لطالما جاءت توجيهات الرئيس السيسي العمل بدأب لا محدود نحو تطوير الموانئ المصرية، لا سيما موانئ العريش والإسكندرية وبورسعيد ودمياط، وكذا العمل بنفس الرؤية نحو تنشيط محطات تسييل الغاز في إدكو ودمياط، والاستفادة من ذلك تبعًا لتطور الأوضاع الدولية والاقليمية حيز ملف تموضع القاهرة كمركز إقليمي معتبر للطاقة في شرق المتوسط.

غير ذلك، تعتمد وزارة النقل على جذبها لاستثمارات من القطاع الخاص تبعًا لما تتمتع به مصر من طبيعة جغرافية توفر ثلاثة آلاف كم من الشواطئ وثمانية عشر ميناءً تجاري، إلى جانب خطة شاملة من الدولة للاستغلال الأمثل لتلك المميزات والمشروعات المطروحة بالصيغ الملائمة لجذب الاستثمارات، والكشف عن الفرص التي تتيحها بما يحقق خطط الدولة في الربط بين الموانئ.

حق أصيل تدركه مصر جيدًا في قدراتها نحو بلوغ هدف التحول إلى مركز إقليمي لتجارة الغاز في البحر المتوسط، عبر  الاستفادة من محطات الإسالة التي تمتلكها والتي تمكنها من استيعاب  الغاز المكتشف في دول شرق المتوسط، والعمل من أجل تسييله وإعادة تصديره مرة أخرى لدول أوروبا، لا سيما مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية وما تنتجه من صيغ جديدة في أوراق الضغط، الأمر الذي يكشف عن أهمية أن تضطلع مصر بدور لافت في مستقبل غاز منطقة شرق المتوسط بفضل التصور المبكر لأهمية ذلك، وضرورة الاستفادة بموقع مصر الاستراتيجي، والاستعداد عبر إنشاء وتطوير البنية التحتية المطلوبة لتحقق ذلك، والعمل على منح الشركات الكبرى حقوق البحث والتنقيب عن الاكتشافات الغازية الكبرى التي من شأنها أن تضع القاهرة كخيار استراتيجي واقتصادي وفني.

لا ريب أن بناء مدن الجمهورية الجديدة ينسجم مع تحرك الدولة لاستيعاب الزيادة السكانية، والتكامل مع رؤية مصر التنموية 2030، والخروج من مركزية القاهرة، والنزوح بعيدًا عن تداعيات تريف المدينة جراء مواسم الهجرة المتتابعة، وكذا دفع حركة الاستثمار والمستثمرين نحو هذه المدن؛ الأمر الذي يخلق فرص عمل للطاقات البشرية. بيد أن ذلك كله أيضًا يتوافق بالكلية مع كافة المتغيرات التي أمست واضحة أمام الجميع، وأضحت بفعلها القاهرة رئة عفية تمد جسد أوروبا بالطاقة.

ثمة تكامل تستطيع أن تدركه في تخطيط وتنفيذ كافة المشروعات التي انطلقت خلال السنوات القليلة الماضية، بدءًا من ظهور المدن الجديدة عبر العاصمة الإدارية الجديدة ومدن الساحل الشمالي والساحل الشمالي الغربي، مرورا بالدلتا والإسكندرية وشرق بورسعيد ومدن الصعيد الجديدة في غرب قنا وأسيوط وأسوان الجديدة، وكذا مصانع استخراج المعادن من الرمال السوداء، والإدراك اليقظ لقضايا الطاقة في المستقبل عبر الاتفاق على إنشاء محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء.

لا يمكن النظر إلى تلك المشروعات كجزر منعزلة عن بعضها البعض أو استهلاك للأموال في ملفات غير ملحة، بل جميعها كان ولا يزال يحيط بها سياج واضح من التصور المتكامل داخل عمق وقلب هدف استراتيجي يرتبط بمنظور شامل لبنية الدولة الفتية القادرة على امتلاك زمام زمانها واستبصار احتياجات وضرورات مستقبلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى