مكافحة الإرهابسوريا

تأجيج المخاطر… هل تُصعّد العملية العسكرية التركية في شمال سوريا نشاط داعش؟

أعلنت تركيا في 20 نوفمبر الجاري شن قواتها عملية (المخلب-السيف) الجوية شمال العراق وسوريا، مُستهدفه حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا (بي كا كا) ووحدات قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، ردًا على الانفجار الدامي الذي شهدته مدينة إسطنبول في 13 نوفمبر الجاري وأسفر عن مقتل نحو 6 أشخاص وإصابة 81 آخرين. وفي حين ألقت السلطات التركية باللوم على المسلحين الأكراد، نفى حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية تورطهما في تنفيذ الهجوم الذي وظفته تركيا بعد ذلك واتخذته ذريعة لضرباتها في شمال العراق وسوريا بهدف التخلص من الهجمات الإرهابية من شمال البلدين وضمان سلامة حدودها- بحسب أهدافها المُعلنة-.

وفي السياق ذاته، لوّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستكمال الجهود التركية الجوية بعملية برية وشيكة في شمال سوريا ضد الوحدات الكردية، في إطار ما وصفه بحق بلاده المشروع في الدفاع عن أمنها. وتطرح العملية العسكرية التركية في شمال سوريا وما يرتبط بها من تداعيات مخاوف عديدة من تنامي مخاطر تنظيم داعش على الجغرافيا السورية، وهي المخاطر التي ترتبط بمساعي التنظيم لاستغلال الوضع الراهن لتعزيز نشاطه.

ارتدادات خطرة

في ضوء العملية العسكرية التركية في الشمال السوري، يمكن الوقوف على مجموعة من الارتدادات التي قد تمثل محفزًا لتنامي نشاط تنظيم داعش في الفترة المقبلة، وذلك على النحو التالي:

• تعليق عمليات قسد ضد داعش: أعلنت قوات سوريا الديمقراطية رسميًا في أعقاب الضربات التركية تعليق عملياتها مع التحالف الدولي ضد خلايا داعش، الأمر الذي من شأنه تقويض عمليات مكافحة الإرهاب المشتركة بين الولايات المتحدة الأمريكية وقوات قسد، حيث تعد الأخيرة الذراع الأمريكية لإلحاق الهزيمة المكانية بتنظيم داعش، وحجز الزاوية في جهودها الرامية إلى تطويق خطره.

وذلك نظرًا لما توفره تلك القوات من قدرات استخباراتية مكّنت الجانب الأمريكي مؤخرًا من توجيه عدة ضربات قاسمة لداعش، كان أبرزها مقتل الزعيم السابق للتنظيم “أبو إبراهيم الهاشمي القرشي” بغارة جوية أمريكية في مطلع فبراير 2022، فوفقًا لتصريحات الرئيس الأمريكي جو بايدن حول عملية مقتل القرشي، لعبت قوات سوريا الديمقراطية دورًا بارزًا في إنجاح هذه العملية، هذا إلى جانب الدور الذي قامت به تلك القوات في العمليات الأمنية التي نفذتها قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة منذ أواخر شهر أغسطس الماضي، واستمرت حتى الأيام الأولى من شهر سبتمبر الماضي، لملاحقة قيادات وعناصر داعش في مناطق شمال شرق سوريا.

وانطلاقًا من أهمية الدور الذي تقوم به قوات سوريا الديمقراطية في محاربة تنظيم داعش -سواء عبر مشاركة القوات الأمريكية المعنية بمكافحة الإرهاب، أو إطلاق حملات أمنية موسعة على مستويات عديدة لملاحقة خلايا التنظيم وضبط الوضع الأمني في مخيم الهول- يمكن القول إن قرار تعليق عمليات قسد مع التحالف الدولي ضد داعش قد يمثل فرصة سانحة للتنظيم لتكثيف نشاطه، كما حدث في أعقاب الضربات التركية في عام 2019 والتي تراجعت على إثرها قوات قسد من العمليات ضد داعش لمحاربة القوات المدعومة من تركيا في الشمال السوري.

ذلك الأمر الذي استغلته عناصر التنظيم في التوسع والتمدد طوال عام 2020، وأقامت مرتكزات وملاذات في جميع أنحاء البلاد بما في ذلك الصحراء الشرقية السورية ودير الزور، فضلًا عن النشاط المنتظم لخلاياه النائمة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية طوال عامي 2020 و2021 مع تدهور الوضع الأمني حول دير الزور ومحيط الشدادي، ويواصل التنظيم شن هجماته خلال العام الجاري خصوصًا في ضوء استجابة فرعه السوري لموجة العنف التي أطلقها ضمن حملة الثأر لمقتل الزعيم والمتحدث الإعلامي السابق للتنظيم. 

• تعرض مخيم الهول للضربات التركية: استهدفت نحو خمسة ضربات تركية مواقع قوات الأمن الداخلي (الأسايش) المسؤولة عن حماية مخيم الهول في محيطه، ما أثار حالة من الفوضى في صفوف قاطنيه، بحسب تصريحات فرهاد شامي، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية. وتتجسد خطورة تلك الضربات في محاولة استغلالها من قبل الآلاف من عائلات داعش وأنصارهم المحتجزين داخل المخيم من قبل قوات سوريا الديمقراطية في إثارة الفوضى ومحاولة الهروب من المخيم. 

وتتصاعد مخاوف هذا السيناريو خصوصًا مع تصاعد التقارير التي تفيد بأن مخيم الهول شهد مؤخرًا العشرات من جرائم القتل التي ترتكب بانتظام من العناصر الداعشية القاطنة بداخله، حيثُ يقوم هؤلاء بالانتقام من المتعاونين مع الحراس، ويطردون منظمات الإغاثة، إلى جانب عمليات تهريب الأسلحة إلى المخيم بشكل منتظم، فضلًا عن هروب المئات وما يسمون بـ (أشبال الخلافة) إلى معسكرات التدريب الصحراوية التي يديرها التنظيم في محاولة لتعويض نزيفه البشري المتمخض عن الضربات الأمنية التي توجه ضد أفرعه المختلفة.

• خلق حالة من الفراغ الأمني: قد تدفع الضربات العسكرية التركية في الشمال السوري قوات سوريا الديمقراطية إلى خفض قواتها المخصصة لحراسة السجون والمخيمات التي توجد بها عناصر داعش، فضلًا عن توجيه أولوية العمليات التي تنفذها تلك القوات للرد على الضربات التركية بدلًا من توجيهها ضد خلايا داعش، وهو ما قد يخلق حالة من الفراغ الأمني ستتشكل في ظلها بيئة مواتية للتنظيم لتعزيز صفوفه ولملمة شتاته وتصعيد هجماته سواء داخل الجغرافيا السورية أو خارجها. 

وفي هذا السياق، صرح مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية بأن “الهجمات التركية حتى الآن كانت لها تداعيات خطيرة على البنية التحتية للمناطق المستهدفة، وتسببت في إيقاف عملياتها التي تستهدف خلايا تنظيم داعش، لأن القوات المخصصة لمواجهة هذه الخلايا، والتي تشارك في جهود التحالف الدولي ضد تنظيم داعش، أصبحت مستهدفة من جانب الجيش التركي في الوقت الحالي”.

• مخاوف استهداف السجون: مع إعلان قوات سوريا الديمقراطية تعليق عملياتها مع التحالف الدولي ضد داعش وتعرض المخيمات التي تأوي عائلات التنظيم للقصف التركي، تتصاعد المخاوف كذلك من السجون المؤقتة التي تشرف عليها قوات سوريا الديمقراطية، حيث يوجد في شمال شرق سوريا نحو 27 سجنًا تضم أكثر من 10 آلاف مقاتل من داعش، وتتصاعد المعلومات الاستخباراتية التي تشي بأن التنظيم عازم على شن هجماته لإطلاق سراح هؤلاء ضمن استراتيجيته المعروفة بـ (هدم الأسوار)، والتي كان من أبرز تجلياتها هجوم التنظيم في 20 يناير الفائت على سجن الصناعة بمدينة الحسكة السورية حيث يُحتجز أكثر من 3000 داعشي، وأسفر الهجوم عن معركة استمرت نحو 10 أيام بين عناصر داعش وقوات سوريا الديمقراطية وحراس السجون، وأدى إلى فرار العشرات من عناصر التنظيم.

وسيرًا على تكتيك هجوم سجن الحسكة الذي عُد من أقوى وأعقد الهجمات التي نفذها التنظيم خلال العام الجاري، قد يحاول مقاتلو ومعتقلو داعش الاستفادة من انشغال قوات سوريا الديمقراطية بالرد على الهجمات التركية والقيام بأعمال شغب ومحاولات للفرار من السجون، خصوصًا في ظل وجود بعض المعلومات التي صرح بها المتحدث الرسمي باسم الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لقمان أحمي بأن محيط سجن يُحتجز فيه عناصر من داعش في القامشلي تعرض للقصف التركي. 

وقد يكون من المهم الإشارة إلى أنه بخلاف الضربات التركية الأخيرة في شمال شرق سوريا، تفتقر قوات سوريا الديمقراطية إلى القدرة على الحفاظ على الأمن على المدى الطويل، مع وجود تحليلات تفيد بأن السجون المؤقتة التي تأوي مقاتلي داعش تتكون من مبانٍ مدرسية سابقة وأجنحة سجون يديرها بشكل فعال داخليًا نزلاء داعش أنفسهم.

• تراجع الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة: أثبتت الخبرات التاريخية أن جهود محاربة الإرهاب لا يمكن أن تؤتي ثمارها أو تُثبت نجاعتها في بيئة مضطربة جيوسياسيًا، وربما تؤدي الضربات التركية الأخيرة في شمال سوريا إلى حالة من التوتر بين الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة في الساحة السورية. وعليه، قد تتأثر الجهود الدولية لمكافحة نشاط داعش بدرجة أو بأخرى، الأمر الذي سيستغله التنظيم في تعزيز صفوفه وتكثيف نشاطه، فعلى سبيل المثال مكنت الأوضاع الجيوسياسية والأمنية المضطربة في أفغانستان فرع (داعش-خراسان) من التمدد ومضاعفة تعداد قواته وتعزيز نفوذه على الجغرافيا الأفغانية، ورغم الاختلاف بين الحالتين السورية والأفغانية، لكن يمكن القول إن نهج داعش يقوم بشكل عام على الاستثمار في الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة لتحقيق أهدافه. 

مؤشرات دالة

تكشف مؤشرات عديدة عن تنامي مخاطر استغلال تنظيم داعش الضربات التركية في شمال سوريا لتوسيع وتكثيف نشاطه، يتمثل أبرزها فيما يلي:

• توترات داخل مخيم الهول: بعد انطلاق الضربات التركية في الشمال السوري، أفادت قوات سوريا الديمقراطية بنجاح عدد من عناصر عائلات داعش في الهروب من مخيم الهول نتيجة للغارات التركية التي استهدفت المنشآت النفطية لقسد في الحسكة شمال شرق البلاد. وفي السياق ذاته، أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان في 25 نوفمبر الجاري بوقوع إطلاق نار في المخيم على خلفية محاولة عدد من النساء من قسم “المهاجرات” الهروب من المخيم قبل أن تتمكن قوات قسد من إلقاء القبض عليهن. ورصد كذلك بدء بعض عوائل داعش استعصاء وإثارة البلبلة داخل المخيم؛ في محاولة منها للاستفادة من الوضع الراهن، وسط تحليق طيران مسيّر تابع لسلاح الجو التركي.

• توقف عمل منظمات الإغاثة: تتجلى المخاوف الأمنية من انفجار الأوضاع داخل مخيم الهول بعد الضربات التركية في إعلان أكثر من ١١ منظمة دولية ومحلية تعليق أعمالها في مخيم الهول شمال شرقي سوريا، منها “أطباء بلا حدود” و”إنقاذ الطفولة” و”هاندي كب” و”لجنة الإنقاذ الدولية IRC”، فضلًا عن جمعيات ومنظمات أخرى قلّصت عدد موظفيها ومشاريعها، وهو ما سيؤثر بشكل سلبي على الأوضاع في المخيم، ما قد يدفع قاطنيه إلى القيام بأعمال عنف وفوضى. 

• تحذيرات من تنامي نشاط داعش: تصاعدت التحذيرات مؤخرًا من استغلال تنظيم داعش للوضع السوري الراهن في تكثيف نشاطه؛ فوفقًا لأحدث تصريحات مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية، “تمتلك قسد معلومات استخباراتية تؤكد أن تنظيم داعش يستعد لشن هجمات متزامنة مع الهجمات التركية، وستشكل هذه الهجمات خطرًا على المنطقة والمدنيين بشكل عام”. 

وفي السياق ذاته، أعربت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في 24 نوفمبر الجاري عن مخاوفها تجاه الضربات الجوية التي نفذتها تركيا في الآونة الأخيرة في شمال سوريا، قائلًة إنها هددت سلامة العسكريين الأمريكيين، وإن الوضع المتصاعد يعرض للخطر التقدم الذي أُحرز على مدى سنوات ضد مقاتلي تنظيم داعش، وأكدت أن التهدئة الفورية ضرورية من أجل الحفاظ على التركيز على مهمة هزيمة داعش وضمان سلامة وأمن العسكريين على الأرض الملتزمين بمهمة هزيمة التنظيم.

• تزايد عمليات داعش بسوريا: تنامى نشاط تنظيم داعش في سوريا على مدار الأشهر الفائتة، مع تتابع التقارير التي تكشف عن مخاوف تمكن التنظيم من استعادة قوته مره أخرى في الجغرافيا السورية. وفي هذا الخصوص، قال المرصد السوري لحقوق الانسان نهاية أكتوبر الفائت “إنّ تنظيم داعش ما يزال نشطًا في سوريا ويهاجم بصفة متكررة مواقع تابعة للقوات السورية ومناطق قوات سوريا الديمقراطية، وإنّ خلايا التنظيم لا تزال مختبئة في أماكن جبلية نائية، وتنفّذ هجماتها بين الفينة والأخرى.

وفي الختام، يمكن القول إن العمليات العسكرية التركية ضد الأكراد في شمال سوريا قد تكون لها تداعيات كبيرة على -المديين القصير والمتوسط- على جهود مكافحة الإرهاب والوضع الأمني في سوريا والمنطقة، حيث تخلق مثل هذه العمليات وما يرتبط بها من ارتدادات ظروفًا مواتية لتنظيم داعش لتصعيد هجماته في سوريا، أو تنظيم هجمات كبيرة على غرار هجوم سجن الحسكة لإخراج عناصره من السجون لتعزيز صفوفه، مستغلًا في ذلك انشغال قوات سوريا الديمقراطية بالرد على الضربات التركية، وإعلانها تعليق عملياتها مع التحالف الدولي ضد خلايا داعش.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى