تركيامصر

لقاء السيسي وأردوغان في الدوحة بين التناقض الاستراتيجي والتحول التكتيكي

بينما بدت مصافحة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس عبد الفتاح السيسي على هامش افتتاح بطولة كأس العالم في العاصمة القطرية الدوحة لافتة ومثيرة؛ كونها بين رئيسي دولتين مهمتين في محيطهما الإقليمي والدولي؛ فإن واقع الجغرافيا السياسية يشي بكثير من التناقضات المركبة التي تحتاج إلى جهد فائق حتى يتم تجاوز مساراتها التي تحول دون تحقيق عودة العلاقات بشكل كامل بين القاهرة وأنقرة.

ثمة مقاربة طيلة الشهور الماضية لكافة التحركات السياسية لدول أوروبا والشرق الأوسط من ناحية وواشنطن وموسكو من ناحية أخرى فيما يتصل بالقبض على مكامن الطاقة والتأثير على مساراتها وفرض أوراق الضغط على كافة الأطراف المعنية، فضلًا عن الأعمال العسكرية التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا منذ مطلع العام الجاري وتداعياتها المباشرة على كافة دول العالم من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وكذا تعظيم ملف الغاز والطاقة كملف استراتيجي مؤثر على كافة المستويات.

ليس ثمة شك أن التحركات الأخيرة لليونان وسعيها إلى ترسيم الحدود مع ليبيا، ثم لقاء وزير الخارجية اليوناني نيكوس ديندياس والمستشار عقيلة صالح والمشير خليفة حفتر، في بنغازي، بعدما رفض النزول من طائرته التي هبطت مطار معيتيقة ولقاء نجلاء المنقوش وزير خارجية حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية؛ لها أثر كبير في ترتيب خطوة اللقاء والمصافحة، وتجاوز توقف مفاوضات المصالحة بين الوفدين المصري والتركي.

تبدو أجواء المنافسة في شرق المتوسط واضحة بين القاهرة وأنقرة من جهة وبين الأخيرة واليونان من جهة أخرى، كأحد تجليات الصراع على ثروات المستقبل والتي اتخذت نمط الاتفاقيات الرسمية والقانونية، حيث تمكنت كل من القاهرة وأثينا من تجاوز نقاط الاختلاف فيما بينهما وصياغة اتفاقية ترسيم الحدود البحرية. الأمر ذاته حدث بين اليونان وإيطاليا لتواجه بتكتيك السياسة ومفاعيل القانون الدولي الأطماع التركية خارج حدودها البحرية وذلك بالافتئات على الجغرافيا والسياسة الدولية حينما عقدت اتفاقًا غير شرعي مع حكومة السراج السابقة في الغرب الليبي ومذكرة تفاهم اقتصادية وعسكرية مع عبدالحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية.

أنقرة تدرك جيدًا أن ملف شرق المتوسط لن يمر بيسر واستقرار وسط سياساتها غير الواقعية مع القاهرة وغرسها عثرات تمنع معها التوافق مع رؤية القاهرة، خاصة مع رعايتها المباشرة للميلشيات المسلحة في شمال غرب ليبيا.

ربما ذلك يبدو واقعيًا مع تصريحات أردوغان التي نقلتها وسائل الإعلام التركي حيث قال إن مصافحته مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في قطر خطوة أولى نحو تطبيع العلاقات ستليها تحركات أخرى، بل عبر بوضوح عن تطلعاته إلى أن تمضي العلاقات نحو الأعمق بحيث تصل لـ”نقطة جيدة لاحقًا” من خلال محادثات رفيعة المستوى، وذلك من خلال الانتقال بـ”علاقتنا مع مصر من الاجتماعات الوزارية إلى اجتماعات رفيعة المستوى، ومطلبنا الوحيد منهم أن يقولوا لمن يتخذ مواقف معادية ضدنا في المتوسط نريد إرساء السلام في المنطقة”. ووفق وسائل إعلام تركية قال أردوغان: “ننتظر أن نؤسس للسلام بيننا وبين مصر، ونعمل معًا لمواجهة من يتخذ موقفا ضدنا في مسألة البحر المتوسط”.

لطالما كانت سياسة الرئيس السيسي الخارجية  ترتكز على مبدأ ثابت ومهم يبدو جليًا نحو تعميق الروابط مع كافة الدول والانفتاح على كافة الرؤى والتصورات التي تقتضي تحقيق مصالح القاهرة العليا دون الإخلال بثوابت مصر ومبادئها الراسخة إقليميًا ودوليًا. ونجد ذلك أيضًا في تصريح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية السفير بسام راضي حيث ذكر أن “السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي تصافح مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث تم التأكيد المتبادل على عمق الروابط التاريخية التي تربط البلدين والشعبين المصري والتركي، وتم التوافق على أن تكون تلك بداية لتطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين”.

القراءة الدقيقة والفاحصة للتصريحات الصادرة عن الجانبين تكشف كثيرًا من واقع الأزمة التي تعرفها أنقرة حاليًا في محيط سياستها الخارجية، لا سيما بخصوص ما يتعلق بشرق المتوسط وملف الغاز الذي تصاعدت أهميته على تخوم الحرب الروسية الأوكرانية، وما كشفت عنه من أهمية متصاعدة سواء على مستوى الزمن وكذا من الناحية الاستراتيجية.

الانتخابات الرئاسية التي يخوضها أردوغان خلال منتصف العام المقبل تفرض عليه عدة إجراءات تكتيكية على مسرح الأحداث الإقليمي والدولي، وما يتصل بجغرافيا شرق المتوسط السياسية، ولا سيما في علاقاته مع اليونان التي تنازعه الآن الحضور في المشهد الليبي. مما يفرض ضغوطًا عنيفة على رؤى وتوجهات أنقرة التي تدرك جيدًا ثقل التوافق بين القاهرة وأثينا على حضوره السياسي، ميدانيًا، في شرق المتوسط، ما يفرض عليه ضرورة الاستدارة نحو التوافق مع القاهرة من الناحية التكتيكية.

من الصعوبة بمكان تصور التوافق الكامل من ناحية المشروع الاستراتيجي لكل من القاهرة وأنقرة استنادًا إلى عمق التباينات والتناقضات التي ترتكز عليها أسس الاستراتيجية السياسية لكلا البلدين وأهدافهما الإقليمية والدولية في محيطهما الإقليمي، لا سيما مع حالة السيولة والاضطراب التي تعرفها دوائر متاخمة للجغرافيا السياسية المصرية، سواء كان ذلك في ليبيا أو العراق أو سوريا التي تنخرط فيهما أنقرة سياسيًا وميدانيًا. الأمر الذي يفرض عدة مقاربات من الضروري أن تدركها تركيا، وتعمل على صياغة عدة تحولات في أولويات سياساتها الخارجية في تلك الملفات حتى تستطيع التماهي مع القاهرة في الملفات الأخرى.

القاهرة لا يمكنها الصمت أو التطبيع الكامل مع أنقرة مع استمرار وجودها ميدانيًا عبر قواتها ورعايتها لعدد من الميلشيات المسلحة في ليبيا. نحو ذلك تستطيع التمعن جيدًا أن ذلك الملف الليبي يمثل أكثر الملفات حساسية في عقل السياسة المصرية، ولن يرضى الخروج من ساحة الأحداث بديلًا.

يدرك أردوغان جيدًا أن لا فائدة حقيقية من رعايته لتنظيمات الإسلام السياسي وبعض القيادات في تركيا، وأن مقتضيات اللحظة الزمنية تحتم عليه مداراة ذلك الملف نحو الانضباط والتحكم في كافة تحركاته والتوقف عن استخدام ذلك الملف في ملفات السياسة الخارجية. يتوافق ذلك السلوك الذي يتماهى مع قواعد وآليات السلوك الدولي مع رؤى وتوجهات الدول العربية، خاصة القاهرة. الأمر الذي تستطيع أن تبصره في كافة ما تقدمه تركيا مؤخرًا من إجراءات ضد قيادات الجماعة وقنواتها ومنصاتها الإعلامية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى