دول الخليج العربيإيران

مؤتمر حوار المنامة.. التحديات والمسارات

نظمت دولة البحرين أعمال قمة حوار المنامة منذ عام 2004، وهي قمة تعد من أهم القمم الأمنية والدبلوماسية في العالم. حملت نسخة 2022 رقم 18 للحوار السنوي “حوار المنامة 2022: دبلوماسية أمنية لاستقرار الشرق الأوسط”، وتحمل عنوان “القواعد والمنافسة في الشرق الأوسط“. تكتسب هذه الدورة رقم 18 أهمية استثنائية نتيجة لسياقات إقليمية ودولية مترافقة مع الحرب الروسية في أوكرانيا، وتزايد نشاطات إيران الإقليمية في الشرق الأوسط، مع استعادة نتانياهو السلطة في إسرائيل، والتي انعكست بدورها على طبيعة الجلسات والقضايا المقترحة في القمة لهذا العام.

اتسمت القمة بمشاركة واسعة تتجاوز 400 مشارك من دول مختلفة عبر تمثيل رفيع المستوى من وزراء ومسؤولين أمنيين وقادة عسكريين وأكاديميين. وتناولت على مدار ثلاثة أيام بدأت من يوم 18 نوفمبر حتى 20 نوفمبر ست جلسات رئيسة، وهي: شراكات الولايات المتحدة الأمريكية الأمنية في الشرق الأوسط، وتطورات في جيوسياسية الطاقة، وتأثير النزاعات خارج المنطقة على الوضع الأمني في الشرق الأوسط، ومبادرات الشرق الأوسط لحل النزاع الإقليمي، وأمن نقاط الاختناق البحرية العالمية، وتحديث أساليب الدفاع والتكنولوجيا الجديدة، والشراكات الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط.

أبرز التصريحات الرسمية في حوار المنامة

● قالت رئيسة المفوضية الأوروبية “فون دير لاين” إن الاتحاد الأوروبي مستعد للقيام بدوره في تعزيز المشاركة الاقتصادية والأمنية مع المنطقة. وأن العالم بحاجة إلى بنية أمنية أقوى ضد انتشار الفوضى، “نحن نعرف هذا في أوروبا وهو مهم أيضًا هنا في الخليج“.

● وردد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، نايف الحجرف، تصريحات فون دير لاين. وقال: “العمل معًا أمر لا بد منه لمواجهة مثل هذه التحديات، فنحن أقوى بكثير وأفضل حالًا إذا بدأنا العمل معًا لتعظيم قدرتنا على الصمود”. وقال إن “استعادة السلام والأمن والازدهار في الشرق الأوسط تتطلب احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. والعمل المشترك أمر لا بد منه“.

● قال نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي إن الدول النامية هي الأكثر تعرضًا للصراعات الإقليمية. وقال الخريجي: “لا تقتصر الصراعات الجيوسياسية على الأطراف المتحاربة، بل لها عواقب واسعة النطاق على الأمن الغذائي وأمن الطاقة، والدول النامية هي الأكثر تعرضًا للخطر”.

● قالت وزيرة الخارجية النرويجية أنيكين هويتفيلدت إن بلادها مستعدة لأن تصبح مركزًا للوساطة وتهدئة النزاعات.

● قال وزير خارجية فنلندا، بيكا هافيستو، إن الحرب الروسية كانت مصدر قلق للعالم بأسره. وأضاف أن موسكو اختارت مهاجمة ليس فقط أوكرانيا، ولكن أيضًا النظام الدولي بأكمله.

● صرح منسق مجلس الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا بريت ماكغورك، أن بلاده تركّز على ردع “التهديدات الوشيكة” في المنطقة الاستراتيجية الغنية بموارد الطاقة. وتعمل الولايات المتحدة الآن بنشاط على بناء بنية دفاعية جوية وبحرية متكاملة في هذه المنطقة”، مضيفًا: “يتم الآن تنفيذ شيء تحدثنا عنه منذ فترة طويلة، من خلال الشراكات المبتكرة والتقنيات الجديدة“.

● قال قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال مايكل كوريلا، إن أكثر من 100 سفينة بدون طيار ستنتشر في مياه الخليج بحلول العام المقبل لتحييد التهديدات البحرية. وأضاف، “بحلول هذا الوقت من العام المقبل، ستجمع فرقة العمل الأمريكية 59 أسطولًا يضم أكثر من 100 سفينة سطحية وتحت سطحية بدون طيار تعمل معًا وتتواصل معًا وتوفر الوعي بالمجال البحري.

جدير بالإشارة أن الفرقة الامريكية 59 هي فرقة ابتكار أمريكية عسكرية مسؤولة عن تطوير قدرات ذكاء اصطناعي، مثل صناعة السفن المسيرة (روبوتات بحرية عسكرية). وتم إلحاق القوة الجديدة بالأسطول الخامس الأمريكي؛ أي أنها ملحقة بالقيادة الأمريكية المركزية “سنتكوم”، التي أصبحت إسرائيل جزءًا منها مؤخرًا.

وتعد المهمة الأساسية للقوة الجديدة هي عقد تدريبات عسكرية مشتركة في الشرق الأوسط، للترويج لمفهوم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال البحري العسكري، من خلال سلسلة تدريبات آي إم إكس 22، التي نفذّت حتى الآن سبعة تدريبات عسكرية، كان آخرها “الدرع الرقمي” مع البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر. ومن المحتمل أن يزيد التعاون بين الفرقة 59 والإمارات من ناحية، والأردن من ناحية أخرى عبر شراكة عسكرية مع إسرائيل.

السياقات الإقليمية والدولية

تأتي القمة في خضم مجموعة من السياقات الإقليمية والدولية الحاسمة في تحديد كثير من مسارات التفاعلات الحاصلة في الشرق الأوسط. يمكن رصدها فيما يلي:

أولا: الحرب الروسية في أوكرانيا:

تسعى روسيا إلى تقويض النظام الدولي بـ “قواعده” الحالية؛ بداعٍ أنها قواعد تحمل ازدواجية عالية في المعايير لا تلتزم بها الدول الغربية نفسها، وقادت إلى تقويض سيادة الدولة وتهديد سلامة واستقرار الأراضي الأوكرانية، بالإضافة إلى تهديدها الأمن الغذائي من خلال ضرب البنية التحتية والسفن المعنية بنقل الحبوب والغلال إلى دول العالم مما زاد من تدهور اقتصادها، عطفًا على عسكرة امدادات الطاقة الروسية إلى أوروبا، خاصة في قطاع الغاز الطبيعي، بما يؤثر على استقرار سوق الطاقة، واقتصاد الدول المتضررة.

ثانيا: النشاطات الإيرانية في المنطقة:

تلوح إيران بتزايد نشاطاتها التخريبية في منطقة الشرق الأوسط بعد تدهور وضعها السياسي والأمني الداخلي نتيجة المظاهرات الساعية إلى قلب نظام الحكم، وتستمر في نشاطاتها المعادية لإسرائيل في سوريا، وأجزاء أخرى في المنطقة، مثل استمرار نقل الشحنات الإيرانية البحرية إلى الحوثيين في اليمن، تشمل وقود صواريخ صلب، ومعدات عسكرية ولوجستية. وهاجمت إيران شحنات نفط إسرائيلية في بحر العرب.

وتنذر عودة نتانياهو إلى رأس السلطة في إسرائيل باحتدام الصراع الإيراني-الإسرائيلي في مناطق متفرقة من الشرق الأوسط. في حين اعتمدت الإدارة الأمريكية استراتيجية جديدة للأمن القومي تشير إلى اعتبار الصين “المنافس” الأول للولايات المتحدة، مع إمكانية تفلت المنافسة إلى حدود “الصراع”.

التوجهات الأمريكية حيال المنطقة

لا تخرج القمة بعيدا عن عدة مخرجات أمريكية رئيسة، وهي:

1 – استراتيجية الدفاع الوطني 2017 التي أشارت فيها الولايات المتحدة إلى أنها تسعى إلى عقد شراكات تكاملية مع الدول الحليفة في الشرق الأوسط على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، مع وجوب خلق تحالفات إقليمية في المنطقة يمكنها “الدفاع عن ذاتها”؛ تمهيدًا لتنظيم متدرج لإعادة التموضع العسكري الأمريكي في المنطقة.

2 – استراتيجية الأمن القومي الجديدة 2022، التي أشارت إلى احترام العالم لـ “قواعد” النظام الدولي، وإلى ضرورة الحفاظ على حدود التنافس وعدم تحوله إلى صراع بين الدول، وبالتحديد بين واشنطن وبكين. وحددت الاستراتيجية خمسة مبادئ أساسية للتحرك في الشرق الأوسط، وهي:

  • تقوية دفاعات دول المنطقة للدفاع عن نفسها.
  • تأمين حرية الملاحة البحرية.
  • تعزيز منظومة الدرع، وتفعيل الدور الدبلوماسي لتقليل حدة النزاعات.
  • تعزيز التكامل الإقليمي من خلال الروابط السياسية والاقتصادية والأمنية، وإقامة هياكل دفاع جوية وبحرية.
  • تعزيز مفهوم حقوق الانسان.

أما اتجاهات الحركة الامريكية في المنطقة، هي:

  • تأمين الممرات الملاحية البحرية.
  • دعم الشعب الإيراني في مواجهة النظام.
  • منع إيران من التسلح النووي.
  • دعم التطبيع الإبراهيمي.
  • دعم حل الدولتين.

وبالنظر إلى مخرجات قمة جدة للأمن والتنمية من وجهة النظر الأمريكية، وهي عبارة عن خمسة محددات رئيسة، وهي:

  • الدبلوماسية: للحد من النزاعات أو تخفيف حدتها.
  • الردع: عن طريق إقامة تحالفات دفاعية إقليمية.
  • التكامل: على جميع المستويات مع الدول التي “تحترم القانون الدولي”.
  • الشراكة: ستدعم الولايات المتحدة الشراكات وتعززها مع الدول التي تشترك في النظام الدولي القائم على القواعد، وسنتأكد من أن تتمكن تلك الدول من الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية. 
  • القيم: ستعمل الولايات المتحدة دائمًا على تعزيز حقوق الإنسان والقيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.

ملاحظات ختامية

يُلاحظ أن الولايات المتحدة تركز على مفهومين اثنين أساسيين في توجهاتها حيال المنطقة، وهما: 

القواعد: أي قواعد النظام الدولي، والتي يمثل القانون الدولي أحد قواعد النظام الدولي. وحسب دراسة نشرها مركز راند الأمريكي في 2016 بعنوان محاولة لفهم النظام الدولي، أشار إلى أن هناك دولًا جديدة مثل روسيا والصين تحاول التمرد على هذه القواعد وخلق استقطابات إقليمية ودولية لتبني روايتهما، وهو ما يعد أحد أهم التهديدات على المصالح الأمريكية. وتشترط الولايات المتحدة في شراكتها مع دول المنطقة احترام قواعد النظام الدولي، وبالضرورة إدانة السلوك الروسي في حربها الأخيرة على أوكرانيا، وهو محدد مهم في مفهوم “حليف” و”شريك” للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

المنافسة: تعني المنافسة في الرؤية والوثائق الأمريكية أن الولايات المتحدة تحترم الأولويات الوطنية لكل دولة في المنطقة دون تدخل من الولايات المتحدة تحت ما يسمى بـ “الملكية الوطنية”. يصاحب ذلك إشراف أمريكي عام على حدود المنافسة بين دول المنطقة بما لا يخل بالتوازن الاستراتيجي لدول المنطقة.

فتتجه الولايات المتحدة لدعم شراكات جديدة في المنطقة، تسير بالتوازي على مسارين اثنين وهما التطبيع الإبراهيمي بين الدول العربية وإسرائيل، والمسار الثاني هو تحالف إقليمي دفاعي جوي وبحري يشمل دول المنطقة وبالأخص دول الخليج.

وتتجه الولايات المتحدة لدمج الشرق الأوسط في سوق الطاقة العالمية، وبالتحديد السوق الأوروبية عبر إنشاء مسارات طاقة متجددة وغير متجددة. أما على المستوى النوعي، فيعني البحث عن مصادر طاقة جديدة مثل الكهرباء والهيدروجين الأخضر. وأما على المستوى الجيوسياسي، فيعني أن تشمل خطوط الطاقة خريطة محددة تحفظ للمنطقة توازنها الاستراتيجي.

وتتجه الولايات المتحدة لدمج المنطقة مع السوق العالمية، خاصة في مجال الغذاء، عبر دولا جديدة تضاف لمعادلة الشرق الأوسط وهي الهند.

وتظهر مجموعة من التحديات المحتملة أمام حركة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي:

  • عدم وضوح مستقبل سياسي لحل الدولتين بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خاصة في ظل صعود التيار اليميني المتطرف مرة أخرى للسلطة في إسرائيل. وهو ما قد يسهم في تقليل فرص نجاح التطبيع الابراهيمي بين إسرائيل ودول عربية جديدة.
  • تضارب العقائد العسكرية لجيوش المنطقة حيال الهدف من إنشاء تحالف دفاعي إقليمي مع إسرائيل وموجه ضد إيران.
  • تزايد الانخراط الروسي والصيني في المنطقة، ما يجعل دول المنطقة أمام حسابات حدية مع الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا من جهة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى