الأمريكتانمصر

كوب 27: دفعة جديدة للعلاقات المصرية الأمريكية

إلى جانب المنجزات الكثيرة التي تحقق حتى اللحظة لقمة المناخ التي تستضيفها مدينة شرم الشيخ، حققت القمة بعض المنجزات وحملت رسائل سياسية مهمة كان آخرها تلك الرسائل المرتبطة بالعلاقات المصرية الأمريكية، حيث أكدت الولايات المتحدة عبر ممثيلها في القمة أن الدولة المصرية تمثل ركيزة أساسية للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وتعد شريكًا استراتيجيًا مهمًا بالنسبة لواشنطن في المنطقة والعالم، وهي مواقف عبرت في مجملها عن عودة الأسس التقليدية للعلاقات بين القاهرة وواشنطن، وهي الأسس التي تقوم على الواقعية في ضوء المصالح الاستراتيجية الكبيرة بين البلدين.

مباحثات سياسية بين “السيسي” و”بايدن”

استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي في شرم الشيخ الرئيس الأمريكي جو بايدن، حيث رحب الرئيس بزيارة الرئيس بايدن إلى مصر، مؤكدًا على علاقات الشراكة الاستراتيجية الممتدة بين البلدين الصديقين، ودورها المحوري في دعم الأمن والاستقرار بمنطقة الشرق الأوسط، والتطلع لتعزيز التنسيق والتشاور بين الجانبين بشأن مختلف الملفات السياسية والأمنية وقضايا المنطقة، فضلًا عن مواصلة الارتقاء بتلك الشراكة وتعزيزها في مختلف مجالات التعاون الثنائي في إطار من الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة.

ومن جانبه ثمن الرئيس “بايدن” قوة ومتانة العلاقات المصرية الأمريكية، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تعتبر مصر صديقًا وحليفًا قويًا تعول عليه في المنطقة، معربًا عن التطلع لتكثيف التنسيق والتشاور المشترك حول جميع القضايا الإقليمية والدولية، وذلك في ضوء الثقل السياسي الذي تتمتع به مصر ودورها المتزن في محيطها الإقليمي، وإسهاماتها بقيادة السيد الرئيس في تحقيق الاستقرار لكافة شعوب المنطقة.

وتطرق اللقاء إلى مستجدات القضية الفلسطينية، حيث ثمن الرئيس الأمريكي الجهود المصرية الحثيثة والمحورية في هذا الإطار، بما فيها الحفاظ على التهدئة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وبالمقابل أكد الرئيس السيسي على موقف مصر الثابت بالتوصل إلى حل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفق المرجعيات الدولية، كما تم تناول ملف مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، حيث أكد الرئيس في هذا السياق على إرادة الدولة الثابتة حكومةً وشعبًا على مواصلة جهودها الحثيثة لمواجهة تلك الآفة، وتقويض خطرها أمنيًا وفكريًا. وقد أشاد الرئيس الأمريكي من جانبه بنجاح الجهود المصرية الحاسمة في هذا الإطار وما تتحمله من أعباء تحت قيادة الرئيس السيسي في مكافحة الإرهاب والفكر المتطرف، معربًا عن دعم الإدارة الأمريكية لتلك الجهود، ومؤكدًا أن مصر تعد شريكًا مركزيًا في التصدي لتحدي الإرهاب العابر للحدود.

وشهد اللقاء كذلك تبادل الرؤى و وجهات النظر حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية، خاصةً الأزمة الروسية الأوكرانية وامتداد تداعياتها السلبية على مستوى العالم، خاصةً في قطاعي الغذاء والطاقة، فضلًا عن التباحث بشأن تطورات الأوضاع في كلٍ من ليبيا واليمن وسوريا، حيث أكد السيد الرئيس على أن الوصول بالتسويات السياسية لتلك الأزمات يرتكز بالأساس على ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية وإنهاء وجود المرتزقة والميليشيات الأجنبية من المنطقة.

ولم يغفل اللقاء الثنائي بين الرئيسين ملف سد النهضة، حيث أكد الرئيس السيسي تمسك مصر بالحفاظ على أمنها المائي للأجيال الحالية والقادمة، من خلال التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم لملء وتشغيل السد يضمن الأمن المائي لمصر، وذلك وفقًا لمبادئ القانون الدولي لتحقيق المصالح المشتركة لجميع الأطراف، ومن ثم أهمية الدور الأمريكي للاضطلاع بدور مؤثر لحلحلة تلك الأزمة.

وكأحد المخرجات المهمة لهذه المباحثات أعلن بايدن عن دعم جديد بقيمة 500 مليون دولار للتكيف المناخي في مصر، وقال الرئيس الأمريكي إنه سيكون هناك دعم لأنظمة الإنذار المبكر في أفريقيا، لتعزيز الأمن الغذائي ودعم مركز تدريب ‏جديد في مصر للانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة في جميع أنحاء القارة.

تأكيد أمريكي على محورية الشراكة مع مصر

كانت إحدى المحطات المهمة على مستوى المباحثات المصرية الأمريكية على هامش “كوب 27″، المباحثات التي جرت بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، وهي المباحثات التي ركزت على مناقشة عدة قضايا إقليمية وثنائية تشمل قضية سد النهضة الإثيوبي، وتأكيد الرئيس السيسي على أهمية التوصل لاتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل السد، بالإضافة إلى مناقشة سبل تعزيز العلاقات بين البلدين الصديقين على الأصعدة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وكذلك مناقشة تطورات القضية الفلسطينية، والتأكيد على ضرورة التوصل لحل عادل وشامل يضمن حقوق الشعب الفلسطيني وفقًا للمرجعيات الدولية.

وهنأت “بيلوسي”، الرئيس السيسي على التنظيم المتميز للدورة السابعة والعشرين لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “كوب 27″، مثمنةً عمق التعاون المشترك بين البلدين الصديقين، مؤكدةً في الوقت ذاته الأهمية الكبيرة التي توليها الولايات المتحدة للعلاقات مع مصر، كما أكدت المسؤولة الأمريكية سواءً في مباحثاتها مع الرئيس عبد الفتاح السيسي أو مباحثاتها مع وزير الخارجية سامح شكري، على تقديرها لجهود مصر ودورها المحوري كركيزة لاستقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها.

وفي سياق متصل التقى وزير الخارجية سامح شكري مع جون كيري المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص للمناخ، وقد شهد اللقاء مباحثات حول أوجه التشاور والتنسيق الجاري بين مصر والولايات المتحدة في مجال تغير المناخ، كما تم الإعلان خلال المباحثات عن  عقد مؤتمر تحت عنوان “الإسراع من جهود التكيف في إفريقيا” يتم خلاله إطلاق مبادرة مصرية أمريكية مشتركة حول جهود التكيف مع تغير المناخ في أفريقيا”، كما يلي ذلك حدث آخر تحت الرئاسة المشتركة للوزير سامح شكري والمبعوث الأمريكي للمناخ تحت عنوان “الإسراع من طموح تخفيف تداعيات تغير المناخ بالتوازي مع تعزيز أمن الطاقة”، وهو الحدث الذي سيتم خلاله استعراض المنصة الوطنية المصرية لبرنامج “نوفي” لحشد التمويلات الإنمائية الميسرة المرتبطة للمناخ.

دلالات مهمة

حملت المباحثات المصرية الأمريكية الموسعة على هامش “كوب 27” وما شهدته من رسائل متبادلة، العديد من الدلالات المهمة التي تتجاوز في مضمونها حدود الاتفاق حول أولوية مواجهة التغيرات المناخية، وذلك على النحو التالي:

1- حملت إشارات المسؤولين الأمريكيين وتأكيدهم على محورية الشراكة مع مصر، واعتبارها ركيزة لاستقرار الشرق الأوسط، تأكيدًا على فكرة “استعادة مصر لفاعليتها الإقليمية” في إطار الجمهورية الجديدة، وتمثل هذه التأكيدات الأمريكية دليلًا واضحًا على فاعلية الدبلوماسية المصرية خلال السنوات الأخيرة، وهي الدبلوماسية التي تفاعلت بإيجابية شديدة سعيًا لحلحلة العديد من الأزمات ابتداءً من القضية الفلسطينية، مرورًا بأزمات دول العراق واليمن وسوريا ولبنان وليبيا والسودان وأزمات القارة الأفريقية، وصولًا إلى الأزمات والتحديات العالمية الراهنة كجائحة كورونا وأزمة التغيرات المناخية والحرب الروسية الأوكرانية، ويمكن القول إن الدور المصري كان الأكثر “قبولًا” في العديد من هذه الأزمات بين أدوار القوى الإقليمية والدولية المختلفة المنخرطة في هذه الأزمات، حيث تبنت مصر استراتيجية تقوم على التدخل المحسوب والمتوازن، استنادًا إلى بعض الثوابت وعلى رأسها أولوية الحفاظ على مفهوم الدولة الوطنية، والدفاع عن مصالح الشعوب، ومواجهة الفاعلين المسلحين من دون الدول باعتبارهم أحد العوامل الرئيسة المساهمة في إشعال الأزمات في هذه الدول، ورفض التدخلات الخارجية السافرة التي تكون على حساب الاستقرار في هذه الدول، بما يضمن الحفاظ على ثوابت الأمن القومي العربي.

2- تعكس المقاربة الأمريكية في التعامل مع مصر، تعامل الإدارة الأمريكية بنهج واقعي مع الدولة المصرية، انطلاقًا من المصالح الاستراتيجية الكبيرة التي تربط البلدين سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بعيدًا عن الرضوخ لضغوط جماعات الضغط والمصالح التي تنساق وراء بعض الروايات الموجهة والمعلومات المغلوطة عن مصر، وفي المقابل تحرص مصر على التأكيد على أن العلاقات يجب أن تقوم على مبدأ الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة، وأن أي توجهات إصلاحية داخلية مصرية هي نتاج رؤية الدولة لأولوياتها في كل مرحلة، وتأتي في إطار التحركات المصرية لبناء الجمهورية الجديدة، بعيدًا عن فكرة الرضوخ للضغوط  التي قد تقودها بعض الجماعات غير الحيادية مما يؤدي إلى تأزم العلاقات بين الدول، وتتعارض مع الشراكة الاستراتيجية بينها، وهو ما أكد عليه الرئيس السيسي في لقاؤه مع “بايدن” حيث استعرض الرئيس بعض الخطوات الإصلاحية التي تبنتها الدولة المصرية في الآونة الأخيرة في عدة ملفات.

وفي هذا السياق تُدرك الولايات المتحدة أن النظام العالمي يشهد بشكل أو بآخر إرهاصات تحول أو تغير من النظام الأحادي القطبية، إلى نظام متعدد الأقطاب أو لا قطبي، خصوصًا مع تبني العديد من الدول في الآونة الأخيرة لخيار “العصيان الاستراتيجي” للولايات المتحدة، وهو ما تجسد بشكل واضح عقب الحرب الروسية الأوكرانية، حيث رفضت العديد من الدول الانخراط في منظومة العقوبات الدولية ضد روسيا، وتسييس المؤسسات الأممية والدولية، وقد حذرت بعض المؤسسات الأمريكية الفاعلة على مستوى صنع السياسة الخارجية الأمريكية مثل معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، من استمرار الولايات المتحدة في تبني سياسة الضغوط والعقوبات، خصوصًا مع عدم فاعلية هذه الاستراتيجية، واستبدالها باستراتيجية تقوم على التركيز على المصالح الأكثر جوهرية.

3- تؤكد المباحثات المصرية الأمريكية الموسعة، وكذا مباحثات الرئيس والمسؤولين المصريين مع نظرائهم الدوليين، أن قمة المناخ الحالية في مصر، تجاوزت في مباحثاتها ومنجزاتها حدود ملف التغيرات المناخية وما يمثله من تهديدات لكافة دول العالم، حيث حضرت الأزمات العالمية بكافة أبعادها على طاولة المباحثات، وهو اعتبار تفرضه طبيعة الحدث نفسها والسياق العالمي المأزوم الذي يأتي فيه، لكنه يعبر من جانب آخر عن مكسب دبلوماسي كبير حققته الدولة المصرية، التي طرحت رؤيتها للتعامل مع هذا الواقع العالمي، وسعت إلى تقريب وجهات النظر الرسمية بهذا الخصوص.

في الختام، يمكن القول إن قمة المناخ التي تستضيفها مصر في الفترة الحالية، حققت إلى جانب المنجزات المهمة في ملف مواجهة التغيرات المناخية، العديد من المكاسب السياسية النوعية، ومنها إعطاء دفعة للعلاقات المصرية الأمريكية والبناء على بعض المكاسب التي تم تحقيقها في الآونة الأخيرة على مستوى العلاقات الثنائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى